د.محمد شومان
قضية ورأى
رأسمالية المونديال الممتعة
الثلاثاء، 30 يونيو 2026 - 07:33 م
«الفيفا» يجنى 8٫9 مليار دولار، ويحرم مئات الملايين من البشر حول العالم من الحق فى المشاهدة والحق فى الاستمتاع بكرة القدم
قامت فلسفة كأس العالم منذ نشأتها على قيم تبدو بسيطة لكنها عميقة الدلالة أهمها، المساواة، وتكافؤ الفرص، وعدالة المنافسة. فداخل المستطيل الأخضر يخضع الجميع للقواعد نفسها، ولا يملك المنتخب الأقوى سوى ما يقدمه لاعبوه فوق أرض الملعب. كما ظلت مشاهدة المونديال، لعقود طويلة، متعة جماهيرية عالمية تجمع الفقير والغنى، فى دول الشمال والجنوب.
لكن النسخة الحالية من مونديال 2026 كشفت بوضوح عن تحولات عميقة جعلت البطولة تدار بمنطق السوق الرأسمالية أكثر من كونها مهرجانًا رياضيًا عالميًا، كما شهدت تداخلات سياسية أعادت الجدل حول ادعاء الاتحاد الدولى لكرة القدم (فيفا) الفصل بين الرياضة والسياسة.
تحولت «اللعبة الجميلة» إلى صناعة وبيزنس، ومع أن الفيفا تعرف نفسها باعتبارها منظمة غير هادفة للربح، فإن التقديرات تشير إلى أن عائدات مونديال 2026 قد تصل إلى نحو 8,9 مليار دولار، بزيادة تقارب 54% مقارنة بمونديال قطر 2022. وتأتى حقوق البث التليفزيونى فى مقدمة مصادر الإيرادات بما يزيد على 4٫2 مليار دولار، تليها التذاكر والضيافة بنحو 3 مليارات دولار، ثم الرعاية التجارية والإعلانات بما يتجاوز 2٫6 مليار دولار. وهى أرقام تجعل البطولة أقرب إلى إمبراطورية اقتصادية عالمية منها إلى مجرد منافسة رياضية.
ويبدو الطابع الرأسمالى أكثر وضوحًا فى سياسة بيع التذاكر. فللمرة الأولى تولت الفيفا بنفسها إدارة عملية البيع، واعتمدت نظام «التسعير الديناميكى» المستعار من شركات الطيران والفنادق، حيث ترتفع الأسعار تلقائيًا مع زيادة الطلب. ونتيجة لذلك، قفز متوسط أسعار بعض التذاكر إلى مستويات تقترب من 1300 دولار، وهو ما جعل حضور المباريات امتيازًا يقتصر بدرجة كبيرة على القادرين ماليًا، وأضعف أحد أهم المبادئ التى قامت عليها البطولة، وهو إتاحة الفرصة أمام مختلف فئات الجماهير للاستمتاع بالمونديال.
ولم يتوقف توظيف المنطق التجارى عند بيع التذاكر، بل امتد إلى إدارة زمن المباراة نفسها. فقد استحدثت الفيفا ما يعرف بـ «فترات الترطيب»، وهى توقفات إلزامية تستمر نحو ثلاث دقائق فى كل شوط بحجة حماية اللاعبين من ارتفاع درجات الحرارة فى بعض المدن الأمريكية.
ورغم وجاهة المبرر الصحى، فإن هذه الدقائق تحولت فى الوقت نفسه إلى مساحات إعلانية مدفوعة للمحطات التليفزيونية،
بما يعكس قدرة الاعتبارات التجارية على إعادة تشكيل إيقاع المباراة، ويرى بعض المحللين أن هذه التوقفات قد أثرت على تركيز اللاعبين وإيقاع الأداء، وربما فى نتائج بعض المباريات.
أما جمهور المشاهدين عبر العالم، فقد كان أحد أبرز ضحايا هذا التحول، فمنذ نهاية القرن الماضى كان بث مباريات كأس العالم متاحًا بالمجان لمئات الملايين عبر القنوات المفتوحة فى كثير من الدول،
بما جعل البطولة حدثًا عالميًا يجسد فكرة «الحق فى المشاهدة» و»الحق فى الاستمتاع بكرة القدم». أما اليوم فقد أصبحت حقوق البث تباع بمليارات الدولارات لشبكات إعلامية كبرى، تعيد بدورها بيعها للمشاهدين عبر اشتراكات مرتفعة لا يستطيع تحملها كثيرون، خاصة فى آسيا وإفريقيا وأمريكا الجنوبية. وتشير التقديرات إلى أن قيمة حقوق البث فى مونديال 2026 ارتفعت بنحو 94% مقارنة بالنسخة السابقة، بما يؤكد أن منطق السوق أصبح يتحكم فى وصول الجمهور إلى الحدث الرياضى الأكبر فى العالم.
وترد الفيفا على هذه الانتقادات بالتأكيد أن الإيرادات الضخمة تستخدم فى تطوير كرة القدم عالميًا، وتمويل الاتحادات الوطنية، وتحسين البنية التحتية الرياضية، ودعم برامج التنمية الكروية، خاصة فى الدول النامية. غير أن منتقديها يرون أن جزءًا معتبرًا من هذه الموارد يذهب إلى الفيفا فى أشكال مختلفة منها الأجور والمكافآت والمزايا الإدارية، فضلًا عن الإنفاق السخى على السفر والإقامة والمؤتمرات، وهو ما يثير تساؤلات مشروعة حول أولويات الإنفاق ودرجة الشفافية.
ويبقى السؤال الأهم: هل يمكن استعادة التوازن بين البعد الاقتصادى والرسالة الرياضية للمونديال؟ وألا تصبح اعتبارات الربح هى المعيار الحاكم لكل تفاصيلها. فالقيمة الحقيقية لكأس العالم لا تقاس بحجم الإيرادات وحدها، وإنما بقدرتها على أن تظل مناسبة إنسانية تجمع الشعوب، وتمنح الجميع، مهما اختلفت جنسياتهم وأوضاعهم الاقتصادية والاجتماعية، فرصة متساوية للاستمتاع باللعبة التى أحبها العالم .
الكلمات الدالة
الاخبار المرتبطة








( ثالوث) فى أزمة
عقل الثورة
30 يونيو فى بورسعيد
نتائج مقلقة لإسرائيل
«زوجات الرياضيين.. بين التريند والتهيئة الغائبة!»
بين وهم الإمبراطورية وخلود الحضارة.. كيف صنعت مصر مجدها؟
سلامتك من الطايش يا «بواللبايش»
خلف العناوين... تبدأ الحقيقة
إسبريسو