د. أسامة السعيد
د. أسامة السعيد


د. أسامة السعيد يكتب: رأسمال الموهبة

د. أسامة السعيد

الأربعاء، 22 أبريل 2026 - 07:23 م

فى عالمٍ باتت فيه المعرفة هى العملة الأغلى، لم تعد القوة الاقتصادية للدول تُقاس بما تمتلكه من موارد طبيعية فحسب، بل بما تملكه من «رأسمال بشرى» قادر على تطويع التكنولوجيا وتحويل الأفكار المجردة إلى مشروعات عملاقة. 

ومن هذا المنطلق، وضعت الدولة المصرية قضية «رأسمال الموهبة» على رأس أولوياتها، مدفوعةً بمبادرات رئاسية طموحة أطلقها الرئيس عبد الفتاح السيسى، تستهدف بناء إنسان مصرى مبدع يمتلك أدوات المستقبل، كان أحدثها دعوة الرئيس إلى إطلاق «دولة الابتكار والإبداع» بعد النجاح الاستثنائى الذى حققه برنامج «دولة التلاوة».

إن المبادرة الرئاسية لدعم الموهوبين والمبتكرين ليست مجرد خطة حكومية عابرة، بل هى «رؤية وطن» أدرك أن الاستثمار فى العقول هو الاستثمار الوحيد الذى لا يعرف الخسارة.

هذه المبادرات المتتالية التى تستهدف منح العقول النيرة والطموحة فرصة الانطلاق عبر خلق بيئة حاضنة للابتكار، تبدأ من اكتشاف النابغين فى مراحل مبكرة، وصولاً إلى تقديم الدعم المادى واللوجستى لتحويل ابتكاراتهم إلى منتجات تنافس فى الأسواق العالمية، وهو ما يمثل حجر الزاوية فى «الجمهورية الجديدة».

■■■

وبالنظر إلى خريطة التقدم العالمى، نجد أن تجارب الدول الكبرى تؤكد أن الابتكار هو «السر» وراء القفزات التنموية، فعلى سبيل المثال تجربة كوريا الجنوبية استطاعت فى غضون عقود قليلة، أن تتحول من دولة تعانى ويلات الحروب إلى عملاق تكنولوجى عالمى، لم يكن ذلك ليتحقق لولا تركيزها المطلق على البحث والتطوير ودعم الموهبة، حتى أصبحت شركاتها تقود قطاعات الإليكترونيات والسيارات فى العالم.

كذلك تبرز تجربة سنغافورة، تلك الدولة التى لا تمتلك موارد طبيعية تُذكر، لكنها استطاعت عبر استراتيجية «الأمة الذكية» أن تجعل من المبتكرين أغلى وأغنى أصولها، لتصبح اليوم مركزاً مالياً وتكنولوجياً عالمياً.

ولا يمكن إغفال تجربة اليابان التى بنت نهضتها من حطام الحروب عبر «ثورة الجودة» والابتكار المستمر، محولةً الموهبة البشرية إلى طاقة إنتاجية غزت بها الأسواق العالمية.

وحتى على المستوى الفردى، استطاع النابهون أن يحولوا أفكارهم إلى كيانات تدر عليهم المليارات وتمنح لدولهم الرخاء والقوة بين الأمم، فكل عمالقة التكنولوجيا من جوجل إلى فيسبوك، ومن أبل إلى أمازون لم يكونوا سوى مشروعات  بدأت بأفكار مبدعة ورؤى بسيطة فى عقول أصحابها، قبل أن تتحول إلى إمبراطوريات اقتصادية يتجاوز حجم أعمالها اقتصادات عدة دول مجتمعة.

■■■

عالم اليوم تحول من الرأسمالية التقليدية (Capitalism) إلى رأسمالية المواهب (Talentism) نتيجة الثورة التكنولوجية التى جعلت الوصول إلى التمويل والمعدات أمراً سهلاً ومتاحاً للجميع، مما أفقد «رأس المال المادى» ميزته التنافسية المطلقة، ففى الماضى، كان مَن يملك المصنع والمال هو المسيطر، أما اليوم، فالمحرك الأساسى للابتكار والقيمة المضافة هو العنصر البشرى المبدع، فامتلاك المال لا يعنى شيئاً دون وجود «الموهبة» التى تعرف كيف تطوعه لخلق تقنيات وبرمجيات تغير قواعد اللعبة.

هذا التحول يعنى أن الموهبة أصبحت المورد الأكثر ندرة وقيمة فى الاقتصاد الحديث، متفوقة على رأس المال، فالشركات الكبرى لم تعد تتصارع على الأصول المادية، بل تخوض «حرباً» لجذب العقول المبتكرة والمهارات النادرة، لأن القدرة على التكيف مع التغيير السريع وإنتاج أفكار إبداعية هى الضمان الوحيد للنمو والاستمرار فى عصر الذكاء الاصطناعى والاقتصاد الرقمى.

■■■

وفى مصر، يقوم الرهان اليوم على استعادة الريادة التاريخية من بوابة العصر الرقمى، وبناء «رأسمال الموهبة» يتطلب تضافر جهود مؤسسات الدولة مع القطاع الخاص والجامعات، لخلق منظومة متكاملة لا تكتفى باكتشاف الموهبة، بل ترعاها وتقدم لها البيئة المحفزة لترى النور، وتحلق فى سماوات النجاح.

إن ما نلمسه اليوم من اهتمام رئاسى بإنشاء جامعات تكنولوجية، ودعم ريادة الأعمال، وتدشين مراكز الإبداع الرقمى فى المحافظات، هو إدراك عميق بأن المبتكر والمبدع المصرى فى جميع المجالات هو المحرك الحقيقى لقطار التنمية، فالابتكار لم يعد رفاهية، بل هو ضرورة وجودية لضمان استدامة النمو الاقتصادى، ومواجهة التحديات بآليات خارج الصندوق، والإبداع بجميع صوره هو رصيد القوة الناعمة الذى لا ينفد.

وتبقى الكلمة الفصل فى هذا المشروع القومى لشباب مصر، فهم الوقود الحقيقى رأسمال الموهبة، والذخيرة التى تراهن عليها الدولة فى معركة البناء، إن تمكين الشباب من ناصية العلم والابتكار ليس مجرد تكريم لمواهبهم، بل هو اعتراف بأنهم العقل المفكر والساعد المنفذ لرؤية مصر المستقبلية، إنهم الجسر الذى سيعبر بالوطن نحو آفاق اقتصاد المعرفة، محولين التحديات إلى فرص، والأحلام إلى واقع ملموس يضع مصر فى مكانتها اللائقة بين الأمم المبدعة.

وإيماناً منا بأهمية المبادرة الرئاسية لإطلاق دولة الابتكار والإبداع، فقد قررنا فى جريدة «الأخبار» أن نكون جزءاً من تلك المبادرة بالغة الأهمية، وأن نواصل دورنا الوطنى والتنويرى عبر محاولة استكشاف بعضٍ من كنوزنا البشرية المخبوءة فى كل مكان فى أرض مصر الثرية، وأن نقدم عبر مختلف الأشكال التحريرية قصصاً لمبدعين ومبتكرين وأصحاب أفكار خلاقة من كل أنحاء أرض الكنانة، وستظل صفحاتنا مفتوحة لكل أصحاب العقول النيرة... وما هذا الملف إلا خطوة على طريق الألف ميل فى دعم المبدعين والمبتكرين.

 
 
 
 
 
 
 
 

الكلمات الدالة

 
 
 
 
 

مشاركة