كتاب رجل الأقدار
«رجل الأقدار».. سيرة قائد تروي حكاية وطن| قراءة فى كتاب يوثِّق رحلة الجمهورية الجديدة
السبت، 11 يوليه 2026 - 03:00 ص
ثمة كتب تُقرأ فتضيف معلومة، وأخرى تُقرأ فتمنح القارئ مفتاحًا لفهم زمن بأكمله، وبين النوعين تقف الأعمال التوثيقية الكبرى التى لا تكتفى برصد الوقائع، بل تسعى إلى الإمساك بروح اللحظة التاريخية وتقديمها للأجيال المقبلة بوصفها جزءًا من الذاكرة الوطنية، ويأتى كتاب ارجل الأقدار.. سيرة قائد.. مسيرة وطنب، الصادر عن الهيئة الوطنية للصحافة، ليقدم قراءة موثقة لمرحلة مفصلية من تاريخ الدولة المصرية، واضعًا سيرة القيادة السياسية فى سياق أوسع يرتبط بتحولات المجتمع ومسيرة إعادة البناء، فى محاولة تجمع بين الوثيقة والتحليل، وبين السرد الصحفى والرؤية التاريخية.
ليست قيمة الكتب الكبرى فيما تضيفه إلى رفوف المكتبات، وإنما فيما تتركه من أثر فى الوعى العام، وما تمنحه للأجيال من قدرة على فهم التاريخ واستيعاب لحظاته الفاصلة، فهناك كتب تُقرأ مرة ثم تُطوى صفحاتها، وأخرى تتحول إلى مراجع يُعاد إليها كلما أُريد فهم كيف صُنعت اللحظات الكبرى، وكيف واجهت الدول أخطر التحديات، ومن هذه الفئة يأتى كتاب ارجل الأقدار.. سيرة قائد.. مسيرة وطنب، باعتباره مشروعًا وطنيًا للتوثيق، أكثر من كونه مُجرد كتاب يتناول سيرة رئيس.
الكتاب لا يُقدم سردًا تقليديًا لمسيرة الرئيس عبد الفتاح السيسى، ولا يكتفى بتسجيل المحطات السياسية التى مر بها، بل يسعى إلى وضع تلك المحطات فى سياقها التاريخى، وربط شخصية القائد بطبيعة المرحلة وحجم التحديات التى واجهتها الدولة المصرية خلال السنوات الأخيرة.
عمل مُختلف
مُنذ الصفحات الأولى يُدرك القارئ أنه أمام عمل مُختلف فى منهجه وأسلوبه؛ فلا يغلب عليه الطابع الاحتفائى، ولا يكتفى بالسرد الزمنى للأحداث، وإنما يعتمد على الوثائق والشهادات والتحليل، ليُقدم صورة مُتكاملة لمرحلة تُعد من أكثر مراحل الدولة المصرية تعقيدًا وحساسية.
ولعل أبرز ما يُميز هذا الإصدار أنه لا يتعامل مع التاريخ بوصفه أحداثًا مُنفصلة، بل باعتباره سلسلة مُترابطة من الوقائع والقرارات والظروف التى لا يُمكن فهم إحداها بمعزل عن الأخرى، ولذلك جاءت فصول الكتاب مُتماسكة، تنتقل بالقارئ من خلفيات الأحداث إلى نتائجها، ومن تفاصيل القرارات إلى انعكاساتها على الدولة والمجتمع.
ولا يمكن قراءة هذا العمل بعيدًا عن اللحظة التاريخية التى عاشتها مصر منذ 2011، وما تبعها من اضطرابات سياسية وأمنية واقتصادية، وصولًا لاستعادة مؤسسات الدولة، ثم الانطلاق فى مسار إعادة البناء والتنمية، فالكتاب يقدم قراءة لهذه المرحلة عبر الوثيقة والمعلومة والتحليل، لا من خلال الانطباعات العابرة أو الروايات المُتفرقة.
ويُحسب للهيئة الوطنية للصحافة أنها لم تُقدم إصدارًا احتفاليًا عابرًا، بل تبنت مشروعًا توثيقيًا شاركت فيه نخبة من كبار الكُتّاب والصحفيين والباحثين، حمل كل منهم خبرته ورؤيته فى تناول جانب من جوانب التجربة المصرية، فجاء الكتاب ثمرة عمل جماعى حافظ على وحدة الرؤية، مع تنوع الأساليب والخبرات، وهنا تتجلى أهمية العمل المؤسسى فى صناعة المعرفة؛ فحين تتكامل الخبرات المختلفة داخل مشروع واحد، تصبح النتيجة أكثر ثراءً وقدرة على الإحاطة بتفاصيل المشهد، بعيدًا عن الرؤية الأحادية أو المعالجة الجزئية.
ولا يقف الكتاب عند حدود السياسة، بل يفتح نوافذ واسعة على الاقتصاد والتنمية والعلاقات الخارجية ومكافحة الإرهاب وبناء المؤسسات، مستعرضًا التحولات الكبرى التى شهدتها الدولة المصرية خلال العقد الأخير، فى إطار رؤية شاملة تربط بين الأمن والاستقرار والتنمية، باعتبارها عناصر متكاملة لا يمكن الفصل بينها.
ومن أبرز نقاط القوة فى هذا العمل أنه يمنح الوثيقة مكانتها المستحقة، ففى زمن أصبحت فيه وسائل التواصل الاجتماعى مصدرًا لكثير من المعلومات غير الدقيقة، تبرز أهمية الأعمال التوثيقية التى تستند إلى المصادر الرسمية والشهادات الموثقة، لتكون مرجعًا للأجيال المقبلة، وللباحثين والدارسين المهتمين بتاريخ هذه المرحلة.
الحاضر والمُستقبل
والحقيقة أن الأمم التى لا توثق تاريخها تتركه عرضة للتأويل، وربما للتزييف، ولذلك فإن قيمة هذا العمل لا ترتبط بالحاضر وحده، بل تمتد إلى المستقبل، حيث سيجد الباحثون مادة غنية لفهم كيفية إدارة الدولة المصرية لإحدى أصعب الفترات فى تاريخها الحديث.
ولا يخفى أن كتابة السيرة السياسية من أصعب أنواع الكتابة؛ لأنها تتعامل مع أحداث لا تزال آثارها ممتدة، وشخصيات ما زالت تمارس أدوارها، ووقائع تختلف حولها زوايا النظر. ومن هنا تبرز أهمية الالتزام بالدقة، وإعلاء قيمة الوثيقة، والابتعاد عن الأحكام المتعجلة، وهى سمات تبدو واضحة فى بناء هذا العمل.
كما نجح الكتاب فى تحقيق معادلة ليست سهلة، إذ جمع بين لغة البحث الرصينة والأسلوب الصحفى السلس، فجاء قريبًا من القارئ العام، من دون أن يفقد قيمته العلمية أو التوثيقية. وهى ميزة تجعل الكتاب صالحًا للقراءة من جمهور واسع، وليس فقط من المتخصصين فى التاريخ أو السياسة.
ولعل أكثر ما يلفت الانتباه أن الكتاب لا يعزل القائد عن شعبه أو مؤسسات دولته، بل يقدم صورة لتفاعل القيادة مع الإرادة الشعبية، وللعلاقة بين القرار السياسى والظروف الداخلية والإقليمية والدولية، بما يعكس فهمًا أعمق لطبيعة صناعة التاريخ.
ومن هــذه الزاوية يتحــول "رجـــل الأقــدار" إلى سجل لتجربة دولة أكثر منه مجرد سيرة لرئيس؛ فالأحداث التى يتناولها لــم تكـن تخص شخصًا بعينه، بل كانت تمس حاضر وطن ومستقبله، وهو ما يمنح الكتاب بعدًا وطنيًا يتجاوز حدود الترجمة الشخصية.
ولعل من الإنصاف الإشارة إلى أن هذا الإصدار يأتى فى وقت أصبحت فيه معركة الوعى واحدة من أهم معارك العصر؛ فالتاريخ لم يعد يُكتب فى الكتب وحدها، بل بات يُدوَّن أيضًا عبر المنصات الرقمية، حيث تتزاحم الروايات المتناقضة وتختلط الحقيقة بالشائعة. ومن هنا تتزايد أهمية الأعمال التى تعتمد على التوثيق والتحليل الرصين، لتكون مرجعًا يحفظ الوقائع من التشويه أو النسيان.
التجارب الوطنية
إن توثيق التجارب الوطنية ليس ترفًا ثقافيًا، بل ضرورة حضارية فالدول الكبرى لم تبنِ ذاكرتها على الروايات الشفوية، وإنما على الكتب والوثائق والأرشيفات التى حفظت تفاصيل مسيرتها، ومصر بتاريخها الممتد، أولى بأن تمتلك أرشيفًا معاصرًا يروى للأجيال كيف واجهت التحديات، وكيف استعادت توازنها، وكيف شقت طريقها نحو البناء، ولهذا فإن "رجل الأقدار.. سيرة قائد.. مسيرة وطن" لا يُقرأ بوصفه كتابًا عن الماضى، بل بوصفه وثيقة تساعد على فهم الحاضر واستشراف المستقبل، إنه محاولة جادة لتسجيل مرحلة مفصلية من تاريخ مصر، بلغة هادئة، ورؤية موثقة، ومنهج يحترم عقل القارئ.
وتبقى قيمة أى كتاب رهينة بما يتركه من أثر بعد الانتهاء من قراءته. وهذا الإصدار يترك لدى قارئه إحساسًا بأنه لم يقرأ سيرة شخص فحسب، بل عايش رحلة وطن، وتأمل تجربة دولة، وتابع كيف يمكن للقيادة والإرادة والعمل المؤسسى أن تتكامل فى مواجهة الأزمات وصناعة المستقبل، إنه كتاب يفتح أبواب النقاش، ويثرى المعرفة، ويؤكد أن التوثيق الجاد أحد أهم أدوات حماية الذاكرة الوطنية. وربما لهذا السبب يستحق "رجل الأقدار" أن يُنظر إليه بوصفه وثيقة وطن، قبل أن يكون مجرد كتاب يروى سيرة قائد.
اقرأ أيضا: بعد توجيهات الرئيس السيسي بعودتها.. ما أهمية المجالس المحلية في مصر؟| خاص
الكلمات الدالة
الاخبار المرتبطة
السيسي يرسم خريطة الطريق لاستكمال البناء والتنمية
الرئيس يطلق إشارة البدء من القيادة الاستراتيجية.. الأحزاب تستعد والمحليات تقترب
«الأوكتاجون».. العقل الاستراتيجي لمصر
مركز القيادة الاستراتيجي.. عسكريون: نقلة استراتيجية تعزز «الأمن القومي»
الفريق ياسر الطودي: جاهزون للتصدي لأي عدائيات بأحدث المنظومات القتالية| حوار
«العداد الكودي» يصعق الناجين من عذاب «الممارسة»
قرية بالمنوفية تحافظ على الحرف التقليدية.. «ساقية المنقدي» تغزو العالم بـ«الصدف»
«الغش الإلكتروني» لا يزال مستمرًا بالثانوية العامة
أستاذ أبحاث الجينوم الكيميائي: «جائحة صامتة» للميكروبات قد تحصد وفيات أكثر من «كورونا» l حوار








