إســـلام عفيفى
إســـلام عفيفى


إســـلام عفيفى يكتب: الأوراق العربية وأجندة الأولويات

إسلام عفيفي

الجمعة، 19 يونيو 2026 - 08:53 م

الاتفاق المحتمل بين الولايات المتحدة وإيران ليس خبرًا يخص واشنطن وطهران وحدهما، ولا ينبغى للعرب أن ينتظروا ٦٠ يومًا للتوقيع على اتفاق نهائى، ثم يبدأوا فى حساب المكاسب والخسائر، نحن أمام لحظة قد تعيد توزيع النفوذ والتحالفات فى الإقليم كله، فإذا اتفقت القوتان، ستتغير طبيعة العلاقات العربية-الإيرانية، وستعيد واشنطن ترتيب أولوياتها، وستفقد إسرائيل جزءًا من قدرتها على احتكار القرار الأمريكى تجاه المنطقة، والسؤال الذى يجب أن يُطرح منذ الآن ليس: هل ينجح الاتفاق؟ بل: كيف يربح العرب منه، وكيف يمنعون أن تصبح مصالحهم مجرد ثمن جانبى لتفاهم بين الآخرين؟

المشكلة أن الولايات المتحدة تتفاوض عادةً وفق مصالحها، وإيران تتفاوض وفق أمن نظامها ونفوذها، بينما تُدفع الدول العربية أحيانًا إلى موقع المتلقى، تُفتح الملاحة، تنخفض أسعار الطاقة، تُخفف العقوبات، تتراجع القوات الأمريكية أو تعيد انتشارها، ثم تجد دول الإقليم نفسها أمام معادلات جديدة لم تشارك فى صياغتها، لذلك لا يكفى أن يرحب العرب بوقف الحرب، ولا أن يعتبروا الاتفاق انتصارًا للتهدئة، التهدئة مكسب، لكنها قد تصبح خسارة مؤجلة إذا أعادت إيران بناء قدراتها، أو إذا استخدمت الأموال المفرج عنها فى ترميم نفوذها، أو إذا قررت واشنطن أن الاتفاق يسمح لها بتقليل التزامها بأمن المنطقة، مخاوف مشروعة للعواصم العربية، وشواغل تلح وتضغط على صانع القرار، تحسبًا للمفاجآت وإعداد السيناريوهات القادرة على التعامل مع مستجدات التفاهمات فى الإقليم والتهديدات المتوقعة.

من هنا تصبح الحاجة إلى منظومة عربية للأمن والمصالح المشتركة ضرورة لا شعارًا، والمقصود ليس حلفًا هجوميًا ضد إيران، ولا استنساخًا عربيًا لحلف شمال الأطلسى، بل آلية دائمة لتنسيق المواقف تجاه الأمن البحرى، والطاقة، والصواريخ والطائرات المسيّرة، وحماية الممرات، والأزمات السياسية، والعلاقات مع القوى الكبرى، ما يهدد الخليج يؤثر فى مصر، وما يضرب البحر الأحمر يصل إلى قناة السويس، وما يحدث فى العراق وسوريا ولبنان ينعكس على الأمن العربى كله، لم يعد ممكنًا أن تفاوض كل دولة منفردة، ثم تكتشف الدول الأخرى أن نتائج التفاوض تمس مصالحها.

الاتفاق الأمريكى- الإيرانى يمكن أن يمنح العرب فرصة نادرة، إذا أحسنوا استثمارها، تراجع خطر الحرب يعنى خفض الضغط على الملاحة والاستثمار والطاقة، ويفتح المجال لحوار عربى-إيرانى أكثر عقلانية، لكن هذا الحوار يجب ألا يقوم على الخوف أو المجاملات، بل على قواعد محددة: احترام سيادة الدول، وقف دعم الجماعات المسلحة خارج مؤسسات الدولة، عدم استخدام الممرات البحرية للضغط السياسى، وعدم تحويل العراق أو لبنان أو اليمن أو سوريا إلى ساحات مساومة، المطلوب ليس عداءً دائمًا مع إيران، بل علاقة طبيعية تضبط الاختلاف وتمنع تحويله إلى تهديد.

العرب أيضًا مطالبون بإعادة تعريف علاقتهم مع الولايات المتحدة، باعتبارها حليفًا مهمًا، لكنها تتحرك وفق مصالحها المتغيرة، وقد تنتقل من المواجهة إلى التفاوض خلال أيام إذا رأت أن ذلك يخدمها، ومن الخطأ أن يُبنى الأمن العربى على افتراض أن السياسة الأمريكية ثابتة، أو أن الحماية الخارجية دائمة، الاتفاق إذا تم، يجب أن يكون جرس إنذار يدفع الدول العربية إلى امتلاك قدر أكبر من الاستقلال الاستراتيجى: تنويع العلاقات، وتطوير القدرات الدفاعية، وبناء صناعة عسكرية، وتنسيق السياسة النفطية والاقتصادية، وعدم وضع القرار الإقليمى كله فى يد عاصمة غير عربية.

وفى المقابل، تبدو إسرائيل أكبر الخاسرين سياسيًا من الاتفاق، حتى لو حاول نتنياهو إعلان أن الحرب حققت أهدافها، خسارتها الأولى أن واشنطن قررت التفاوض مع طهران من دون منح تل أبيب حق تعطيل المسار، والخسارة الثانية أن صورة إسرائيل بوصفها الطرف القادر على دفع أمريكا إلى حرب مفتوحة اهتزت عندما قرر ترامب أن مصلحته تقتضى وقف القتال، أما الخسارة الثالثة فهى أن الاتفاق كشف حدود النفوذ الإسرائيلى: إسرائيل تستطيع الضغط والضرب والتصعيد، لكنها لا تستطيع إجبار الولايات المتحدة على البقاء فى حرب لا تريدها.

لهذا انفجرت الخلافات داخل إسرائيل، بن غفير وسموتريتش يريان أن وقف الحرب يمنح إيران فرصة للنجاة وإعادة البناء، ويطالبان باستمرار المواجهة وعدم الالتزام بما تقرره واشنطن، نتنياهو يحاول الوقوف فى منطقة وسطى صعبة: لا يريد صدامًا مباشرًا مع ترامب، ولا يستطيع أمام جمهوره أن يعترف بأن الحرب انتهت باتفاق لم تكن إسرائيل طرفًا فى صياغته، أما الهجوم الأمريكى، وفى مقدمته انتقادات جى دى فانس للذعر الإسرائيلى من الاتفاق، فقد كشف أن العلاقة بين واشنطن وتل أبيب ليست تطابقًا كاملًا، وأن أمريكا قد تقول لإسرائيل: مصالحنا ليست نسخة من مصالحكم.

لكن الخلاف الإسرائيلى لا يعنى أن العرب ربحوا تلقائيًا، أخطر خطأ أن نفرح بخسارة إسرائيل من دون أن نبنى مكسبًا عربيًا، قد تتراجع قدرة نتنياهو على توجيه السياسة الأمريكية، لكن الفراغ لن تملأه الدول العربية ما لم تمتلك رؤية مشتركة. وقد يهدأ الصراع مع إيران، لكن طهران ستعود لاعبًا اقتصاديًا وسياسيًا أكثر قدرة إذا رُفعت العقوبات. وقد تنسحب واشنطن تدريجيًا من بعض التزاماتها، فتترك المنطقة أمام توازنات جديدة تحتاج إلى استعداد عربى حقيقى.

المكاسب العربية تبدأ قبل توقيع الاتفاق، عبر وضع تصور مشترك لما يجب ألا يتضمنه: لا تمويل جديدًا لوكلاء مسلحين، لا تهديد للملاحة، لا تساهل مع البرنامج الصاروخى، ولا تفاهمات سرية تمس أمن الدول العربية، ويبدأ أيضًا بتحديد ما نريده منه: ضمانات أمنية، رقابة حقيقية، حرية الملاحة، احترام سيادة الدول، وفتح مسار عربى-إيرانى مباشر لا يمر دائمًا عبر واشنطن.

المنطقة تتغير بالفعل، التحالفات لم تعد صلبة، والخصومات لم تعد أبدية، والعلاقات العربية-العربية والعربية-الإيرانية والعربية-الأمريكية تدخل مرحلة أكثر انفتاحًا وتعقيدًا، وفى هذه المرحلة، لن يحمى العربَ القربُ من أمريكا وحده، ولا العداء لإيران وحده، ولا انتظار انقسام إسرائيل، ما يحميهم هو امتلاك سياسة مشتركة تجعلهم طرفًا فى صناعة الترتيبات، لا مجرد مساحة تُطبق عليها.

الاتفاق قد يمنع حربًا، وهذا مكسب مهم، لكنه لن يصنع أمنًا عربيًا من تلقاء نفسه، أمننا يبدأ عندما نفهم أن الاتفاقات التى يعقدها الآخرون لا تحمى مصالحنا إلا بقدر قدرتنا على فرض حضورنا فيها، وإلا فقد يربح ترامب صفقة، وتربح إيران فرصة للتعافى، وتخسر إسرائيل جزءًا من نفوذها، بينما يبقى العرب مرة أخرى أمام طاولة لم يحجزوا لأنفسهم مقعدًا عليها.
 

 
 
 
 
 
 

الكلمات الدالة

 
 
 
 
 

مشاركة