أحمد سلام
مجرد رأى
كيف تعيد الصين رسم خريطة التوازنات الدولية؟
السبت، 13 يونيو 2026 - 07:02 م
اعتادت بكين أن توظف توقيتات تحركاتها الخارجية بدقة عالية، إذ نادرًا ما تكون زيارات القيادة الصينية مجرد خطوات دبلوماسية تقليدية، بل غالبًا ما تحمل رسائل سياسية واستراتيجية تتجاوز الدولة المستقبِلة نفسها.
وعلى الرغم من أن العلاقات الصينية - الكورية الشمالية شهدت فترات من الفتور، فإن بكين لا تزال تنظر إلى بيونغ يانغ باعتبارها منطقة ذات أهمية استراتيجية تمنع تمدد النفوذ العسكرى الأمريكى إلى حدودها المباشرة. ومن هنا تكتسب الزيارة المرتقبة للرئيس الصينى شى جين بينغ إلى كوريا الشمالية أهمية خاصة، ليس فقط لكونها الأولى منذ سبع سنوات، بل لأنها تأتى فى سياق دولى شديد التعقيد، وبعد أسابيع من حراك دبلوماسى صينى لافت شمل تفاعلات مع واشنطن وموسكو، وفى ظل تصاعد التوترات الممتدة من مضيق هرمز إلى مضيق تايوان.
من الخطأ فى تقديرى تحليل السياسة الخارجية الصينية باعتبارها سلسلة من الملفات المنفصلة، إذ تنظر بكين إلى هذه القضايا باعتبارها مكونات مترابطة ضمن منظومة واحدة للأمن القومى، تتداخل فيها الاعتبارات الاقتصادية والأمنية والجيوسياسية.
فزيارة ترامب الأخيرة لبكين أكدت أن المنافسة الاستراتيجية مع الولايات المتحدة لا تلغى ضرورة الحوار المباشر بين أكبر قوتين اقتصاديتين فى العالم، كما أن استقبال بوتين ببكين بعد أيام قليلة من زيارة ترامب عكس استمرار الشراكة الصينية الروسية، وأن العلاقات مع موسكو ليست ورقة تفاوض مع واشنطن، وإنما خيار استراتيجى طويل المدى.
وتأتى زيارة شى جين بينغ إلى كوريا الشمالية لتؤكد أن الصين لا تقبل بإعادة تشكيل معادلات الأمن فى شمال شرق آسيا بعيدًا عن حضورها ومصالحها، خاصة فى ظل تسارع التحالفات العسكرية الأمريكية فى المحيطين الهندى والهادئ، وتنامى القدرات العسكرية لكوريا الشمالية، وتزايد التقارب الأمنى بينها وبين روسيا.
ولا يمكن فصل هذه التطورات عن المشهد الأوسع فى آسيا، حيث يظل ملف تايوان محورًا رئيسيًا فى الحسابات الصينية، بوصفه الاختبار الأكثر حساسية فى العلاقة مع الولايات المتحدة، لذلك تعمل بكين على إدارة بيئة إقليمية تقلل من الضغوط الاستراتيجية المحيطة بها، عبر تنويع شراكاتها وتعزيز عمقها الجيوسياسي.
وفى المقابل، لا تغيب عن الحسابات الصينية تطورات منطقة الخليج العربى، خاصة ما يتعلق بأمن الملاحة فى مضيق هرمز، وقد يبدو الربط بين هرمز وبيونغ يانغ وتايوان غير مباشر فى الظاهر، إلا أن المنطق الاستراتيجى الصينى يقوم على رؤية شاملة للأمن، حيث يشكل استقرار طرق الطاقة والتجارة عنصرًا أساسيًا فى الأمن القومى الصيني، باعتبار الصين أكبر مستورد للطاقة فى العالم.
ومن هذا المنظور، فإن أى اضطراب فى مضيق هرمز لا يُنظر إليه كأزمة إقليمية معزولة، بل كتهديد مباشر لاستقرار الاقتصاد الصينى ومصالحه الحيوية.
أما كوريا الشمالية، فهى فى التصور الصينى ليست مجرد دولة مجاورة، بل تمثل عمقًا استراتيجيًا وحاجزًا جغرافيًا يفصل بين الصين والوجود العسكرى الأمريكى فى شبه الجزيرة الكورية. ومن ثم فإن الحفاظ على استقرارها ضمن حدود معينة يظل جزءًا من معادلة الأمن الإقليمى لبكين. وتشير زيارة شى المرتقبة إلى أن الصين تسعى لإعادة تأكيد حضورها الفاعل فى شبه الجزيرة الكورية، فى وقت يتسم بإعادة تشكيل أوسع لموازين القوى الدولية.
وتكشف هذه التحركات مجتمعة أن بكين تتحرك وفق مقاربة أكثر تكاملًا، لا تقوم على رد الفعل، بل على إدارة شبكة مترابطة من التوازنات الدولية، تمتد من شرق آسيا إلى الشرق الأوسط، ومن موسكو إلى واشنطن.
وفى ضوء ذلك، لم تعد الصين تكتفى بدور القوة الاقتصادية الكبرى، بل تتجه تدريجيًا إلى ترسيخ موقعها كقوة سياسية واستراتيجية قادرة على إدارة التفاعلات بين الخصوم، وتعزيز الشراكات مع الحلفاء، والمساهمة فى صياغة استقرار النظام الدولى.
ومع أن الحديث عن نظام عالمى جديد تقوده بكين لا يزال مبكرًا، فإن المؤشرات الراهنة تعكس انتقالًا واضحًا فى النهج الصينى من إدارة الصعود إلى إدارة التوازنات الدولية.
ولهذا، فإن زيارة شى جين بينغ إلى كوريا الشمالية لا ينبغى قراءتها كحدث ثنائى محدود، بل كجزء من استراتيجية صينية أوسع لإعادة تشكيل موازين القوى فى آسيا والعالم، فى مرحلة تبدو فيها بكين أكثر ثقة بقدرتها على الجمع بين المنافسة والتعاون، وبين الردع والحوار، وبين حماية مصالحها والمشاركة فى صياغة النظام الدولى القادم.
خبير الشئون الصينية
عضو المجلس المصرى للشئون الخارجية
الكلمات الدالة
الاخبار المرتبطة









اتفاق مبدئى!
فى غزة.. الوقت من دم
إيمان راشد تكتب: ميزان العدل
برج الجوزاء
موعد مع النصر
لا صوت يعلو على كأس العالم
وعلى ترامب أيضا!
شهادة تُقرأ بعناية
مكارم الأخلاق