حمدى كامل
حمدى كامل


رؤيتى

حين تغيب «العربية»

حمدي كامل

الخميس، 25 يونيو 2026 - 07:22 م

اللغة ليست مجرد وسيلة للتواصل، وإنما وعاء للثقافة والهوية والوجدان

أثارت نتائج امتحانات مواد الهوية القومية فى بعض المدارس الدولية موجة واسعة من الجدل، بعد ارتفاع نسب الرسوب بين عدد من الطلاب فى اللغة العربية والتربية الدينية والدراسات الاجتماعية، وبينما انشغل البعض بالحديث عن صعوبة الامتحانات أو المطالبة بتخفيف شروط النجاح، فإن الحقيقة أن الأزمة كشفت عن مشكلة أعمق بكثير تتعلق بالهوية والانتماء وتطرح سؤالاً مهما.. هل يمكن أن نعتبر طالبا متفوقا وهو لا يجيد لغة وطنه ولا يعرف تاريخه أو جغرافيته؟

ما حدث لم يكن أزمة صنعتها وزارة التربية والتعليم، بل نتيجة طبيعية لسنوات طويلة جرى خلالها التعامل مع مواد الهوية القومية باعتبارها مواد هامشية لا تؤثر فى مستقبل الطالب.. وعندما قررت الدولة تطبيق القانون والدستور بجدية ظهرت المشكلة إلى السطح، فالرسوب لم يكن بسبب صعوبة الامتحانات بقدر ما كان انعكاسا لسنوات من الإهمال وعدم الاهتمام بهذه المواد داخل بعض المدارس الدولية.

ولا خلاف على أن الدولة المصرية حين قررت إدراج مواد الهوية القومية ضمن المجموع الدراسى، لم تكن تستهدف معاقبة الطلاب أوإثقال كاهلهم بمواد إضافية، وإنما كانت تسعى إلى معالجة خلل تراكم على مدى سنوات طويلة، أصبح معه بعض الطلاب يجيدون أكثر من لغة أجنبية لكنهم يعجزون عن كتابة فقرة سليمة باللغة العربية أو الحديث عن تاريخ وطنهم وجغرافيته بالقدر الكافى.

فاللغة ليست مجرد وسيلة للتواصل، وإنما وعاء للثقافة والهوية والوجدان، والتاريخ ليس مجموعة من التواريخ والأحداث المحفوظة بل ذاكرة أمة وتجارب شعب.. كما أن التربية الدينية ليست مادة للنجاح والرسوب فقط، وإنما منظومة قيم وأخلاق تسهم فى بناء شخصية متوازنة وقادرة على تحمل المسئولية.

ومن هنا فإن الاهتمام بمواد الهوية القومية لا ينبغى أن يكون محل خلاف، فكل دول العالم تتمسك بلغتها الوطنية وثقافتها الخاصة مهما بلغت درجة انفتاحها على العالم.. بل إن الدول المتقدمة نفسها تضع لغتها وتاريخها فى قلب العملية التعليمية باعتبارهما جزءا من أمنها الثقافى والحضارى.

وصحيح أن بعض الطلاب واجهوا صعوبات نتيجة الاعتماد لسنوات على نظم تعليمية لم تمنح مواد الهوية الاهتمام الكافى، لكن ذلك لا يمكن أن يكون مبررا للتراجع عن القرار أو تأجيله، فتصحيح الأخطاء لا يكون بالاستمرار فيها بل بمواجهتها وعلاج آثارها، وما قامت به الدولة يمثل خطوة ضرورية لإعادة التوازن إلى العملية التعليمية بين اكتساب اللغات الأجنبية والحفاظ على مقومات الشخصية المصرية.

كما أن المسئولية لا تقع على الوزارة وحدها بل تمتد إلى المدارس الدولية وأولياء الأمور، فالمدرسة مطالبة بأن تؤدى دورها التعليمى والتربوى كاملا لا أن تنظر إلى مواد الهوية باعتبارها عبئا إضافيا، والأسرة مطالبة أيضا بأن تدرك أن إتقان اللغات الأجنبية ميزة مهمة، لكنه لا يمكن أن يكون بديلا عن اللغة الأم أو المعرفة بتاريخ الوطن وثقافته وقيمه.

واللافت أن الأزمة كشفت كذلك عن تجاوزات خطيرة فى بعض المدارس، بعدما تبين حصول طلاب على درجات مرتفعة رغم خلو أوراق الإجابة من الإجابات الفعلية، وهو ما يؤكد أن القضية لم تكن مرتبطة بالطلاب وحدهم بل بمنظومة كاملة تحتاج إلى مراجعة ومحاسبة لضمان الجدية والانضباط.

إن الجدل الدائر اليوم يجب ألا ينحرف عن جوهر القضية فالمسألة ليست درجات نجاح ورسوب، وإنما مستقبل أجيال كاملة ومن حق مصر على أبنائها أن يعرفوا لغتها وتاريخها ودينها كما يعرفون لغات العالم وثقافاته، ولذلك فإن قرار إدراج مواد الهوية القومية ضمن المجموع ليس مجرد إجراء تعليمى، بل خطوة وطنية تستحق الدعم لأنها تؤكد أن الانفتاح على العالم لا يكون أبدا على حساب الانتماء للوطن.

فالنجاح الحقيقى لا يقاس بعدد اللغات التى يتحدثها الطالب وإنما بقدرته على أن يكون مواطنا واعيا يعرف وطنه ويفتخر بلغته، ويحمل هويته أينما ذهب.
 

 
 
 
 
 
 

الكلمات الدالة

 
 
 
 
 

مشاركة