د.محمد شومان
قضية ورأى
الإعلام الإبداعى
الثلاثاء، 23 يونيو 2026 - 07:57 م
د.محمد شومان
عندما يلتقى الفن بالصحافة والإعلام فى العصر الرقمى.. ويصبح المواطن شريكاً فى إنتاج المعانى والصور.
ظهرت كتابات حديثة فى أوروبا وأمريكا تتحدث عن الإعلام أو الاتصال الإبداعى (Creative Communication) كمفهوم وعملية، وكيف يمكن للصحفيين والإعلاميين، بل والمواطنين أيضاً، ممارسته فى عصرنا الرقمى، وذلك على الرغم من اختلاف تخصصاتهم واختلاف الوسائل التى يستخدمونها.
وقبل مناقشة الموضوع، تجدر الإشارة إلى أن الإبداع من الناحية اللغوية يعنى إنتاج شيء جديد أو الخروج عن المألوف. وفى سياق الإعلام، يقصد به عملية جمع أفكار متنوعة لخلق محتوى جديد يحقق أهدافاً مثل التوعية أو التسويق أو الترفيه. وفى هذا السياق ارتبطت الصحافة والإعلام عبر العصور بالإبداع وتبادلا التأثير، فقد كانت الصحافة والكتب من أهم الوسائل لرواية قصص مؤثرة تجمع بين الحقائق والأسلوب الأدبى الجذاب. واستخدم الصحفيون منذ أوائل القرن العشرين الأسلوب القصصى الدرامى لكشف الفساد، مما أثر بقوة فى الرأى العام. كذلك اعتمدت الإذاعة والتليفزيون على تقنيات سردية، مثل المقابلات الحية واستخدام المؤثرات الصوتية والبصرية لإشراك الجمهور عاطفياً. ومن ناحية أخرى احتفت الصحافة عبر العالم بالأعمال الأدبية من قصص وروايات ومسرحيات.
والمقصود بالإعلام الإبداعى، الجمع والتأليف بين الممارسة الإعلامية التقليدية وأساليب الإبداع والفنون المختلفة، مثل رواية القصص والتصميم الفنى والتأثير العاطفى بهدف إنتاج محتوى أكثر تأثيراً وجاذبية، ولم يبدأ الإعلام الإبداعى مع العصر الرقمى، بل هو موجود منذ قرون فى الصحافة والإعلام التقليدى، لكنه تطور بشكل كبير مع التقنيات الرقمية. وأصبح الإعلام الإبداعى يجمع بين الإعلام والفن لتقديم أشكال جديدة من السرد الإخبارى، وتصميم وإنتاج قصص تبث عبر الفيديوهات والبودكاست، مع الاهتمام بإحداث التأثير العاطفى وضمان التفاعلية مع الجمهور. كما يحرص على توفير بيئة رقمية تفاعلية بين الجمهور ووسائل الإعلام المختلفة، بما يؤكد المشاركة بين الإعلام والجمهور، ويشجع الجمهور على إنتاج وسرد قصص إخبارية وإنسانية بأساليب وأشكال جديدة، بما يجعل المتلقى شريكاً فى إنتاج المعنى.
ومن هنا، لا بد لمن يريد ممارسة الإعلام الإبداعى من معرفة الجمهور الذى يريد مخاطبته من حيث العمر والاهتمامات والمستوى الثقافى (تحليل الجمهور)، وكذلك تحديد أهداف العملية الاتصالية ودراسة كيفية تحقيقها، فضلاً عن امتلاك أدوات وخبرات العالم الرقمى، كالتصميم والتصوير والمونتاج وتقنيات الذكاء الاصطناعى وآليات التوزيع الذكى، والقدرة المستمرة على التقييم الذاتى وتصحيح الأداء أو تطويره فى ضوء تفاعلات الجمهور. وأعتقد أن هذه الممارسات تقود إلى مفهوم جديد للإبداع يقوم على تقديم محتوى جديد بأساليب غير نمطية، بحيث يصبح المحتوى الإبداعى نوعاً من التفاوض الخلاق بين الصحفى أو الإعلامى والجمهور، الأمر الذى يعنى تراجع فكرة الإبداع فى الإعلام باعتبارها عملية فردية أو حتى عملاً جماعياً لفريق فى الاستوديو أو غرفة الأخبار، وظهور فكرة الإعلام الإبداعى المشترك بين الجمهور والإعلاميين.
ولا يعنى ذلك أن الإعلام الإبداعى يركز على الشكل وعوامل الإبهار البصرى على حساب دقة المعلومة أو جودة المضمون، وإنما يجمع بينهما، وينتج خطاباً جديداً يجمع بين متابعة الأخبار ومعرفتها وبين الإمتاع، وبين العمق والشمول والسرد الجذاب والمشوق.
وأعتقد أن هذا المفهوم المركب والتفاعلى للإعلام الإبداعى يطرح فكرة مهمة، وهى ضرورة وجود معايير وضوابط مهنية وأخلاقية لضمان عدم تأثير فنون السرد أو الإبداع على جوهر دور الإعلام فى نقل الحقائق ومخاطبة العقول والمنطق قبل مخاطبة العواطف. فالمقصود أن نقل الأحداث والأخبار يجب أن يظل بعيداً عن شطحات الخيال أو الإضافة والحذف اللذين تفرضهما الكتابة الأدبية أو الروائية، مع إمكانية الاستفادة من تقنيات وأساليب السرد الجديدة واستخدام الصور والمؤثرات الصوتية فى نقل الأحداث والحقائق.
وتتمثل الإشكالية هنا فى أنه لا توجد حتى الآن معايير أو ضوابط متفق عليها بشأن قضايا مثل حماية حقوق الملكية الفكرية وحدود دور الذكاء الاصطناعى فى عملية الإعلام الإبداعى، كما لا توجد مؤلفات علمية كافية تعالج هذه الأمور أو تطرح نظريات ونماذج تفسيرية متماسكة. وربما نجد أحياناً كتباً عن الإبداع فى التليفزيون أو الإذاعة أو حتى الصحافة، لكن أغلبها يعكس تجارب وخبرات فردية. وبكلمات أخرى، يبدو الإعلام الإبداعى حقلاً جديداً يعكس ممارسات عملية وتجارب دولية متنوعة، أى أن الواقع العملى يسبق التأطير النظرى المتماسك. وهذا ليس ضعفاً بالضرورة، بل سمة من سمات كثير من الحقول والمهن الناشئة التى تفرضها التحولات فى البيئة الرقمية وصعود الذكاء الاصطناعى.
الكلمات الدالة
الاخبار المرتبطة








صراع (الكباش) فى لبنان
الباحثون عن الفرحة
وماذا بعد تقرير رويترز ؟
خلّونا نفرح
سكت دهرًا.. ونطق «قصبًا»
يا فنانين أرجوكم.. شجعوا من بيوتكم !
مفاوضات «السلم والثعبان»
الصحافة القومية والشوربجى
بعد ربع قرن من وعود الفوضى