عمرو الخياط
نقطة فوق حرف ساخن
لم يعد خيارًا
الجمعة، 24 يوليه 2026 - 07:48 م
لم تعد منصات التواصل الاجتماعى مجرد وسيلة للتواصل بين البشر، أو نافذة لتبادل المعرفة والخبرات، بل تحولت فى كثير من الأحيان إلى ساحة مفتوحة للشائعات، ومسرح لنشر الأخبار الكاذبة، ومنبر لتصفية الحسابات الشخصية، حتى أصبح كثير من الناس ضحية لحملات تشويه لا تستند إلى دليل، ولا يحكمها ضمير، ولا يردعها قانون.
لقد منحت التكنولوجيا الجميع حق التعبير، وهو حق أصيل لا خلاف عليه، لكن المشكلة بدأت عندما اختلطت حرية الرأى بحرية الإساءة، وتحولت بعض الحسابات إلى منصات للاتهام دون بينة، وإطلاق الشائعات دون تحقق، وتداول الأكاذيب باعتبارها حقائق، فى مشهد يهدد الأفراد والمؤسسات، ويهز ثقة المجتمع فى كل ما يقرأ أو يسمع.
والأخطر أن سرعة انتشار المحتوى عبر هذه المنصات جعلت الشائعة تسبق الحقيقة، والكذبة تصل إلى ملايين الأشخاص فى دقائق معدودة، بينما يحتاج تصحيحها إلى أيام وربما لا يحقق الانتشار نفسه. وهكذا أصبحت السمعة، التى قد يبنيها الإنسان طوال عمره، عرضة للتدمير بضغطة زر أو منشور مجهول المصدر.
ولم تعد منصات التواصل لدى البعض وسيلة للحوار، وإنما تحولت إلى ساحات للانتقام الشخصى، وتصفية الخلافات، والابتزاز المعنوى، والتشهير، والتنمر الإلكترونى، وهى ممارسات تترك آثارًا نفسية واجتماعية عميقة، وقد تمتد لتدمر حياة أشخاص أبرياء أو تؤثر فى أسر كاملة.
كما أن انتشار الحسابات الوهمية واللجان الإلكترونية ضاعف من حجم الأزمة، إذ أصبحت بعض الحملات تُدار بصورة منظمة بهدف تشويه شخصيات عامة، أو الإساءة إلى مؤسسات، أو إثارة البلبلة داخل المجتمع، مستغلة سرعة تداول المحتوى وصعوبة التحقق من مصادره.
ولا يعنى ذلك الدعوة إلى تقييد حرية التعبير، فالمجتمعات المتحضرة تقوم على احترام الرأى والرأى الآخر، لكن الحرية لا يمكن أن تكون غطاءً للكذب أو التشهير أو انتهاك خصوصية الآخرين. فالحرية الحقيقية ترتبط دائمًا بالمسئولية، وحقوق الإنسان تنتهى عندما تبدأ حقوق الآخرين.
ومن هنا تبرز الحاجة إلى تشريعات حديثة تواكب التطور الرقمى، وتضع إطارًا قانونيًا واضحًا للاستخدام المسئول لمنصات التواصل الاجتماعى، بحيث تجرّم نشر الأخبار الكاذبة عمدًا، والتشهير، وانتحال الشخصيات، والتحريض، مع توفير آليات سريعة لإنصاف المتضررين وإزالة المحتوى المخالف، دون المساس بحرية النقد البنّاء أو إبداء الرأى.
لكن التشريع وحده لا يكفى، فالمعركة الحقيقية تبدأ من الوعى. فالمواطن الواعى لا يشارك خبرًا قبل التأكد من صحته، ولا يساهم فى نشر شائعة، ولا يسمح بأن يكون أداة فى حملة تشويه ضد شخص أو مؤسسة. كما أن المؤسسات الإعلامية المهنية مطالبة بأن تستعيد دورها فى تقديم المعلومة الدقيقة، ومواجهة سيل الأخبار المضللة بالمصداقية والسرعة والاحتراف.
إن الفضاء الرقمى أصبح جزءًا من الأمن المجتمعى، وحمايته مسئولية مشتركة بين الدولة، والمؤسسات، والمجتمع، والأفراد. فكما توجد قوانين تنظم الحياة فى الشارع، يجب أن توجد قواعد وتشريعات واضحة تنظم السلوك فى العالم الرقمى، حتى تظل التكنولوجيا وسيلة للبناء والمعرفة، لا أداة للهدم والانتقام.
لقد آن الأوان لأن ندرك أن الكلمة الإلكترونية ليست أقل أثرًا من الكلمة المكتوبة أو المنطوقة، وأن ضغطة زر قد تبنى إنسانًا، وقد تهدم مستقبله. وبين الحرية والفوضى يقف القانون، حارسًا للحقوق، وحاميًا للمجتمع، وضامنًا لأن تبقى وسائل التواصل الاجتماعى مساحة للحوار والإبداع، لا منصة للشائعات والاغتيال المعنوى.
لقد أصبحت السوشيال ميديا جزءًا من حياتنا اليومية، ولا يمكن الاستغناء عنها، لكن من حق المجتمع أيضًا أن يحتمى من فوضاها. فحرية بلا مسئولية تتحول إلى فوضى، والتكنولوجيا بلا ضوابط قد تصبح أداة للهدم بدلًا من البناء. ومن هنا، فإن إصدار تشريعات عصرية تنظم هذا الفضاء، وتحاسب المسىء، وتحمى الأبرياء، لم يعد خيارًا، بل ضرورة تفرضها مصلحة المجتمع، وصون الحقوق، وحماية الحقيقة.
الكلمات الدالة
الاخبار المرتبطة
مجدى حجازى يكتب: ﴿أَشْكُو بَثِّى وَحُزْنِى إِلَى اللَّهِ﴾
محمود بسيونى يكتب: بين ٢٣ يوليو و٣٠ يونيو دولة تتطور.. وانحيازها لا يتغير
حين يصبح الموت بطلًا!
راندا المنشاوى تصالح العوانس
مؤسسة مهرجان المسرح المصرى
المونديال والزمالك .. والشفافية المفقودة
رهانات عبد الناصر والسادات
الكل يريد التفاوض والتصعيد مستمر
محمد بركات يكتب: ثورة يوليو ١٩٥٢ «٢»









