نوال مصطفى
يوميات الأخبار
الدنيا ربيع.. والجو بديع
الثلاثاء، 21 أبريل 2026 - 07:44 م
«عبقرية صلاح جاهين لا تكمن فقط فى جمال وبساطة الكلمات، بل فى اختزال فلسفة الحياة فى جملة نقولها جميعًا لكنه يضعها فى سياق مختلف»
لا يبدو الربيع لى مجرد فصل يتكرر، بل هو حالة وجدانية تستيقظ فجأة فى الشوارع والوجوه. فى مثل هذا الوقت من السنة تصحو فى ذاكرتى قصيدة صلاح جاهين الشهيرة التى غنتها أسطورة السينما المصرية سعاد حسنى «الدنيا ربيع والجو بديع»، تلك الأغنية التى صنعت لتعيش، لا تشعر أبدًا أن كلماتها كتبت فى ماضٍ بعيد، بل تحسها كتبت الآن، فى تلك اللحظة. والدليل على ذلك أنها أصبحت أيقونة أغنيات الربيع وشم النسيم.
عبقرية صلاح جاهين لا تكمن فقط فى جمال وبساطة الكلمات، بل فى اختزال فلسفة الحياة فى جملة نقولها جميعًا لكنه يضعها فى سياق مختلف. هو لا يقدم الفرح صريحًا، بل يتركه يتسلل إلينا عبر كلمات محملة بإحساس عميق «الدنيا ربيع والجو بديع»، كأنه يهمس بأن الحياة لا تحتاج أكثر من أن نفتح أعيننا على ما هو موجود حولنا بالفعل. إدراك أن الجمال ليس بعيدًا، بل قريب إلى حد أننا ننساه أحيانًا من فرط بساطته.
أما صوت سعاد حسنى، فقد منح الكلمات جسدها الحى. لم تكن تغنى، بل كانت تنقل إلينا فرحة القلب الحقيقية بصوت يضحك ويحب الحياة.
«الشجر الناشف بأه ورور.. والطير بأه لعبى ومتهور». نشعر حينما نسمعها أن القلب عندما يصبح خفيفًا يرى العالم أجمل، وأننا نريد أن نجرى ونلعب مثلها فى مشاهد الأغنية التى عرضت فى فيلمها الشهير الجميل «أميرة حبى أنا». تلقائية الكلمات، الموسيقى والأداء تشعرك أنك لا تسمع الأغنية، بل تعيش داخلها ومعها.
«قال لك قال لك قال لك إيه قال لك آه قال لك وصفة بلدية للصحة وطولة العمر العمر العمر خد شمس وهوا على مية بلا دوا بلا عيا بلا مر بلا مر»
الله يرحم عباقرة الفن والكلمة والموسيقى سعاد حسنى، صلاح جاهين وكمال الطويل.
نبى أرض الشمال
فى أمسية فنية، أدبية لافتة شهدت القاهرة إطلاق رواية (نبى أرض الشمال) للأديب أسامة عبد الرءوف الشاذلى. أقيم الحفل بـ «منتدى مدينتى الثقافى» وبدا أقرب إلى العرض الخاص لفيلم سينمائى كبير منه إلى مجرد ندوة أدبية، أو حفل توقيع كتاب. فقد امتلأت القاعة بوجوه كتاب ونقاد مهمين، كذلك كان حضور القراء لافتًا، ولاحظت أن الحفل مدعوم بعدد من الرعاة الذين شاركوا فى هذه الاحتفالية الثقافية، وهو ما منح المشهد كله طابعًا مختلفًا عما تعودنا عليه، بوسترات للرواية والكاتب وتصور لشكل الأبطال، ليس هذا فقط بل ظهور شاب وشابة بالملابس الإغريقية القديمة وتجولهما فى القاعة، وصعودهما بصحبة الكاتب على خشبة المسرح. كل هذا يعكس إدراكًا جديدًا لطبيعة صناعة النشر وكيف يمكن للرواية أن تقدّم إلى الجمهور فى صورة أكثر جذبًا وتأثيرًا.
اللافت فى تجربة الدكتور أسامة الشاذلى أنه لا ينتمى فقط إلى عالم الأدب، بل يأتى إليه من عالم آخر تمامًا، هو فى الأصل طبيب جراح متخصص فى جراحة العظام. وربما منحته هذه الخلفية العلمية قدرة خاصة على التنظيم والدقة والتخطيط، وهى صفات ظهرت بوضوح فى طريقته فى بناء مشروعه الأدبى. فالرجل لم يكتف بكتابة الرواية ونشرها، بل بدا منذ بداياته واعيًا بما يمكن أن نسميه «خدمة ما بعد الكتابة»، أى التفكير فى كيفية وصول العمل الأدبى إلى القارئ بأكثر من وسيلة وبأكثر من شكل.
هذه الرؤية ظهرت مبكرًا مع صدور روايته الأولى (أوراق شمعون المصرى) ففى وقت كان فيه سوق النشر ما يزال يعتمد أساسًا على الكتاب الورقى، قرر الشاذلى أن يذهب خطوة أبعد قبل نحو عشر سنوات كون فريقًا من الممثلين الشباب والشابات ليقدموا الرواية فى شكل أداء صوتى درامى، ثم أطلقها عبر منصته الإليكترونية (سطور مسموعة) عام 2015. كان ذلك قبل أن تدخل إلى مصر منصات الكتب الصوتية التى ذاع صيتها لاحقًا مثل Storytel وغيرها من المنصات التى غيرت شكل العلاقة بين القارئ والكتاب. وتابع هذا الأسلوب فى رائعته (عهد دميانة).
هذه الخطوة المبكرة تكشف عن فهم عميق لطبيعة التحولات التى يشهدها عالم القراءة. فقد أدرك الشاذلى أن الكاتب الجديد، إذا أراد أن يصل إلى الناس، لا يمكنه أن يكتفى بالطريق التقليدى وحده.
فالنص الأدبى يمكن أن يعيش فى أكثر من وسيط، وأن يصل إلى القارئ فى صور متعددة، كتاب مطبوع، أو كتاب صوتى، أو حتى تجربة درامية تسمع كما تقرأ. وهنا لا يصبح الهدف مجرد زيادة الانتشار، بل تقديم العمل الأدبى فى شكل يرفع من قيمته ويمنحه حياة أطول وتأثيرًا أوسع.
فى الاحتفالية الخاصة بإطلاق «نبى أرض الشمال» بدا واضحًا أن هذه الرؤية لم تكن مجرد تجربة عابرة، بل جزء من مشروع متكامل. فقد فهم الدكتور أسامة الشاذلى سيكولوجية القارئ والمتلقى، وعمل عليها بذكاء وتركيز، واضعًا فى اعتباره أن الرواية ليست فقط نصًا يكتب، بل تجربة ثقافية كاملة يمكن أن تصنع حولها حالة من الترقب والاهتمام. وربما لهذا السبب استطاع فى سنوات قليلة أن يحفر اسمه سريعًا بين كتاب الصفوف الأولى، خاصة فى مجال الرواية التاريخية، وهو المجال الذى يتطلب معرفة دقيقة بالتاريخ إلى جانب قدرة سردية قادرة على إحياء الأزمنة البعيدة وجعلها قريبة من وجدان القارئ المعاصر.
كان الحديث هنا عن الحدث الكبير الذى عايشت تفاصيله، أما الرواية نفسها وأنا من المغرمين بكتابات دكتور أسامة عبد الرءوف الشاذلى فلها حديث مستقل ومساحة أخرى هى جديرة بها فى مقال قادم بإذن الله.
حكمة البطء
نعيش الآن فى زمن يبدو فيه كل شيء كأنه يجرى بلا توقف. تتلاحق الأخبار، تصل الرسائل فى لحظتها، تعبر الصور الشاشات بسرعة تكاد تمحو أثرها قبل أن نستوعبها. صار العالم أقرب إلى نهر متدفق لا يتيح لنا أن نتأمل مياهه، بل يدفعنا دفعًا مع التيار. لكن الإنسان لم يتغير كثيرًا، فلا يزال قلبه فى حاجة إلى لحظة سكون، ولا زالت روحه تبحث عن مساحة صمت تتأمل فيها المعنى وسط هذا الضجيج المتراكم.
فى تراث المتصوفة حديث طويل عن «السكينة» يقول إنها حالة داخلية لا يمنحها العالم الخارجى، بل يكتشفها الإنسان حين يتباطأ قليلًا ويصغى إلى صوته الداخلى. كانوا يقولون إن الطريق إلى المعنى يبدأ أحيانًا بخطوة إلى الوراء، وبقدرة على مقاومة اندفاع اللحظة. وربما لهذا تبدو الحكمة القديمة أكثر وضوحًا فى زمننا الحالى، فليس المطلوب أن نسبق الزمن، بل أن نفهمه ونصادقه.
العالم الحديث يقيس النجاح بسرعة الإنجاز، بعدد الرسائل المرسلة، وبكمية الأخبار التى نتابعها فى اليوم الواحد. لكن الحياة، فى جوهرها، لا تقاس بهذه المعايير وحدها. فهناك لحظات صغيرة لا يمكن التقاطها إلا فى لحظة هدوء، ابتسامة عابرة، كلمة طيبة، أو فكرة تولد فى ومضة تأمل عميق. هذه اللحظات هى التى تصنع المعنى الحقيقى للحياة، لكنها تحتاج إلى قدر من البطء كى تظهر.
ربما لهذا السبب نشعر أحيانًا بتعب خفى لا نعرف سببه. ليس لأننا نعمل أكثر مما ينبغى، بل لأننا نعيش بإيقاع أسرع مما تحتمله أرواحنا. فالإنسان ليس آلة، بل كائن يحتاج إلى الصمت بقدر حاجته إلى الكلام، وإلى التأمل بقدر حاجته إلى الفعل.
لعل ما نحتاجه اليوم ليس مزيدًا من السرعة، بل لحظة تركيز نتذكر فيها أن الزمن ليس لصًا نطارده، بل رفيق رحلة. وحين نتعلم كيف نسير معه لا ضده، قد نكتشف أن المعنى الذى بحثنا عنه طويلًا، كان ينتظرنا دائمًا فى تلك المساحة الصغيرة من السكون التى نعبرها سريعًا دون أن نلتفت إليها.
كلمات:
■ إذا تساوت كل البدائل أمامك وأصابتك الحيرة فى الاختيار بينها، فاذهب حيث يقودك قلبك.
الكلمات الدالة
الاخبار المرتبطة










السيد النجار يكتب: ومـاذا عن..؟
حكايات من دفاتر الآثار
أسرار جائزة مصطفى وعلى أمين
سفارى قتل البشر
كيف نقرأ التاريخ وكيف نرى الحاضر؟
الحب فى الأرض.. بعض من تخيلنا
ضيف فى بيت النبى ﷺ
طقوس التفاعل الاجتماعى فى حى السيدة
أحنّ إلى «فتة» أمى!