إســـلام عفيفى
إســـلام عفيفى يكتب: «فانس» .. هل يدفع الثمن؟
الجمعة، 17 يوليه 2026 - 10:04 م
فى السياسة الأمريكية، لا يدفع السياسى الثمن دائمًا لأنه أخطأ، بل أحيانًا لأنه قال ما يعرفه الآخرون ويخشون الاعتراف به وهذا بالضبط ما يواجهه نائب الرئيس الأمريكى جى دى فانس اليوم، الرجل لم يكتفِ بالدفاع عن مسار التفاهم مع إيران، ولم يكتفِ بالرد على منتقدى الاتفاق داخل إسرائيل والولايات المتحدة، بل ذهب إلى نقطة أكثر حساسية: قال إن أطرافًا داخل الحكومة الإسرائيلية حاولت التأثير على الرأى العام الأمريكى لإفشال المسار الدبلوماسى وإبقاء الحرب مفتوحة.
عندما يقول نائب الرئيس الأمريكى إن هناك حملة تأثير مرتبطة بإسرائيل داخل الساحة الأمريكية، فهو لا ينتقد قرارًا إسرائيليًا فقط، بل يقترب من واحد من أكثر الملفات حساسية فى واشنطن: حدود النفوذ الإسرائيلى على السياسة الأمريكية، وحدود ما يمكن أن تقبله الولايات المتحدة من حليف تعتبره تاريخيًا جزءًا من بنيتها الاستراتيجية فى الشرق الأوسط.
فانس، فى هذه اللحظة، لا يبدو مجرد نائب رئيس يدافع عن قرار إدارة ترامب، هو يقدم نفسه كصوت داخل اليمين الأمريكى الجديد، صوت يقول إن دعم إسرائيل لا يعنى أن تتحول واشنطن إلى رهينة لرغبات تل أبيب، وإن مصالح أمريكا ليست نسخة كاملة من مصالح الحكومة الإسرائيلية، وإن الحرب مع إيران يجب ألا تستمر إلى ما لا نهاية فقط ، لأن بعض الأطراف فى إسرائيل ترى فى استمرارها فرصة استراتيجية.
وهنا يبدأ السؤال: هل يدفع فانس ثمن هذه الجرأة؟
لو أن هناك ثمنًا فسوف يكون داخل المعسكر الجمهورى نفسه، الحزب الجمهورى لعقود طويلة بنى جزءًا من هويته الخارجية على دعم شبه مُطلق لإسرائيل، لكن هذا الدعم لم يعد كتلة واحدة، هناك جيل جديد من المحافظين، متأثر بترامب أولًا، وبتيارات «أمريكا أولًا» ، ثانيًا: يرى أن الولايات المتحدة أنفقت كثيرًا فى حروب الشرق الأوسط، وأن الحلفاء تعودوا الحصول على شيك أمريكى مفتوح، وأن الوقت حان للسؤال: ماذا تكسب أمريكا فعلًا؟
فانس يخاطب هذا الجيل من الناخبين الذين لا يريدون حربًا جديدة مع إيران، ولا يريدون إرسال أموال وسلاح بلا نهاية، ولا يريدون أن يروا السياسة الخارجية الأمريكية تُدار بعقلية الالتزام الأبدي، لذلك فإن ما يقوله قد يُغضب المؤسسة التقليدية، لكنه يفتح له بابًا عند قاعدة شعبية أصبحت أكثر تشككًا فى الحروب الخارجية، وأكثر استعدادًا لسماع نقد غير مألوف لإسرائيل.
لكن السياسة ليست قاعدة شعبية فقط، هناك جماعات ضغط، ومتبرعون، وإعلام، ومراكز تفكير، وشبكات نفوذ داخل واشنطن، وهؤلاء لا يتعاملون مع مثل هذه التصريحات باعتبارها اختلافًا فى وجهات النظر، بل باعتبارها كسرًا لقاعدة قديمة: تستطيع أن تختلف مع تكتيك إسرائيلي، لكن لا تتهم إسرائيل أو أطرافًا فيها بمحاولة التأثير على الرأى العام الأمريكى لإفشال سياسة أمريكية، هنا يصبح فانس فى منطقة خطر.
الثمن الثانى الذى قد يدفعه فانس يتعلق بعلاقته بترامب، فانس يحاول أن يظهر كمدافع عن قرار الرئيس، لا كمتمرد عليه، يقول عمليًا إن ترامب هو من اختار مسار التهدئة، وإن من يهاجم الاتفاق يهاجم قرارًا أمريكيًا قبل أن يكون قرارًا شخصيًا لفانس، لكنه فى الوقت نفسه يصنع لنفسه مساحة سياسية خاصة، يصبح الرجل الذى يتحدث بما لا يقوله ترامب دائمًا بهذه المباشرة، والرجل الذى يترجم شعار «أمريكا أولًا» إلى مواجهة علنية مع ضغوط الحلفاء.
هذا قد يقويه إذا احتاج ترامب إلى نائب يشرح قاعدته الجديدة، لكنه قد يُضعفه إذا شعر الرئيس أن نائبه يتحول إلى مركز مستقل فى ملف بالغ الحساسية، فى إدارة ترامب، الولاء مهم، لكن الأضواء أيضًا مهمة، وفانس الآن يحصل على أضواء كثيرة، بعضها إيجابى وبعضها خطر.
الثمن الثالث أن فانس أصبح وجهًا لاتفاق إيران، والاتفاق نفسه لم يستقر بعد، إذا نجح المسار، وتراجعت الحرب، وظلت إيران تحت ضغط ورقابة، فسيظهر فانس باعتباره رجلًا قرأ اللحظة جيدًا ورفض الانجرار وراء حرب مفتوحة، أما إذا انهار الاتفاق، أو استغلت إيران التهدئة لإعادة بناء قدراتها، أو واصلت أذرعها الضغط فى المنطقة، فسيتحول فانس إلى هدف سهل: الرجل الذى وثق بالدبلوماسية أكثر مما ينبغي، واصطدم بإسرائيل، ثم لم يحصل على سلام حقيقي، وهذا هو أخطر ثمن فى السياسة: أن ترتبط بمسار لم تكتمل نتائجه بعد، فانس يراهن على أن أمريكا تستطيع أن تنتزع اتفاقًا أفضل من الحرب المفتوحة، وخصومه سيراهنون على أى خطأ إيراني، أى صاروخ، أى تهديد للملاحة، أى تصعيد من حزب الله أو الحرس الثوري، ليقولوا له: هذه نتيجة سذاجتك.
هذه النقطة هى التى تجعل معركة فانس أكبر من شخصه، نحن أمام تحول داخل السياسة الأمريكية، لا مجرد تصريح فى بودكاست، هناك تيار أمريكى بدأ يراجع العلاقة مع إسرائيل لا من موقع العداء لها، بل من موقع رفض أن تكون فوق المحاسبة. يقول: نعم إسرائيل حليف، نعم إيران خطر، نعم أمن إسرائيل مهم، لكن ليس من حق أى حكومة إسرائيلية أن تحدد وحدها متى تحارب أمريكا ومتى تفاوض.
فانس اليوم يتحرك على حبل مشدود. إذا صمت، سيبدو مجرد نائب تابع، وإذا تكلم أكثر سيصنع أعداءً داخل واشنطن وتل أبيب، إذا دافع عن الاتفاق، سيُحمّل نتائجه، وإذا تراجع سيخسر صورة الرجل الذى قال إن مصلحة أمريكا أولًا لا يجب أن تبقى شعارًا بلا معنى.
فى رأيي، فانس قد يدفع الثمن، لكنه قد يجنى العائد أيضًا، لأن السياسة الأمريكية تتغير، والناخب الأمريكى لم يعد كما كان بعد العراق وأفغانستان وحروب الشرق الأوسط، هناك تعب من الحروب، وتشكك فى الحلفاء، وغضب من النخب، ورغبة فى قيادات تقول بصراحة إن أمريكا ليست مطالبة بدفع فاتورة كل صراع.
لكن الثمن الحقيقى لن يُدفع الآن، سيدفعه فانس إذا فشل الاتفاق مع إيران، أو إذا نجحت حملات الضغط فى تصويره باعتباره خطرًا على التحالف الأمريكي-الإسرائيلي، أو إذا قرر ترامب نفسه أن المسافة بينه وبين نائبه أصبحت أكبر مما ينبغي، أما إذا نجح المسار، فسيخرج فانس من الأزمة أقوى؛ لا بوصفه نائبًا هادئًا، بل بوصفه الرجل الذى تجرأ على سؤال كان كثيرون فى واشنطن يتهامسون به: متى تنتهى حدود الحليف وتبدأ مصلحة أمريكا؟
لهذا فإن عنوان اللحظة ليس فقط: هل يدفع فانس الثمن؟ بل: من الذى سيحدد الثمن؟ إسرائيل الغاضبة؟
الجمهوريون التقليديون؟ ترامب؟ أم الناخب الأمريكى الذى بدأ يرى أن دعم الحلفاء لا يعنى إلغاء الحساب؟
فانس فتح بابًا لن يُغلق بسهولة وربما تكون مشكلته أنه قال مبكرًا ما قد يصبح بعد سنوات جزءًا من التيار الرئيسى فى أمريكا: لا حليف فوق المصلحة الأمريكية، ولا حرب يجب أن تستمر فقط لأن طرفًا خارجيًا يريدها، ولا سياسة خارجية يمكن أن تنجح إذا خافت من تسمية الضغوط باسمها.
الكلمات الدالة
الاخبار المرتبطة









محمد علي السيد يكتب: سوق المناشي.. لزاز ودلدل ويعفور.. واتمخطري يا خيل
متى تنتهى الحرب؟
عمرو الخياط يكتب: «الفان زون»
حلفاء ولكن.. اذهبوا إلى الجحيم
الوزير.. وبداية الإصلاح
محمد قناوى يكتب: معركة حق الأداء العلنى
نبض الصحة: الأخلاقُ وحدها لا تُداوى
من الدواء إلى الداء!
عمرو أديب أبكانى بقصة «زيكو»