اللوحات للفنانة الجزائرية فاطمة حداد
مِنْ مفكرةِ نَسرٍ آدميٍّ
الأحد، 24 مايو 2026 - 12:58 م
محمد إبراهيم الفلاح
ظلَّ صوتى وَأنا جنينٌ عالقٌ بينَ رحمِ أمِّهِ وَيدِ القابلة سؤالًا يُدوِّى فى أعماق وجدان والدى المنتظرِ بالخارج ليعلمَ إن كان ما رآهُ ليلةَ مولدى العاصفة من أضغاثِ أحلام فيه من البشارة ما كان فيه أم كغيره من سابقيه من أحلامٍ اختلطَ فيها السىءُ بالحَسَنِ وَأنبأتْ الأيامُ الأولُ عنِ الأيام الأُخَر...
جاءت القابلة متهللة الوجه تُخبرُ والدي:
- بُشراكَ يا مَسعودُ! يا أبا أبى السُّعودِ! هذا غلامٌ كاحلُ العَينينِ... أريدُ أعطيتنى!
فَهَبَّ أبى من مكانه فَرِحًا وَيداهُ مبسوطتان بِكلِّ ما كان يملكُ من قروشٍ وَكيزان ذُرة ناشفة كانت تتساقط الواحدة تلو الأخرى على الأرض وتحت وقع سقوطها كان يتلاشى صوت رنة الخمسة قروش التى تلاشت هى الأخرى تحت غطاء الذرة الكثيف وَكدتُّ حينها أنْ أقعَ على الأرض والقابلة «نائلة» تجرى بى نحو أبى وَعيناها على ما كان فى الخلف منه يَسَّاقَطُ رَطَبًا جَنِيًّا...
كان هذا قبل أن يقفزَ أبى منبطحًا على الأرض وَقَبلَ أن يلامسها التقطنى بيديه وبينه وَبينَ الأرضِ الممتلئة اللامستوية بقايا الفحم المشتعل التى أسقطها أخى «سعد» وهو يُحضرُ لأبى نرجيلته التى اعتاد تناولها فى مثل هذا الوقت من الليلِ...
ظَلَّ أبى مترَدِّدًا كثيرًا قبلَ أن يَنظرَ لى النظرةَ الأولى والأخيرة والنَّارُ تأكُلُ نصفَهُ الأسفلَ بعد أن تفاعلت قِطَعُ الفحم المتأججةُ مع جلبابه الممتلئ بِبُقعِ البنزين الكبيرة التى علقتْ به وهو ذاهبٌ لإحضار القابلة على بغلتهِ التى سقطتْ به مرتين فى الطريق المُمَهَّدَةِ بينما كان يسحب بها سيارة عينِ أعيانِ القرية بعد أن نفدَ البنزينُ منها وهى تسير بأقصى سرعة لِتُحضرَ أفخمَ الطعام من المدينة التى كانت على بعدِ ثلاثة كيلومترات فقط من القرية مما أدَّى إلى تأخُّرِ مسعود أبى على أمى وَازدياد آلام الطلق عليها وهى المريضة بالسُّكَّرى وضغط الدمِ، الأمر الذى أدَّى إلى أن تلفظَ أنفاسها فى الحال وهى تلدني...
فاضت عينا أخى سعد وَأخوتى الأربعة وَهُم يرونَ الدموعَ فى عيون ابى بعد أن رآنى رأى العينِ وَالنَّارُ تَنهَشُ فى كل أنحاء جسده وَهو يصرخُ قائلًا:
- يا وَيلتاهُ! ضاعَ عُمرى وَضاعَ عيالي...!
ذهبَ سعد وَأخوتى وَانا بين يديَّ كل واحدٍ منهم مدَّةً من الوقت إلى أن تَخورَ ذراعاهُ فَيُسلِّمُنى للآخر لأرشُفَ من مآقيه دموعًا مُنهمرةً من عينين ينظرانِ إلى بيتنا المتداعى حرقًا ثُمَّ غَرَقًا من السيل الذى جاء مبكرًا فى تلك الليلة وَقَبلَ موعدِهِ بأسابيعَ عديدة... وَلم يَكنْ هذا بالغريب، فهذه هى المرة الثانية التى جاء فيها قبل موعدِهِ وَكانت الأولى حينما شعرتْ بى أمى نُطْفَةً تَتَحرَّكُ بين أحشائها.
رفضَ الحاجبُ إدخال أخوتى من باب بيت صاحب القرية بِحجَّةِ أنَّ أقدامنا وَثيابنا كانت متَّسخةً وَحينَ أخبره أخى أنَّ السيلَ قادمٌ من حيث بيتنا فى الجنوب إلى حيث بيتهم فى الشمال، بادَرَه الحارس بقوله ضاحِكًا:
- بُيوتنا من الجرانيت، لا من الطين كخاصتكم، وَبوابة البيت من فولاذٍ وارتفاعها عن الأرض أعلى من منسوب السيل بكثيرٍ...
وَكنَّا لَمَّا طَغى الماءُ وَاستوَتِ السفينةُ التى كانت تُقِلُّنا – بعد أن أرسلتها لنا يدا القدر - على سور آلِ جُودى وَكُدنا نسقطُ سُراعًا دُفعةً واحدةً داخلَ حُدودِ بيتِ صاحبِ القرية المترامى الأطراف كأنه إقليمُ الهلالِ الخصيبِ أو قيصريةٌ ملأى بِكلِّ ما هو حافِظٌ وَمَحفوظٌ، وَشاهدٌ وَمَشهودٌ، وَالماءُ جَوًّا يُحيطُ إذ هُم عَليهِ قُعُــودٌ...
سقطَ الجَميعُ، بما فيهم الحيوانات، صَرعى فى أعماق حفرة صرف صحى اتَّسَعتْ لتبتَلِعَ أربعين رجلًا وَامرأةً وَطفلًا، إضافةً إلى الحيوانات والطيور وَظلَّت على ذات عُمقها حتى بعد أن غَرقَ فيها الجميع، ذلك أنها كانت مشيَّدَةً أعلى منطقة كثبانٍ رملية تبتلع من كان يقف فوقها ولو كان عُصفورَ الدُّورى...
وبينما انا عالقٌ بثيابٍ مُهلهلةٍ فى رأس عمود حديدى بارز أعلى السور ويبدو كالسهم الناريِّ، جاء نسر جارح وَالتقطنى بِمخلبيهِ اللذان كنت أستشعرهما معقوفين فوق لحمى بعد أن نَشبا فى ثيابى...
وعندما وصلنا وَكرَهُ، أطعمنى كأنَّنى واحدٌ من عيالهِ الذين لم ينجبهم. وكبرتُ بين أحضانهِ وصرت أفقهُ لُغَةَ الطَّيرِ كما كان يفقهها أبى مسعود وَكَلَّمنى بها وَأنا بين يديه وَنبَّأنى بِحلمه الذى كانت تفوحُ منه رائحةُ شياطٍ أبشعُ مما كانت تنبعثُ من جسدِهِ المحترق...
ظَلَلتُ أستعدُّ لليوم الذى سيكون فيه مَقتلُ أبى بِجعلِ منقارى وَمخلبيَّ أكثر فتكًا وَيَدَيَّ الآدميتين أكثرَ صلابةٍ كما هما جناحاى اللذان كنت لا أطير بهما ولكن كانت لِخفقةِ الواحد منهما قوة العواصف عند هبوبها...
وحين عاد أبى ذات مساء ليلة ملبدة بالغيوم وَسَهمٌ مسموم نافذ من كلا جنبيه كأنه المصلوب جزاءً على ما فعل فى سابق الأيام وَأنقذنى من ذات السهام التى كانت موجهةً نحوى أنا وَأخوتى وَأهل القرية أو من تَبَقَّى منهم وهى توقعنا الواحد تلو الآخر... كان كل همى حينها أن أنزعَ السهمَ من كبده وَأوقفَ فيض الدم الذى كان بِمصبينِ وَنبعٍ واحدٍ، وَلكن كانت السهام تنطلق عالينا وسافلنا وَمنْ كل مكان حولنا لتنذرَ بيومِ التلاق...
أخبرنى أبى أن أتركه لمصيره الذى يعلمهُ برؤيا أبى له فى المنام ذات ليلة كهذه وَللمصير الذى كان ينتظرنى وَأخبرنى به قبيل موته.
ها أنا ذا أكتب آخر سطور مُفكرتي، وَأُدَوِّنُ ما جرى لأبى فى غارة الاستطلاع التى قام بها على بيت آل جودى استعدادًا لهجومنا اللاحق من سرايا النسور وَالقردة وَالأفيال وذلك إلى أن أصابته جودى بسهمها المنقوع فى قِدْرِ سُمِّ العقارب الممزوج بِسُمِّ الأفاعى والحَيَّات...
وَلَمَّا التفَفنا من وراء الحصار المضروب حول غابتنا عبرَ الأجواء وَالأنفاق العملاقة تحت الأرض وَفروع الأشجار الكثيفة الأوراق وصارت أجسامهم طُعمةً خالصة بين من يَلفظُ أنفاسه الأخيرة تحت أقدام يزيد ثقلها عن المائتى كيلوجرام، أو طائرةً فى الهواء على ارتفاع خمسين قدمًا أو يزيد أو ساقطةً بينَ أنياب السباع التى كانت تنتظرهم جائعةً فى خنادق كُنا قد غَشَّيْناها بالأعشاب الكثيفة قبل أسبوع لتسقطَ فيها وَتتضوَّرُ جوعًا فى انتظار أصحابها الذين أطلقوها نحونا لتفتكَ بنا فإذا هى تلتهمهم وهم يسقطون سراعًا بركلات القِرَدَةِ التى كانت توجههم صوب الخنادق التى كانت تعلم بأماكن وجودها بكل دقة...
ها هى ذى رؤيا أبى تتحققُ وَيَكتبُ ابنى آخرَ سطورَ مُفكرتى بعدما فقَدَ أبوهُ يديهِ فى المعركة بِسيف جودي... كان يَخُطُّها مُبتسمًا تمامًا مثلما كانَت سيماءُ جَدِّهِ الذى كان ما أشبَهَهُ به وَصَدَّقتُ أنا رؤياهُ فكان الجزاءُ أن قَوِيَ جناحايَ على الطيران فراقبتُ جودى وهى تسقط هلعة بين براثن الأسد الأثيرِ لها... كنت فى أيما فخر به انا وَأمه وَقد أنجبناه آدميًّا كامل الخلقة ليسَ مثلى أو مثلَ أمهِ التى كانت ثانى مَن نجا من السَّفينةِ وحملها أبى فى فمهِ غيرَ آبهٍ بما كانوا يُطلقونهُ عليه من سهامٍ وَطلقات رصاص كَهَزيم الرعودِ فى السماء...
العجيبُ أننا حَيينا فى الغابة بلا سباعٍ، فَجميعها ماتت من قبل أن تلتهمَ ما تبقَّى من أجساد فرائسها وَبدا عليها غداةَ موتها علامات التسمم بِسُمٍّ قيلَ لنا من جانب ولدى الذى أصبح فيما بعد عالمَ حَفريَّاتٍ وقام بِالتنقيب فى تلك الخنادق وَعلى أعماق أكثَر عن بقايا أجسام تلكم الأسود واكتشفَ ما اكتشفهُ سابقوه من علماء الحفرياتِ وَهوَ أنَّ السُّمَّ الذى كان فى أمعائها كان خليطًا من سُمَّيِّ العقربِ وَالأفعى...
الكلمات الدالة
الاخبار المرتبطة










زاد
الحبُ
ناظم حكمت
تأملات أخرى عن أجمل الأيام إلى ناظم حكمت
أجمل الأيام
الأيام الجميلة بين ثلاثة شعراء
غرفة الأرملة الصغيرة
أُنثى فى طى المَجهول
أول وطن