أحمد باشا
أما بعد
جهاز مستقبل مصر فى البرلمان
الجمعة، 17 يوليه 2026 - 09:52 م
فى لحظات التحول الكبرى، لا تكتفى الدول بتغيير السياسات، بل تعيد تصميم أدواتها. فكل مرحلة تاريخية تفرض مؤسساتها، وتستدعى أذرعا تنفيذية تتجاوز القوالب التقليدية التى صيغت لظروف مغايرة. ومن يقرأ مشروع إعادة تنظيم جهاز مستقبل مصر للتنمية المستدامة بهذه الزاوية، يدرك أنه ليس مجرد قانون جديد، وإنما تعبير عن انتقال الدولة المصرية إلى مرحلة مختلفة فى إدارة التنمية، عنوانها الانتقال من إدارة المشروعات إلى إدارة القوة الاقتصادية للدولة.
لم يكن لافتًا فى مناقشات مجلس النواب حجم التأييد الذى حظى به مشروع القانون، بقدر ما كان لافتًا مستوى الحوار الذى دار حوله. فقد ناقش النواب فلسفة الجهاز، وحدود اختصاصاته، وآليات مساءلته، والعلاقة بينه وبين مؤسسات الدولة الأخرى، فى صورة تؤكد أن البرلمان لم يكن بصدد تمرير نص تشريعى، وإنما كان يشارك فى رسم ملامح مؤسسة ستصبح أحد أهم محركات التنمية خلال السنوات المقبلة. وهذه هى القيمة الحقيقية للنقاش الديمقراطى؛ أن يمنح المؤسسات الجديدة شرعية الحوار قبل شرعية التصويت.
ولعل أهم ما حمله القانون هو إعادة التموضع الاستراتيجى للجهاز بنقل تبعيته إلى رئيس الجمهورية. فهذه الخطوة لا تعنى تعديلا إداريا بقدر ما تعكس إدراكا سياسيا بأن ملفات الأمن الغذائى، واستصلاح الأراضى، وإدارة الأصول، وتعظيم الموارد، وجذب الاستثمارات، أصبحت تمثل جزءًا من مفهوم الأمن القومى الشامل، وأن إدارتها تتطلب مركزا مؤسسيا يمتلك سرعة الحركة، ووحدة القرار، والقدرة على التنسيق بين مختلف أجهزة الدولة.
لقد أثبت جهاز مستقبل مصر خلال سنوات قليلة أن الإدارة المنضبطة تستطيع اختصار سنوات من الإجراءات، وأن الإنجاز ليس رهين حجم الموارد وحدها، وإنما بكفاءة الإدارة وحسن توظيف الإمكانات. وجاء القانون ليحول هذا النجاح التنفيذى إلى بناء مؤسسى دائم، يضمن استمرارية التجربة، ويمنحها إطارا تشريعيا أكثر رسوخا واتساعا.
كما يفتح القانون آفاقا أوسع أمام الصناديق والكيانات التابعة للجهاز لتصبح أدوات استثمار وتنمية، لا مجرد أوعية مالية، بما يعزز قدرة الدولة على تعظيم العائد من أصولها، وإقامة شراكات نوعية مع القطاع الخاص، وتحويل الموارد الكامنة إلى قيمة اقتصادية مضافة، فى إطار رؤية تستهدف الاستدامة لا المعالجات المؤقتة.
والأهم أن القانون يبدد أى تصور بأن الجهاز بديل عن الوزارات أو منافس لها؛ فهو يمثل ذراعا تنفيذية تتكامل مع مؤسسات الدولة، وتتحرك فى المساحات التى تتطلب سرعة القرار، وتداخل الاختصاصات، وحشد الإمكانات. فالدول الحديثة لا تقاس بعدد مؤسساتها، وإنما بقدرتها على بناء مؤسسات تتناسب مع طبيعة التحديات التى تواجهها.
لهذا، فإن إعادة تنظيم جهاز مستقبل مصر ليست مجرد إعادة ترتيب هيكل إدارى، بل تعكس تحولاً أعمق فى عقل الدولة نفسها . دولة باتت تنظر إلى التنمية باعتبارها قضية سيادة، وإلى إدارة الموارد باعتبارها ركيزة للأمن القومى، وإلى المستقبل باعتباره مشروعا مؤسسيا يُبنى بالقانون، ويُدار بالكفاءة، ويُقاس بما يتركه من أثر فى حياة المواطنين.
الكلمات الدالة
الاخبار المرتبطة









..لا تكن أبدًا وحيدًا
سلوك المنتخب مشرف
ملعب الوزير
فتحى سند يكتب: لا مؤاخذة!
مصر تتحمل وحدها
انتصارات يوليو
«عظيمات مصر»
مَسك السيرة الإلكترونى !
شهر الأمومة والطفولة