عصام عطية
خرابيش
عصام عطية يكتب: بائعة الشاي.. وجيل بلا دموع!
السبت، 27 يونيو 2026 - 04:26 ص
لم تكن هدير بائعة الشاي المسكينة هى الضحية الوحيدة التى سحقتها عجلات تلك السيارة الطائشة، الضحية الحقيقية التى دهست فى ذلك اليوم واستقرت تحت العجلات، هى "إنسانيتنا"!
لكن الكارثة التى هزت روحى هى ما حدث بعدما سقطت لقد وقفوا حولها، لم تبك عين، ولم تهتز شعرة، ولم تتحرك فيهم غريزة إنقاذ، لكن الأكثر صدمة هو عن حالة اللامبالاة التى بدت على بعض المتسببين فى الحادث.
هنا يجب أن نتوقف.. لأن السؤال لم يعد كيف وقع الحادث؟ بل كيف أصبح بعض أبنائنا غير قادرين على استيعاب هول ما حدث؟ كيف يمكن لطفل أو مراهق أن يرى إنسانا يفقد حياته ثم يتصرف وكأن الأمر مجرد مشهد عابر؟
الإجابة المؤلمة أن هناك جيلا كاملا يتشكل الآن داخل عالم افتراضى مغلق جيل يقضى ساعات طويلة أمام "تيك توك" و"ريلز" وألعاب إلكترونية تقوم فكرتها على الدهس والقتل والمطاردة وإعادة التشغيل إذا مات البطل يعود للحياة بضغطة زر، وإذا خسر الجولة يبدأ من جديد.. جيل يعرف أسماء مشاهير السوشيال ميديا أكثر مما يعرف تاريخ عائلته، يحفظ تحديات الرقص أكثر مما يحفظ قيم الرحمة والتعاطف، يمتلك أحدث الهواتف، لكنه يفتقد أحيانا أبسط مهارات الإحساس بالآخرين.
النتيجة أننا أمام شباب يعرف كيف يصنع محتوى، لكنه لا يعرف كيف يتحمل مسئولية، يعرف كيف يجمع الإعجابات، لكنه لا يعرف قيمة الدموع، يعرف كيف يقود سيارة، لكنه لا يدرك أن ضغطة واحدة على دواسة البنزين قد تنهى حياة إنسان.
يا إلهي، من هؤلاء؟ أهؤلاء أبناؤنا؟ جيل بلا دموع، لا يعرف كيف يحزن، ولا كيف يرحم، ولا كيف يشعر بمأساة الإنسان، كأن قلوبهم حجر تحولت إلى شاشات زجاجية باردة، لا تنبض بل تعرض وترى فقط.
أنا لا ألومهم هم، أنا ألومنا نحن، نحن من قتلنا هدير قبل أن تدهسها السيارة، قتلناها يوم أن تركنا أطفالنا فى غرف مغلقة تتخطفهم الخوارزميات اللعينة وتيك توك، وسلمنا عقولهم لهواتف غبية علمتهم أن كل شىء فى هذا الكون عابر، الضحكة عابرة، والوجع عابر، والموت نفسه مجرد "ترند" ينتهى بلمسة إصبع.
اكتفينا بدور الممول، ونسينا أن نبنى فيهم الإنسان، كبروا وحدهم بلا أب يرشد، وبلا أم تزرع الرحمة، فصاروا يعرفون مشاهير الفراغ ولا يعرفون معنى المسئولية يعجز أحدهم عن سماع أمه لعشر دقائق، ويقضى عشر ساعات أمام شاشة تمتص روحه.
الكلمات الدالة
الاخبار المرتبطة
حسن علام يكتب: الإمام جاد الحق بين الجدية والفكاهة
صلاح دندش يكتب: تخاريف
أيمن بدرة يكتب: عقود وعروض في غير وقتها
كمال الدين رضا يكتب: اللعبة مكشوفة
شوقي حامد يكتب: السباحة ضد التيار
إسلام الكتاتني يكتب: 30 يونيو .. ثورة أم مؤامرة؟! «1»
منى عشماوي تكتب: الرسوب في هوية.. وطن
محمد صلاح يكتب: خطر في ثوب الترفيه
زكريا أبوحرام يكتب: بائعة الشاي







