الكاتب الصحفي أحمد يحيى
الكاتب الصحفي أحمد يحيى


أحمد يحيى يكتب: حين يصبح الرسول خصمًا.. وتُغتال الرسالة

بوابة أخبار اليوم

الثلاثاء، 28 يوليه 2026 - 05:00 م

ليس أخطر على الأوطان من أن تتحول الحقائق إلى خصومات، وأن يصبح كاشف الخلل هو المتهم، بينما يقف الخلل نفسه في مأمن من المساءلة؛ فحين ينشغل الناس بمن حمل الرسالة أكثر من انشغالهم بالرسالة ذاتها، تتبدل الموازين، ويختلط الحق بالهوى، ويصبح الباطل قادرًا على الاحتماء بالضجيج لا بالحجة، وصدق الله العظيم إذ قال: ﴿وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْئُولُونَ﴾، فالمساءلة في شرع الله لا تعرف حصانةً لمهنة، ولا امتيازًا لمنصب، ولا استثناءً لنقابة.

من هذا الباب، عادت نقابة الأطباء إلى واجهة المشهد، ولكن ليس دفاعًا عن مريض أنهكه الإهمال، ولا مراجعةً لأوجه القصور التي انكشفت أمام الرأي العام، وإنما في معركة بدا فيها أن الخصومة انصبت على من كشف الجرح، لا على الجرح نفسه، فقد حملت الزيارة المفاجئة التي أجراها محافظ قنا إلى أحد مستشفيات المحافظة مشاهد لا تحتاج إلى تعليق بقدر ما تحتاج إلى ضمير؛ مرضى يفترشون الأرض في انتظار العلاج، وفوضى تضرب أروقة المستشفى، ونظافة غائبة، وتنظيم يكاد يكون معدومًا، مشهد لا يليق بمؤسسة أُنشئت لتداوي الألم، فإذا بها تضيف إلى المريض ألمًا آخر، ولا يملك من يراه إلا أن يستحضر قول الحق سبحانه: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾.

ولم يكن حديث المحافظ، كما ظهر في المقاطع المتداولة، خطابًا مُعدًا أو كلمات صيغت بعناية أمام عدسات الكاميرات، بل بدا حديثًا خرج من ضمير مسؤول رأى بعينيه ما لا يجوز أن يراه مسؤول في مرفق يخدم حياة الناس، كلمات عفوية حملت غضبًا على واقع، أكثر مما حملت إساءة إلى أشخاص غير أن ما أعقب الزيارة كان أكثر إثارة للدهشة من الزيارة نفسها، إذ انصرف جزء كبير من الخطاب النقابي إلى انتقاد أسلوب المحافظ، وتعددت البيانات والشكاوى، وتصاعد التراشق عبر منصات التواصل الاجتماعي، حتى غابت القضية الأصلية وسط ضجيجٍ انشغل بالطريقة، وترك أصل الحكاية، وكأن القضية لم تعد مرضى يفترشون الأرض، ولا إهمالًا يهدد كرامة الإنسان، وإنما مسؤول رفع صوته غضبًا على ما رأى.

ولم يتوقف الأمر عند ذلك، بل امتد "بحسب ما تم تداوله" إلى تنظيم فعالية لدعم مدير المستشفى الذي تعرض للتعنيف، في مشهد أثار تساؤلات واسعة حول أولويات النقابة: هل الأولى أن تُخصص الجهود للدفاع عن الأشخاص، أم لإصلاح ما كشفت عنه الوقائع من أوجه قصور؟

والمفارقة التي تستحق التأمل أن المحافظ نفسه كان قبل أشهر قليلة محل إشادة واسعة من الأطباء ورواد مواقع التواصل الاجتماعي، عندما دافع عن الأطباء في مقطع مصور، وشرح للمواطنين حجم الضغوط التي يتحملها الطبيب المصري، مطالبًا بتقديرهم وعدم تحميلهم ما يفوق طاقتهم، يومها تغنت المنصات بحكمته، وانهالت عبارات الثناء، وكتب كثيرون: "هاتوا ناس فاهمة كده في المناصب" أما اليوم، فقد أصبح الرجل ذاته هدفًا للهجوم، لا لأنه غير موقفه من الأطباء، بل لأنه وقف أمام ما اعتبره تقصيرًا يستوجب المواجهة.

وهنا يفرض السؤال نفسه: هل أصبح كشف التقصير جريمة؟ وهل تحولت محاسبة المقصر إلى انتقاص من قدر المهنة؟ إن الدفاع عن الطبيب المخلص واجب لا خلاف عليه، فهو صاحب رسالة سامية، لكن الدفاع عن الخطأ ليس دفاعًا عن المهنة، بل إساءة إليها، لأن المهن العظيمة لا ترتقي إلا بالمحاسبة، ولا تصان إلا بالنقد الصادق.

أما بيان النقابة فقد اختزل أزمة المنظومة الصحية داخل المستشفى في نقص المستلزمات الطبية فحسب، رغم أن الوزارة ووزيرها أقرا بهذه القصور صراحة، لكن تجاهل عمدًا أو سهوًا أوجهًا أخرى أكثر عمقًا وتأثيرًا في معاناة المرضى، تبدأ بغياب عدد من الأطباء وعدم انتظام بعض العاملين في أداء واجباتهم والالتزام بمواعيد الحضور والانصراف، ولا تنتهي عند مشاهد الانتظار الطويل التي يتحملها المرضى يوميًا للحصول على حقهم في العلاج. كما مرّ البيان مرورًا عابرًا على مظاهر تراجع النظافة والانضباط الإداري، متجاهلًا أوجه القصور، في دلالة واضحة على أن الأزمة لم تكن مجرد نقص في الإمكانات، بل امتدت إلى خلل إداري وتشغيلي ألقى بظلاله على جودة الخدمة الصحية وثقة المواطنين فيها.

وتزداد علامات الاستفهام حين يُشار إلى أن مدير المستشفى يشغل في الوقت نفسه منصب نقيب أطباء قنا، فضلًا عن استمراره في إدارة المستشفى منذ أكثر من عشرة سنوات، كما أن المشهد يختلف عن وقائع مشابهة شهدتها محافظات أخرى، من بينها ما أثير قبل نحو عام في أحد مستشفيات أسيوط، حين تعرض مدير المستشفى لانتقادات حادة من المحافظ آنذاك بسبب ما وُصف بإهمال داخل المستشفى وتقصير وظيفي، دون أن يُسجل للنقابة الموقف ذاته الذي نشهده اليوم، وهو ما يفتح باب التساؤل حول ثبات المعايير واتساق المواق.

وفي واقعة قنا، انصبت الأضواء على طريقة المحافظ، بينما تراجعت إلى الخلفية وقائع أُثيرت بشأن تأخر مدير المستشفى عن الحضور، وما أُعلن عن توافر المستلزمات الطبية داخل المستشفى، في مقابل شكاوى مرضى من اضطرارهم إلى شراء احتياجاتهم العلاجية من خارجها، وهكذا أصبح النقاش يدور حول أسلوب المواجهة، لا حول أسبابها، وكأن الرسالة أُهملت، وانشغل الجميع بالرسول، 

ولا ينكر منصف فضل الطبيب المصري، الذي سطر صفحات مضيئة من التضحية، لا سيما خلال جائحة كورونا، حين قدم كثير من الأطباء أرواحهم قبل جهودهم دفاعًا عن المرضى، تلك البطولات محفوظة في ذاكرة الوطن، لكنها لا تمنح أحدًا حصانة من النقد، كما أن تقصير أفراد لا يجوز أن يكون ذريعة للنيل من شرف مهنة بأكملها.

إن الاعتراف بالخلل ليس انتقاصًا من المهنة، بل حماية لها، فالمؤسسات لا تُبنى على المجاملات، وإنما على المراجعة والمحاسبة، ولا تنهض الأمم بتقديس الأشخاص، وإنما بتعظيم قيمة الحق، ومن البر أن نُكرم الطبيب الشريف، ومن البر أيضًا أن نواجه المقصر بالحقيقة، لأن المريض الذي يفترش الأرض لا ينتظر بيانًا نقابيًا، ولا سجالًا إعلاميًا، بل ينتظر سريرًا يحفظ كرامته، وطبيبًا يؤدي رسالته، ومسؤولًا يصون الأمانة.

 

 
 
 
 
 
 

الكلمات الدالة

 
 
 
 
 

مشاركة