حكاية "خبيئة بانحسي" حين تحدثت مرآة الكاهنة وأسرار الذهب من أعماق هليوبوليس
حكاية "خبيئة بانحسي" حين تحدثت مرآة الكاهنة وأسرار الذهب من أعماق هليوبوليس


"خبيئة بانحسي".. حين تحدثت مرآة الكاهنة وأسرار الذهب من أعماق هليوبوليس

شيرين الكردي

الإثنين، 08 يونيو 2026 - 09:19 م

في قلب مدينة الشمس القديمة، حيث كانت "أون" أو هليوبوليس مركزًا لعبادة الإله رع، لم تكن الرمال تخفي مجرد بقايا أثرية، بل كانت تحتفظ بفصل كامل من حكايات المصريين القدماء، وبين جدران مقبرة "بانحسي" بالمطرية، انكشفت خبيئة استثنائية أعادت إلى الحياة تفاصيل دقيقة من طقوس الدفن والزينة والمعتقدات الجنائزية، لتروي لنا قصة أثاث جنائزي شبه متكامل ظل مختبئًا لقرون طويلة في انتظار من يعيد اكتشافه.

 

"حكايات من كيمت" عن أثاث جنائزي في مصر القديمة

 

في أحد أيام التنقيب داخل جبانة هليوبوليس العريقة، كانت البعثة الأثرية المصرية التابعة للمجلس الأعلى للآثار تواصل أعمالها بموقع مقبرة "بانحسي" بمنطقة آثار المطرية بعين شمس، وبين طبقات الأرض المتعاقبة، بدأت تظهر ملامح قصة جديدة من قصص مصر القديمة.

 

أعلنت وزارة السياحة والآثار عن كشف أثري مهم بموقع مقبرة "بانحسي"، حيث نجحت البعثة في العثور على خبيئة أثرية تضم أول أثاث جنائزي شبه متكامل يتم اكتشافه بالمنطقة، إلى جانب مجموعة من اللقى الأثرية النادرة وعدد من الأقراط المعدنية التي يُرجح أنها مصنوعة من الذهب.

 

وأكد شريف فتحي وزارة السياحة والآثار أن هذا الكشف يعكس نجاح جهود البعثات الأثرية المصرية في إعادة قراءة التاريخ الحضاري لمدينة هليوبوليس، إحدى أقدم وأهم المدن الدينية في العالم القديم، مشيرًا إلى أن المكتشفات الجديدة تقدم صورة أوضح عن طبيعة الحياة والممارسات الجنائزية لسكان المنطقة عبر عصور تاريخية متعاقبة.

 

وكانت البداية مع دفنة مشيدة من الطوب اللبن تضم بقايا عظام آدمية، ومع استمرار أعمال الحفر العلمي الدقيق أسفلها، ظهرت خبيئة أثرية فريدة تحمل بين محتوياتها أدوات زينة ولقى رمزية ارتبطت بعالم الموتى وطقوس الدفن في مصر القديمة.

 

ومن بين القطع المكتشفة مرآة مصنوعة من النحاس، ربما كانت يومًا جزءًا من متعلقات صاحب الدفنة، إلى جانب مكحلتين من مرمر الألباستر مزودتين بأغطية وما تزالان تحتفظان ببقايا من مادة الكحل، بالإضافة إلى مكحلة ثالثة مصنوعة من حجر الأوبسديان الأسود، وهو من الأحجار النادرة في مثل هذه السياقات الأثرية.

 

وخلال استكمال أعمال الكشف، عثرت البعثة برئاسة قطب فوزي قطب رئيس الإدارة المركزية لآثار القاهرة والجيزة على إناءين من الفيانس ذي اللون الأزرق الفاتح، وكان أحد الإناءين يحمل مفاجأة مميزة، إذ احتوى على ستة جعارين رمزية تحمل نقوشًا غائرة، من بينها جعرانان محاطان بإطار معدني أصفر اللون يُرجح أنه من الذهب.

 

ولم تتوقف المفاجآت عند هذا الحد، فقد ضمت الخبيئة مجموعة من التمائم المصنوعة من الفيانس بأشكال رمزية متنوعة، من بينها تميمة على شكل بطة وأخرى على هيئة تاج الأتف، إضافة إلى أربعة أحجار يُعتقد أن اثنين منها من حجر العقيق؛ أحدهما ذو لون أحمر وردي ومحاط بإطار معدني أصفر اللون يُرجح أنه من الذهب، والآخر ذو لون أخضر لازوردي.

 

كما تم العثور على مجموعة متميزة من الأقراط المعدنية ذات اللون الأصفر، تتكون من خمسة أزواج بأحجام مختلفة، يُرجح أنها مصنوعة من الذهب، وتتراوح أقطارها ما بين 1.5 و2.5 سم، وهو ما يعكس مكانة أصحاب هذه الدفنة واهتمامهم بالزينة حتى في العالم الآخر.

 

وأشار محمد عبد البديع رئيس قطاع الآثار المصرية القديمة بالمجلس الأعلى للآثار إلى أن هذا الكشف يُمثل امتدادًا علميًا لنتائج أعمال التنقيب السابقة بالموقع خلال الموسم الحالي، والتي أسفرت عن الكشف عن بقايا منشآت جنائزية مشيدة من الطوب اللبن والحجر الجيري، بالإضافة إلى تابوتين عُثر عليهما في هيئة أجزاء متراكمة؛ أحدهما مصنوع من الفخار، والآخر من الجص ذي الطابع المذهب والمزين بنقوش حمراء اللون.

 

وقد احتوى التابوت الأخير على رفات مذهبة يُعتقد أنها تعود لشخصية عسكرية، إلى جانب عملة معدنية ربما تعود للعصر الروماني، كما عُثر على كتل من الحجر الجيري تحمل كتابات هيروغليفية، بما يعزز من أهمية دراسة التسلسل الزمني والحضاري للموقع.

 

وتكمن الأهمية التاريخية والحضارية لهذا الكشف في أن جبانة مقبرة "بانحسي" تمثل سجلًا أثريًا حيًا يوثق المراحل الزمنية المختلفة التي شهدتها المنطقة، حيث استُخدمت الجبانة لدفن شخصيات مرموقة عبر عصور متعددة، بداية من العصور المتأخرة مرورًا بالعصر الروماني ووصولًا إلى العصور المسيحية.

 

ويُعد الموقع جزءًا أصيلًا من جبانة هليوبوليس العظيمة المعروفة قديمًا باسم "أون"، والتي كانت المركز الديني الرئيسي لعبادة إله الشمس "رع"، وهو ما يمنح هذا الكشف أهمية خاصة في دراسة الممارسات الجنائزية والتطور العقائدي والاجتماعي لسكان هذه المدينة المقدسة عبر العصور المختلفة.

 

وهكذا، لم تكن المرآة والمكاحل والجعارين والأقراط مجرد قطع أثرية صامتة، بل شواهد حية على قصة إنسان عاش قبل آلاف السنين، حمل معه إلى مثواه الأخير ما اعتقد أنه سيحتاجه في رحلة الخلود، لتبقى تلك المقتنيات اليوم شاهدة على عظمة الحضارة المصرية القديمة وأسرارها التي لا تنتهي.

 

يمثل الكشف الأثري الجديد بمقبرة "بانحسي" بالمطرية أحد أهم اكتشافات الموسم الحالي، لكونه يضم أول أثاث جنائزي شبه متكامل يتم العثور عليه في جبانة هليوبوليس، وتبرز أهمية المكتشفات في تنوعها بين أدوات الزينة والتمائم والجعارين والمجوهرات، ما يوفر مادة علمية ثرية لفهم المعتقدات الجنائزية والعادات الاجتماعية لسكان المنطقة، كما يؤكد الكشف استمرار الأهمية الأثرية لجبانة هليوبوليس التي ظلت مستخدمة عبر عصور تاريخية متعاقبة، من العصر المتأخر وحتى العصر المسيحي، وهو ما يجعل الموقع سجلًا فريدًا لتطور المجتمع المصري القديم ومعتقداته عبر الزمن.

 

حكاية "خبيئة بانحسي" حين تحدثت مرآة الكاهنة وأسرار الذهب من أعماق هليوبوليس

حكاية "خبيئة بانحسي" حين تحدثت مرآة الكاهنة وأسرار الذهب من أعماق هليوبوليس

حكاية "خبيئة بانحسي" حين تحدثت مرآة الكاهنة وأسرار الذهب من أعماق هليوبوليس

 
 
 
 
 
 
 
 

الكلمات الدالة

 
 
 
 
 

مشاركة