ياسر عبد العزيز
ياسر عبد العزيز


قلم حر

مونديال الأمم الأفريقية !!

ياسر عبدالعزيز

الأحد، 05 يوليه 2026 - 09:17 م

هناك أشياء لا تتغير إلا عندما تتغير طريقة النظر إليها.
ولسنوات طويلة، كنا نشاهد كأس العالم وكأنها بطولة يتقاسمها الأوروبيون وأبناء أمريكا الجنوبية، بينما يجلس الأفارقة فى مقاعد المتفرجين ينتظرون لحظة التصفيق..ثم يعودون إلى الطائرة الأولى.
لكن يبدو أن أفريقيا قررت هذا العام أن تكتب القصة بنفسها..ولهذا، لم أشعر أننى أشاهد كأس العالم.. بل شعرت أننى أتابع مونديال الأمم الأفريقية..قد يبدو العنوان صادمًا..لكن الأرقام لا تعرف المجاملة.. عشرة منتخبات أفريقية حجزت مقاعدها فى المونديال، وهو أكبر حضور للقارة السمراء فى تاريخ البطولة.
ولم يكن الحضور عدديًا فقط..بل كان حضورًا فى الأداء، وفى الشخصية، وفى النتائج..تسعة منتخبات من أصل عشرة عبرت إلى دور الـ32، فى مشهد لم تعرفه الكرة الأفريقية من قبل، وكأن القارة قررت أن تؤجل إجازتها الصيفية حتى إشعار آخر.
ثم جاءت المفاجأة الأكبر.. لم تكتف أفريقيا بمنتخباتها العشرة، بل حضرت أيضًا بأكثر من خمسمائة لاعب من أصول أفريقية، توزعوا على قمصان عشرات المنتخبات، من فرنسا إلى إنجلترا، ومن بلجيكا إلى هولندا، ومن البرتغال إلى ألمانيا وإسبانيا..فقلت لنفسي..إذا كانت الأقدام أفريقية..والأحلام أفريقية..والنجوم أفارقة..فلماذا نستغرب أن يبدو كأس العالم وكأنه بطولة أفريقية تُقام خارج القارة؟
إنها ليست مصادفة..إنها نتيجة سنوات طويلة من العمل، والاحتراف، والاستثمار فى الإنسان قبل اللاعب.. وأجمل ما فى هذا المشهد أن العرب كانوا فى قلب الحكاية.
المغرب لم يتأهل إلى دور الثمانية لأنه محظوظ..
بل لأنه أصبح يعرف كيف يفوز..ثلاثية فى مرمى كندا، صاحبة الأرض، لم تكن مجرد نتيجة.. بل كانت إعلانًا رسميًا بأن أسود الأطلس لم يعودوا يطرقون أبواب الكبار..
بل يجلسون معهم على المائدة نفسها.
ومن الجهة الأخرى، تقف مصر أمام موعد لا يقل أهمية.. ليس لأنها تواجه الأرجنتين..ولكن لأنها تواجه فرصة جديدة لكتابة سطر مختلف فى تاريخها المونديالي.
هذا المنتخب لم يصل إلى هنا بالمصادفة..منذ المباراة الأولى أمام بلجيكا، أثبت أنه يملك شخصية المنافس، ومن قبلها المواجهات الودية الكبرى أمام إسبانيا والبرازيل اكدت أن الاحتكاك بالكبار لا يصنع الخوف..بل يصنع الثقة، فى إطار إعداد مدروس حرص عليه مجلس إدارة اتحاد الكرة برئاسة المهندس هانى أبوريدة عضو الفيفا البارز ورئيس الاتحاد المصرى الذى آمن بأن المنتخبات الكبيرة لا تُبنى بالشعارات، وإنما بالتخطيط..ولهذا، فإن مباراة الأرجنتين ليست مواجهة بين تاريخين..بل بين إرادتين..التاريخ يمنحك الاحترام..أما الإرادة، فهى وحدها التى تمنحك بطاقة العبور.
ولعل أجمل ما قدمته أفريقيا فى هذا المونديال أنها حررت أبناءها من عقدة الأسماء..لم يعد أحد يخشى بطل العالم..
ولا بطل أوروبا..ولا صاحب الأرض..الجميع أصبح يلعب الكرة نفسها..والفارق لم يعد فى لون القميص..
بل فى قوة الشخصية..ربما لهذا السبب، لم يعد العالم ينظر إلى القارة السمراء باعتبارها منجمًا للمواهب فقط..
بل باعتبارها شريكًا فى صناعة المجد.
ولهذا، إذا سألتنى عن اسم البطولة، فسأبتسم وأقول: قد يكتب الاتحاد الدولى على الكأس أنها كأس العالم..
لكن ما صنعته أفريقيا فوق الملاعب، وما رسمه أبناؤها فى كل منتخب، يمنحنا الحق فى أن نطلق عليها، دون مبالغة :»مونديال الأمم الأفريقية».

 
 
 
 
 
 
 

الكلمات الدالة

 
 
 
 
 

مشاركة