عصام عطية
خرابيش
عصام عطية يكتب: هبد مقدس!
الخميس، 30 أبريل 2026 - 08:09 ص
كيف تحول تمثال أثرى إلى “فرعون موسى” في زمن السوشيال ميديا.. الآن لا نحتاج إلى وقت طويل لفهم الاكتشافات الأثرية نحن فقط نحتاج إلى إنترنت سريع وخيال واسع.
تمثال يخرج من باطن الأرض فى منطقة “تل فرعون” بالشرقية، مصنوع من الجرانيت الوردي، بارتفاع 2.3 متر ووزن 5.5 طن، خبر أثرى مهم، كان من المفترض أن يستقبل بهدوء الباحثين، لا بسرعة الشير والكومنت.
لكن يبدو أن البلدوزر هذه المرة لم يكتفِ برفع التمثال بل رفع معه سقف الهبد، فى ساعات قليلة تحول التمثال الذى لم يحسم أمره بعد إلى “فرعون موسى عليه السلام”، وسط موجة من التأكيدات الواثقة التى لا ينقصها سوى دليل واحد فقط.. الدليل نفسه!
والأطرف من ذلك أن الجهة الرسمية نفسها ــ أى وزارة السياحة والآثار ــ لم تقل هذا الكلام أصلا، بل أعلنت بوضوح أن التمثال من المرجح أنه يصور الملك رمسيس الثانى، من المرجح، يعنى بالعربى لسه بنفكر، لسه بندرس، لسه ما جزمناش، لكن يبدو أن هذه الجملة لم تعجب هواة الحسم السريع، فتم القفز فورا إلى النسخة الأكثر إثارة “هذا هو فرعون موسى”.
هكذا، وبلا وثيقة واحدة، ولا نقش، ولا دليل أثري، تحول التمثال من احتمال مفتوح إلى حقيقة مطلقة، ظهر فجأة كثير من الباحثين ليؤكدوا الرواية، دون أن نعرف أسماءهم أو أبحاثهم، وكأنهم فرقة إنقاذ تظهر فقط عندما يكون الترند فى خطر.
المنطق عند خبراء التاتش بسيط جدا, فبمجرد رؤية 5 طن من الجرانيت الوردي، يتم شطب التاريخ والطب والمنطق،لا يهم أن “مومياء” الرجل خضعت للفحص وأكدت أنه مات “على سريره” من أمراض الشيخوخة بعد أن حكم 67 عاما، ولا يهم أن آثاره التى تملأ البلد من شمالها لجنوبها تنسف فكرة التدمير المذكورة فى القرآن الكريم لآثار فرعون وقومه المهم هو اللايك والسيناريو الدرامى الذى يربط الدين بالتاريخ بـ”اللودر”!
المثير للضحك هو هذا الإصرار العجيب على توريط رمسيس فى كل قضية غامضة، الرجل أصبح شماعة تاريخية، لو وجدنا حجرا مكسورا فى الدلتا نلبسه تهمة الغرق، ولو وجدنا تمثالا وسيم الملامح نقول عامل ميت ليهرب من المسئولية! رمسيس الذى بنى “أبو سمبل” و”الكرنك” ووقع أول معاهدة سلام فى التاريخ، يجد نفسه اليوم فى مواجهة جمهور يرى أن كلمة باحثين على السوشيال ميديا أقوى من بردية عمرها آلاف السنين.
التمثال يستحق أن يدرس، لا أن يستغل والتاريخ لا يكتب بالانطباع، ولا يحسم بمنشور أما هذا الهبد المقدس، فربما يكون الاكتشاف الحقيقى الوحيد لكنه، للأسف، ليس أثريا.
الكلمات الدالة
الاخبار المرتبطة
أفاعى «الإخوان» (17) .. حسن البنا.. كبيرهم الذى علمهم القتل
حارس اللحظة
صلاح دندش يكتب: تخاريف
أيمن بدرة يكتب: المناخ الرياضي الملوث
شوقي حامد يكتب: الآمال معقودة والرجاء موجود
كمال الدين رضا يكتب: مونديال للشهرة فقط
علا عزت تكتب: الحل ليس في قندهار.. ولا فيجاس
محمد صلاح يكتب: سداد المستحقات..رسالة ثقة للعالم
منى عشماوي تكتب: في عيد ميلاد ترامب الثمانين







