حكايات| من أون إلى مصر الجديدة.. 5000 عام من مدينة الشمس
حكايات| من أون إلى مصر الجديدة.. 5000 عام من مدينة الشمس
الثلاثاء، 30 يونيو 2026 - 03:30 م
بين عبق هو الحضارة المصرية القديمة وروعة التخطيط العمراني الحديث، تقف مصر الجديدة كواحدة من أكثر مناطق القاهرة تميزًا، حاملةً في شوارعها وقصورها وميادينها قصة حضارة امتدت آلاف السنين.
فمن مدينة أون القديمة، مركز العلم والدين في مصر الفرعونية، إلى مدينة الشمس التي أسسها البارون إمبان مطلع القرن العشرين، تتجسد رحلة فريدة تجمع بين التاريخ والتراث والحداثة في لوحة حضارية استثنائية.
وتُعد منطقة مصر الجديدة واحدة من أبرز الشواهد الحية على استمرارية الحضارة المصرية عبر العصور، إذ لم تكن مجرد مشروع عمراني حديث، بل امتدادًا جغرافيًا وثقافيًا لإحدى أهم مدن العالم القديم، وهي مدينة أون أو "هليوبوليس"، التي شكلت على مدار آلاف السنين مركزًا دينيًا وعلميًا وفكريًا بالغ الأهمية في الحضارة المصرية القديمة.
وأكد الباحث الأثري تامر المنشاوي أن اختيار موقع مصر الجديدة لم يكن مصادفة، بل جاء في محيط مدينة أون القديمة، التي ارتبطت بأحد أهم المراكز الفكرية والدينية في مصر القديمة، حيث كانت مقرًا لعبادة الإله رع، ومركزًا لنظرية الخلق الهليوبوليتانية التي شكلت جزءًا أساسيًا من الفكر الديني المصري القديم.
وأوضح المنشاوي أن اسم "هليوبوليس"، الذي أطلقه اليونانيون على مدينة أون، يعني "مدينة الشمس"، وهو الاسم الذي استلهمه البارون البلجيكي إدوارد إمبان عند تأسيس المدينة الحديثة مطلع القرن العشرين، لتصبح مصر الجديدة نموذجًا يجمع بين جذور التاريخ العريق وروح التحديث العمراني.
وتظل منطقة المطرية شاهدة على عظمة مدينة أون القديمة، حيث تقف مسلة الملك سنوسرت الأول كواحدة من أقدم وأهم الآثار المصرية القائمة في موقعها الأصلي، لتؤكد المكانة التاريخية والحضارية التي تمتعت بها هذه المنطقة عبر العصور.
وأشار الباحث الأثري إلى أن مشروع إنشاء مصر الجديدة بدأ رسميًا عام 1905، عقب تأسيس شركة "واحات عين شمس"، التي استهدفت إقامة مدينة حديثة متكاملة، تعتمد على أحدث أساليب التخطيط العمراني آنذاك، مع ربطها بالقاهرة عبر شبكة متطورة من خطوط السكك الحديدية والترام.
وحرص البارون إمبان، بالتعاون مع نخبة من الشركاء المصريين والأجانب، على الاستعانة بأشهر المهندسين والمعماريين من مختلف الجنسيات، ما منح الحي شخصية معمارية استثنائية، تجلت في شوارعه الواسعة، وميادينه المميزة، وحدائقه المفتوحة، ومبانيه التي جمعت بين الطراز الأوروبي والروح الشرقية.
ويأتي قصر البارون إمبان في مقدمة المعالم التاريخية التي تجسد قصة تأسيس مصر الجديدة، حيث افتتح رسميًا عام 1911 بحضور السلطان حسين كامل، وأصبح اليوم، بعد أعمال الترميم والتطوير، متحفًا ومعرضًا يوثق تاريخ المنطقة وتطورها العمراني والاجتماعي.
كما تضم مصر الجديدة عددًا من القصور التاريخية المهمة، من بينها قصر بوغوص نوبار باشا، أحد أبرز شركاء مشروع هليوبوليس، وقصر السلطانة ملك زوجة السلطان حسين كامل، بالإضافة إلى قصر الاتحادية، الذي بدأ مسيرته كفندق فاخر قبل أن يتحول إلى أحد أهم المباني السياسية والتاريخية في مصر.
وأوضح المنشاوي أن الارتباط الحضاري بين مصر الجديدة ومدينة أون القديمة لا يزال قائمًا حتى اليوم، من خلال منطقة آثار أون، التي تضم إلى جانب مسلة سنوسرت الأول عددًا من القطع الأثرية المهمة، فضلًا عن منطقة سوق الخميس، التي شهدت اكتشاف تمثال الملك بسماتيك الأول، المحفوظ حاليًا بالمتحف المصري بالتحرير.
ولا تقتصر القيمة التراثية لمصر الجديدة على آثارها وقصورها، بل تمتد إلى مساجدها التاريخية، ومنها مسجد عباس الشهير بميدان الجامع، الذي افتتح عام 1911 ويعرف حاليًا بمسجد جمال الدين الأفغاني، ومسجد حفيظة الألفي، ومسجد السلطان حسين كامل، المعروف حاليًا بمسجد الثورة، والذي يحتفظ بمنبر خشبي يحمل اسم الملك أحمد فؤاد الأول.
كما تحتضن المنطقة عددًا من الكنائس التاريخية البارزة، وفي مقدمتها كنيسة البازليك، التي تضم مدفن البارون إمبان، وكنيسة مارمرقس بشارع كليوباترا، التي يعود تاريخ وضع حجر أساسها إلى عام 1922.
وتزخر مصر الجديدة أيضًا بمعالم عمرانية وتراثية فريدة، مثل مبنى غرناطة التاريخي، وميادين الكوربة وروكسي، بالإضافة إلى شارع الأهرام الشهير، الذي يعكس جانبًا مهمًا من تاريخ الحياة الاجتماعية والثقافية والعمرانية في القاهرة الحديثة.
واختتم الباحث الأثري تامر المنشاوي حديثه بالتأكيد على أن مصر الجديدة تمثل نموذجًا استثنائيًا للتواصل الحضاري، حيث نشأت مدينة حديثة فوق أرض تحمل ذاكرة واحدة من أقدم مراكز الفكر والدين في العالم، لتبقى شاهدًا حيًا على قدرة الحضارة المصرية على التجدد والاستمرار عبر آلاف السنين.
الكلمات الدالة
الاخبار المرتبطة
قعر جهنم.. أسرار حفرة مرعبة أذهلت العلماء
«مهن الموت».. حكايات رجال دفعوا حياتهم ثمنًا لـ«لقمة العيش»
بردية إبيرس.. حكاية أول موسوعة طبية تكشف عبقرية المصري القديم
حكاية عمرها آلاف السنين.. كيف تحول "عيد بذر القمح" الفرعوني إلى طبق عاشوراء؟
حكاية القصر الذي شهد مجد صاحبه ونهايته المأساوية
"الخالدين".. حكاية مقابر تحولت إلى متحف مفتوح لتاريخ مصر
أوتار الحضارة الخالدة.. رحلة الموسيقى والإبداع عبر آلاف السنين
ليس بالبناء وحده عاش الفراعنة.. حكاية "منيو" الحياة اليومية بمصر القديمة
حكاية أغرب مقبرة في الإسكندرية.. فتاة نائمة منذ 138 عامًا بين جناحي ملاك







