حسن علام
حسن علام


عندي كلام

حسن علام يكتب: الإمام جاد الحق بين الجدية والفكاهة

آخر ساعة

السبت، 27 يونيو 2026 - 04:42 ص

■ بقلم: حسن علام

كان الشيخ جاد الحق مثلا يحتذى به فى طهارة اليد، والزهد والقناعة، فهذا البيت القديم الذى سكنه، كانت شقته «بالإيجار» منذ أن كان مستشارا بالقضاء الشرعى، وكانت تقع شقته بالطابق الخامس، ويصلها بصعوبة بالغة لأنها قديمة والعمارة بلا مصعد، ويستريح دقائق بعد كل طابق نظرا لتقدم عمره... ولم يستغل سلطاته ومناصبه فى طلب مسكن أفضل.

كنت من أقرب الصحفيين إلى شيخ الأزهر الراحل الإمام الأكبر الشيخ جاد الحق على جاد الحق، منذ توليه ثلاثة مناصب هامة فى الدولة: مفتى الجمهورية، فوزيرا للأوقاف، فشيخا للأزهر الشريف.

ورافقته فى معظم رحلاته ومهامه خارج مصر، وآخرها إلى أندونيسيا عام ١٩٩٦ قبل رحيله بوقت قصير.

اتسمت شخصيته (رحمه الله) بالتجهم والحدة والجدية والوقار، وفى نفس الوقت كان لا يخلو مجلسه مع أصدقائه المقربين منه بالمزاح والتواصل الذكى فى قالب "ترفيهى".

أول مرة قابلت الإمام جاد الحق كانت منذ ٤٨عاما (فى أغسطس ١٩٧٨) فور توليه منصب مفتى الجمهورية، بمكتبه المتواضع فى إحدى عمارات وزارة العدل بميدان العباسية نهاية شارع رمسيس، وعلى حد تعبيره أخبرنى بأننى أول صحفى يقابله فى حياته، بعد أن قضى كل سنوات عمره المهنية كقاضٍ شرعى، وهذا أحد أسباب جديته لأنه لا يتعامل مع الناس إلا فى ساحات المحاكم فقط، ولا يختلط مع العوام إلا قليلا، فكان غير اجتماعى بحكم نشأته ومهنته وتكوينه.

حدد لى زمن الحوار معه بربع ساعة فقط، وحتى أنفذ مهمتى بنجاح ليجيب على كل تساؤلاتى، ويفرد لحوارى معه مساحة كبيرة وافقته فى بداية الأمر، وما إن طرحت عليه ربع أسئلتى حتى نظر إلى «الكاسيت» الذى أمامه، وأشار بإصبعه إلى معصم ساعته، وقطع الحوار: الوقت انتهى، فرجوته فى وقت إضافى، فسمح لى، وبعد حوالى ربع ساعة نظر مرة أخرى إلى ساعته، وهنا أغلقت المسجل مازحا معه: آخر فرصة، وإن لم أمتثل استخدم سلطاتك الشرعية بإحالة أوراقى إلى فضيلة مفتى الجمهورية للتصديق على إعدامى، فانفرجت أساريره بضحكة مدوية، وانتهى الحوار على خير بطرح كل تساؤلاتى، وأعود إلى مجلتى ومعشوقتى «آخرساعة» بأول حديث مع مفتى الجمهورية بعد ساعات من توليه منصبه، وكان رئيس التحرير فى ذلك الوقت أستاذنا الكاتب الكبير وجدى قنديل (رحمه الله)، وواصلت معه الحوارات طوال توليه الافتاء.

كما أجريت معه حوارا وهو وزير للأوقاف، (حوالى شهرين ونصف تقريبا فى هذا المنصب منذ ٤ يناير حتى ١٧ مارس ١٩٨٢)، وامتدت علاقتى به طوال فترة زمنية طويلة وهو شيخ للأزهر منذ ١٩٨٢ وحتى تاريخ وفاته فجر يوم الجمعة ١٥مارس ١٩٩٦، وطوال هذه المسيرة الطويلة كانت ثقته بشخصى تزداد يوما بعد يوم، حتى أننى كنت الصحفى الوحيد الذى أجرى معه الحوارات فى بيته بشارع لبيب البتانونى بحى المنيل القريب من سينما شهيرة، وعندما وصف لى عنوان منزله تليفونيا لأول مرة، مازحنى قائلا: بس اوعى تضل العنوان وتدخل سينما فاتن حمامة (على بعد مائة متر من بيته)..

\كان الشيخ جاد الحق مثلا يحتذى به فى طهارة اليد، والزهد والقناعة، فهذا البيت القديم الذى سكنه، كانت شقته «بالإيجار» منذ أن كان مستشارا بالقضاء الشرعى، وكانت تقع شقته بالطابق الخامس، ويصلها بصعوبة بالغة لأنها قديمة والعمارة بلا مصعد، ويستريح دقائق بعد كل طابق نظرا لتقدم عمره، وكان أثاث بيته متواضعا، ومع ذلك لم يغيره أبدا لأنه ليس ثريا، ولم يستغل سلطاته ومناصبه فى طلب مسكن أفضل، رغم أنه تولى منصب وزير الأوقاف، وكان يستطيع منح نفسه أفخم وأوسع شقة فى أرقى الأحياء بالزمالك أو جاردن سيتى أو وسط البلد، لكنه الزهد والقناعة ليس أكثر، وأتذكر مقولته لى الحكيمة: (القليل مع القناعة كثير، والكثير مع الطمع قليل).

ومن شدة حرصه على المال العام أنه كان يركب «المرسيدس» فى مهماته الرسمية، و"الفيات" فى مشاويره الخاصة.  

صاحبته طوال مسيرته كشيخ أزهر وإمام أكبر للمسلمين، ونال أكبر من التوقير والمهابة والاحترام من عوام الناس وحتى حكامهم، فقد رافقته فى معظم رحلاته الخارجية، وكم كان كبار المسئولين فى العالم والأمراء والحكام يستقبلونه من على سلم الطائرة، ويتم استقباله كالملوك بالورود وتنظيم المواكب حتى أماكن إقامته، وكان يتعامل معهم بكل عزة وإكبار يتناسب مع مصر وأزهرها.
أذكر أننى رافقته إلى سلطنة عُمان، وفى نهاية الزيارة أهدى له السلطان قابوس شيكا شخصيا تحت بند «بدل هدايا»، فرفض قبوله بصفة شخصية وطلب تحويل قيمته إلى حساب مدينة البعوث الإسلامية بالدراسة بالقاهرة لصالح الطلاب المبعوثين الفقراء.

وفى زيارة إلى بغداد قبل الغزو العراقى للكويت، استقبله الرئيس الراحل صدام حسين، ثم وصل إلى الشيخ فى نهاية الزيارة هدية مالية من صدام بمبلغ دولارى ضخم، لكنه رفضه معتذرا عن عدم قبوله.

وعندما يصلنا هدايا نحن كصحفيين مرافقين للشيخ، ونخبره بذلك، كان ينصحنا بألا نرفضها قائلا: أنتم لم تطلبوها أولا، وثانيا أنا أرفضها كرمز للأزهر وأنتم لا تمثلونه.

صحيح أن لكلٍ من اسمه نصيبا، فالشيخ جاد الحق كان إنسانا جادا، وشخصية قوية جدا، وعقلا راجحا، ومدافعا مخلصا عن الإسلام ومبادئه وقضاياه، ورد بعنف على ما يردده أعداء ديننا الإسلامى العظيم من المغرضين، فقوى موقف الأزهر واشتد ساعده، وقدم للمكتبة الإسلامية مؤلفات عظيمة، وكتبا قيمة فى علوم الفقه والتفسير وقضايا العصر، لكنه رغم ذلك كان لطيفا طيبا راقيا مهذبا، وخفيف الظل لمن يرتاح إليه ويأنس بصحبته، أتذكر عندما رافقته فى أحد مؤتمرات رابطة العالم الإسلامى بمكة المكرمة، وفى نهاية المؤتمر وتكريما لأعضاء المؤتمر وضيوفه، وعلى رأسهم فضيلة الإمام الأكبر الشيخ جاد الحق على جاد الحق، وافقت الحكومة السعودية على طلب فتح الكعبة المشرفة لنا، وكانت من أسعد لحظات حياتى هذه المنحة النورانية الخاشعة رغم أننى دخلت الكعبة الشريفة مرات سابقة مع أعضاء من الأسرة الحاكمة السعودية، وداخل بيت الله الحرام، فوجئت بالإمام جاد الحق بجوارى، وكان مرتديا ثوبا رماديا بسيطا، ويمزح معى متسائلا: القبلة من أى جهة ياشيخ حسن؟.. فانفجرت حابسا أنفاسى وكفى على فمى لأمنع ضحكى من اختبار سماحة الإمام لمعلوماتى.

وتبركت بالإمام الأكبر وسعدت بتلبيته طلبى لحضور عقد قرانى على زوجتى السيدة الصوفية، التى اختارت المكان بمقر السيدة نفيسة (رضوان الله عليها) يوم ٢٥ يونيو عام ١٩٨٥، ووقف فضيلته يرحب بضيوفى الذين طلبوا التصوير معه، وأوصانى فى نهاية الحفل بحسن معاملتها ومحذرا بخفة ظله:

ـ هذه أول وآخر مرة أعقد لك زواجك، وإذا أردت التكرار فابحث عن غيرى.. الأولى لك والثانية عليك.. رغم أن سماحة الإمام تزوج مرتين.

 
 
 
 
 
 

الكلمات الدالة

 
 
 
 
 

مشاركة