ساحة القرية
جوماليقيزيك.. قرية تركية توقف الزمن عند أبوابها
الثلاثاء، 21 يوليه 2026 - 05:45 م
على سفوح جبل أولوداغ الشمالية، وعلى بعد خطوات قليلة من ضجيج مدينة بورصة التركية، تختبئ قرية جوماليقيزيك كأنها صفحة تاريخية نسيها الزمن أن يطويها.
تمشي بين أزقتها الحجرية الضيقة فتشعر وكأن عقارب الساعة عادت بك سبعة قرون إلى الوراء، حين كانت هذه البقعة إحدى القرى الوقفية الخمس التي أسسها العثمانيون الأوائل لخدمة عاصمتهم الناشئة بورصة.

بيوت القرية شاهد حي على عمارة بلا زمن، إذ ان الطابق الأرضي من الحجر المرصوص يحمل فوقه هيكلًا خشبيًا مطليًا بألوان زاهية يتصدرها الأزرق الفاتح، بينما الواجهات الأخرى تُترك بيضاء أو صفراء ترابية اللون تتناغم مع محيطها الجبلي.
الطابق الأرضي غالبًا دكان صغير أو مطعم يفوح منه عبق الطهي التقليدي، بينما تعلوه غرفة "الحياة" التي تحفظ دفء العائلات المقيمة حتى اليوم.
ومن يتجول في أزقة جوماليقيزيك المرصوفة بالحصى غير المنتظم يلحظ كيف تحولت واجهات البيوت السفلية إلى معارض مفتوحة صغيرة، إذ ان ألواح خشبية معلق عليها الميداليات والمفاتيح النحاسية والمغناطيسات التذكارية، وطاولات خشبية تُعرض عليها الحلي والمصنوعات اليدوية، في مشهد تجاري بسيط لا يخلو من عفوية القرى الجبلية.

وعلى أسيجة الحدائق الخلفية، تتدلى مناديل وأوشحة قطنية ملونة مطرزة بالخرز وثمار صغيرة منسوجة يدويًا، معلقة على حبال الغسيل وسط أوراق العنب الخضراء، في لوحة تختصر مهارة نساء القرية في الحياكة والتطريز التقليدي الذي توارثنه أمًا عن جدة.
أما الهيكل الإنشائي للبيوت القديمة فيكشف عن سر صمودها لقرون، إذ ان العوارض الخشبية المتقاطعة تتشابك بحرفية عالية لتُملأ فراغاتها بالطين والقش، فوق قاعدة صخرية مرصوصة بعناية تحمي الجدران من رطوبة الأرض.
وبعض هذه البيوت، مع الأسف بات في حالة تهالك واضحة، إذ تتكشف عظامها الخشبية العارية تحت سماء بورصة الصافية، بينما تُرمَم أجزاء أخرى منها بمواد حديثة كالطوب الأسمنتي، في محاولة لموازنة صعبة بين الحفاظ على الأصالة ومقتضيات السكن الآمن.

وعند مدخل أحد هذه البيوت العتيقة، تستوقفك لافتة كتب عليها بثلاث لغات، وهي التركية والإنجليزية والعربية، أن هذا "المنزل العثماني من أقدم منازل القرية عمره 700 سنة"، وهي دعوة صريحة للزوار العرب لاكتشاف كنوز جوماليقيزيك التراثية، دليل على أن القرية باتت محطة مقصودة على خريطة السياحة العربية في تركيا لا فقط الأوروبية والتركية.
وفي فناء داخلي مسقوف بعرائش العنب وأعمدة خشبية عتيقة، تنبض الحياة اليومية في أحد بيوت الضيافة التقليدية، بين طاولات صغيرة مغطاة بمفارش حمراء مربعة الأنماط، وأكوام من الحطب المكدس بعناية استعدادًا لشتاء أولوداغ القارس، إلى جانب مربيات ومخللات منزلية الصنع معروضة في برطمانات زجاجية، في مشهد يختصر فلسفة "الفطور القروي" (كهفالتي) الذي تشتهر به القرية، حيث يجتمع الزوار حول موائد بسيطة يتقاسمون فيها خبز الصاج والعسل والدبس ومنتجات الألبان المحلية.

ولم تكن أصالة جوماليقيزيك لتُخفى عن صناع الدراما التاريخية التركية، إذ استُخدمت عدد من بيوتها وأزقتها العتيقة كمواقع تصوير لمشاهد تسرد الحقبة العثمانية المبكرة وما قبلها من عصور الإمارات التركمانية في الأناضول، حيث وجد المخرجون في جدرانها الحجرية وأسقفها الخشبية المتهالكة خلفية طبيعية صادقة لا تحتاج إلى ديكورات مصطنعة لإعادة بناء ملامح القرن الثالث عشر والرابع عشر الميلاديين، وهو ما رسخ مكانة القرية ليس فقط كموقع تراثي بل كذاكرة بصرية حية للدراما التاريخية التركية.
ومع نهاية الأزقة الضيقة، تنفتح ساحة القرية الرئيسية على مشهد مغاير قليلًا، حيث البيوت أكبر بثلاثة طوابق بألوان زرقاء وبيضاء ناصعة، أسقفها من القرميد الأحمر التقليدي، تحيط بميدان حجري واسع يعج بمحال بيع المثلجات والمرطبات والهدايا التذكارية، في مزيج متناغم بين الطابع السكني الأصيل والنشاط السياحي الذي بات جزءًا من اقتصاد القرية اليومي.

نالت جوماليقيزيك في سنة 2014 اعترافًا عالميًا حين أُدرجت ضمن قائمة اليونسكو للتراث العالمي، ضمن مجموعة مواقع تحكي قصة تأسيس الدولة العثمانية وعاصمتها الأولى بورصة.
ومنذ ذلك الحين، ظلت هذه القرية الصغيرة تحمل على عاتقها مسؤولية مضاعفة، وهي أن تبقى متحفًا حيًا مفتوحًا للزوار، وأن تظل في الوقت نفسه بيتًا حقيقيًا لأهلها الذين يوقدون الحطب في مواقدهم كل شتاء، وينسجون أوشحتهم كما فعل أجدادهم منذ سبعة قرون.
الكلمات الدالة
الاخبار المرتبطة
سفارة الهند تكرّم أول مصرية حاصلة على جائزة رئيس الوزراء الهندي لليوجا
انطلاق فعاليات المنتدى الأمريكي للابتكار والذكاء الاصطناعي
ترامب يفرض رسوما بنسبة 50% على كندا
وزير الطاقة الأمريكي: نعمل لضمان استمرار تدفق النفط عبر مضيق هرمز
ترامب يهدد إيران بعقاب «مضاعف» مقابل كل جندي أمريكي يُقتل
فرنسا تعلق رحلاتها الجوية إلى الرياض ودبي وتمدد تعليق رحلاتها إلى بيروت
الجيش الكويتي: تتصدى الدفاعات الجوية حاليا لهجمات صاروخية ومسيرات إيرانية
نتنياهو: مثيرو الشغب اليهود في الضفة الغربية "سرطان ينتشر"
ترامب: إيران ستدفع ثمن قتلها جنودا أمريكيين









