عبد الهادى عباس
يوميات الاخبار
«عصرنة» القرآن الكريم !
الثلاثاء، 21 يوليه 2026 - 08:13 م
تخدعك رقته ووداعته وهسيس نبرته، ثم عند المراجعة الدقيقة تنبهر من طول النفس وجودة الأداء والتعمق فى معنى الآيات؛ وكأنها قراءة «جبريلية» نزلت توًّا من أنوار السماء لتضيء ظلمات الأرض وتخترق أفئدة البشر.
روح النص
الثلاثاء:
أتابع بشغفٍ بعض الكتب المُترجمة عن القرآن الكريم، والتى تسعى للبحث عن مواطن إعجازه: اللغوى والبلاغى والنحوى والعلمى، وغيرها من الإعجازات المتجددة لهذا الكتاب الكريم الذى لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه؛ والحقيقة أن الثقافات الأوروبية والأمريكية تولى اهتمامًا بالغًا للدراسات القرآنية بحيث لا يخلو عام من إصدار كتاب حول القرآن؛ الغريب أن الدول العربية لا تهتم حتى بترجمة هذه الكتب، فضلًا عن مناقشتها ونقدها؛ وهى مأساة متجددة نرجو أن تنتهى بصحوة قريبة فى هذا المجال الدراسى الذى يهتم به كل مسلمى العالم.
لا شك أننا نحتاج إلى قراءات «عصرية» للقرآن الكريم، تركز على ما ينفعنا فى عصر الذكاء الاصطناعى وتسارع النمط الرقمى للحياة؛ خاصة أن الإنسان المعاصر تنوشه أنياب الحياة وتلطمه أمواجها فتسكنه الحيرة، باحثًا عن مرجعية أخلاقية وفكرية تمنحه التوازن وسط هذا التلاطم؛ ولهذا تبرز الحاجة الملحاح إلى قراءة جديدة لهذا الكتاب الخالد، تستعيد روح النص، وتتجاوز النظرة الجامدة التى تحصر القرآن فى رفوف التاريخ أو تقتصر على التبرك بكلماته، لتجعله منهج حياة يستوعب الأسئلة الراهنة ويجيب عنها.
لم ينزل النص القرآنى لزمن دون غيره أو لمكان دون آخر؛ وإنما جاء للإنس والجان فى كل زمان ومكان؛ ولا شك أنه يحمل أدوات بقائه، ولهذا جاء بخطاب إنسانى عام يمتلك قدرة فريدة على «المعاصرة».. وغنى عن التنبيه أننا لا نقصد «بالعصرنة» تحريف الأحكام الدينية الثابتة أو إخضاع النص المعجز لأهواء التجديد غير الانضباطى؛ بل تعنى إعادة اكتشاف المقاصد الكبرى؛ حيث العدل، والحرية، والكرامة الإنسانية، وحث العقل على التفكير والتدبر.
إننا نحتاج إلى محاولات فكرية وتحليلية تسعى لقراءة النص القرآنى بروح إنسانية وثقافية تتناسب مع متطلبات العصر الرقمى، دون الإخلال بقدسية النص أو مقاصده العليا؛ محاولات تسعى لتقديم رؤية توفيقية تتشابك فيها العلوم الإنسانية الحديثة مع المفاهيم الإسلامية، وتفكك، فى الوقت نفسه، القراءات المتطرفة التى تحصر النص القرآنى فى صراعات تاريخية قديمة أو تجعله وسيلة للصدام مع أدوات العصر الحديث.
ذكرى الشيخ البنا
الأحد:
القراء المصريون طعوم شتى نبتت من أرض واحدة، وكلها خير وبركة ومنفعة للناس، ولكل قارئ طريقته الخاصة فى الأداء الذى ينسرب إلى قلب المستمع وينسجم مع مزاجه؛ وهناك عشرات التلاوات القرآنية المبدعة التى تجلى فيها الشيخ محمود على البنا، الذى مرت ذكرى وفاته أول أمس: (20 يوليو 1985)، فلا تكاد الأذن تستسيغها من غيره، وكأنها بصمة صوتية له وحده: (ثانى اثنين إذ هما فى الغار إذ يقول لصاحبه لا تحزن)، (وتزوّدوا فإن خير الزاد التقوى)، (سورة النازعات)، وغيرها من التلاوات التى لا يُمكن حصرها هنا؛ أما مصحفه المرتل فإن له مزية خاصة به ومتابعين كثيرين يكادون ألا يستمعوا إلى ترتيل القرآن إلا من هذا الصوت السماوى الهادئ الذى يبعث السكينة فى النفس ويرتقى بها إلى معارج الجمال الإلهى؛ وكثيرًا ما كنتُ أشبّه الشيخ البنا بالكاتب يحيى حقى، تظن أن كتابته يسيرة يستطيع غيره أن يأتى بمثلها، وهو منال بعيد ووهم خادع، لا تخفى صعوبته على الخبراء فى هذا المجال؛ كذلك هو الشيخ البنا، تخدعك رقته ووداعته وهسيس نبرته، ثم عند المراجعة الدقيقة تنبهر من طول النفس وجودة الأداء والتعمق فى معنى الآيات؛ وكأنها قراءة «جبريلية» نزلت توًّا من أنوار السماء لتضيء ظلمات الأرض وتخترق أفئدة البشر.
لا أشك لحظة فى الاصطفاء الإلهى للقراء المصريين، وأثق أن لهم فتوحات ونفحات ربانية، وقد قرأت أنه أثناء زيارة الشيخ محمود على البنا إلى المدينة المنورة؛ حيث كان يتلو من سورة الأحزاب، وقد أخذ يُعيد مرات كثيرة الآية: «يا أيها النبى إنا أرسلناك شاهدًا ومبشرًا ونذيرًا وداعيًا إلى الله بإذنه وسراجًا منيرًا» بالقراءات، ثم انخرط فى بكاء شديد؛ فلما سأله الناس بعدما فرغ من التلاوة، قال لهم: «رأيت حضرة النبى، صلى الله عليه وآله وسلم، يُطرب لهذه الآية، فما تجاوزتها إلى غيرها حتى أمرنى بذلك».
اتصلتُ بالقارئ الكبير أحمد محمود على البنا، لأسأله عن هذا، فقال إن أباه قد قصَّ عليه بعض وقائع هذا الموقف، وأنه قد قرأ هذه الآية بالفعل بجميع القراءات المعروفة، وأنه كان متأثرًا جدًّا، خاصة مع انفعال الناس وإلحاحهم على إعادة هذه الآية وشدة طربهم لها، وتأثرهم بها؛ غير أنه أكد أن أباه لم يذكر له أن الرسول صلى الله عليه وسلم أمره بهذا أو لا، وربما يكون قد ذكرها لأحد أصدقائه المقربين.. وأخبرنى نجل الشيخ البنا أن لوالده علاقة وطيدة بمحبة سيدنا النبى؛ حيث كان دائم الصلاة والسلام عليه، وله أوراد يومية معروفة فى الصلاة عليه وعلى آله، وكذلك قبل القراءة فى المحافل وبعدها، وربما تكون هذه العلاقة الوطيدة بسيدنا النبى السبب فى إجماع الناس على تلاواته وقراءاته، واحتفاظهم بتسجيلاته النادرة وإذاعتها بصورة متكررة.
القراء المصريون أوتاد مصر، وقوتها الغالبة، ببركات السماء، ومقاييس الأرض؛ ولقد أحسنت وزارة الأوقاف حين أعادت اكتشاف مخبوءات هذه الأرض الطيبة ببرنامجها (دولة التلاوة)، فأضحت حياتنا كلها حديثًا فى القرآن وعن القرآن، دراسة واستماعًا، وترشيحًا لقارئ دون غيره، وفى ذلك فليتنافس المتنافسون، وأرضنا ولّادة وقادرة على التجديد والتحديث؛ ولهذا فإننى أتوقع أن الموسم الجديد من «دولة التلاوة» سيكون أكثر توهجًا وأضرى منافسة من الموسم الأول، رغم انبهارنا به.. القرآن حياة والموت الحقيقى فى هجره والابتعاد عنه.. لكل أمة بواعث نهضة ودوافع غلبة، والبحث عن كوامن قوتنا الغالبة ضرورة وجودية فى هذا التوقيت الذى تتصارع فيه الدول الكبرى على السيادة الدولية وتقزيم الهويات الوطنية.
حصة الموسيقى
الجمعة:
علاقةٌ وطيدة تجمع بين الأذن المصرية والأنغام الموسيقية منذ المصرى القديم، الذى جعل هذه الأنغام نوعًا من الطقوس العبادية، فرسمها على جدران المعابد، واستخدم أدوات أرضه الطيبة فى ابتكار آلات جديدة، وكأنه يُخاطب الملكوت الأعلى بهذه الأنغام الإيقاعية؛ ومن ثم أصبحت لديه أذن واعية يستطيع بها التفريق بين الأصوات النشاز وتلك التى تسكن الروح.
حتى فى العصر الحديث، أصبحت الموسيقى المصرية حالةً فريدةً بين الموسيقى العالمية، فحدث دمج بين الموسيقى الغربية والتراثية، وتم استقدام العديد من الآلات الجديدة، وتنويع النوتات الموسيقية لتلائم الذوق المصرى، الذى يستشعر الطرب بفطرته المتشبعة بالحضارة المتوضئة بجلال النيل الخالد.
هكذا تشكل الوعى الذوقى لدينا طوال تاريخنا السمعى، حتى أصبح التشكيل الموسيقى مبثوثًا فى الوجدان المصرى، يُطرب عندما يسمع: «أهواك»، و«أغدًا ألقاك»، و«إلا أنت»، ويتجاوز عن بعض الصخب فى الأغانى الحديثة، ونشأت أجيال كثيرة تؤمن بأن حجرة الموسيقى، بآلاتها القليلة، مصدر البهجة طوال اليوم الدراسى الشاق، تمامًا كما كانت المدائح النبوية تغسل هموم الفلاحين بالقرى، وتخفف عن أفئدتهم حرارة الجو وقسوة الحياة. وأتذكر أننى وأصدقائى فى المرحلة الابتدائية كنا نتنافس على شيئين: الانضمام إلى الشرطة المدرسية ذات الوجاهة، وعلى رأس مهامها ضبط طابور الصباح على إيقاع الطبلة، ثم الإذاعة اليومية. حتى إذا تقدمت الحياة اندثرت هذه المظاهر الانضباطية فى مدارسنا، وغابت حصة الموسيقى، وتاه الإيقاع من حياة أبنائنا فغابوا عن إدراك الإيقاع الكونى، وأصبحوا فريسة لهوابط الأغانى وسفاسف الكلمات، وظهر فريق يرى أن حفظ القرآن أولى من هذا «الفسق»، وكأن هناك تعارضًا بين الاثنين، ولا يزال هذا الفريق يشوش على برنامج «دولة التلاوة» بأن المقامات «حرام».. وكل عيشتنا حرام فى حرام!
غياب الآلات الموسيقية عن مدارسنا يُهدد الذائقة الجماعية للطلاب، ويؤثر على الوعى بتاريخنا الموسيقى العريق، ويجعل من آذان الطلاب نهبًا لكل ناعق زاعق وصوت شارد.
●«وَلَا تَسْتَوِى الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِى هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِى بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ» «فصلت 34 - 35».
الكلمات الدالة
الاخبار المرتبطة










فى باريس .. تتحول الذاكرة إلى عطر وضوء !
رد الجميل
فلسفة الماء
عن دموعك يا أبى!!
أجمل ما فى هذا الوطن
«عشان» إنتِ مصر
فى شهر الثورات ... دروس المصرى للعالم
تهافت النخبة وتآكلها
.. ولا يزال فى الحلم بقية