محمد عاطف الجندي
محمد عاطف الجندي


«شجرة الجميز» قصة قصيرة للكاتب محمد عاطف الجندي

صفوت ناصف

الجمعة، 30 أغسطس 2024 - 04:06 م

رحتُ أودعها الوداع الأخير وأحتضنها وأقول لها سامحيني فلم يعد مسموحًا لي بالبقاء إلى جوارِك أكثر من ذلك، حان وقت الرحيل، حقيقةً لقد سعيت لذلك بحثًا عن حياة أفضل، لقد كنت أنانيًا بعض الشيء ولكن هذا ما حدث.

ربما هي ليست صاحبتي فقط وإن أردت الدقة فهي حبيبتي، ولكنها أيضًا كاتمة أسراري التي دومًا ما كنت أبوح لها بكل ما يختلج في صدري وما يمور في وجداني، هذا الباسقة المهيبة التي تتحدى الفراغ وتعلن دائما أنها الأعظم والأقوى التي تأوي إليها الطيور من كل حدب وصوب فتطعمهم وتأويهم بقلب أمٍّ رؤومٍ يستمتع بالتضحية لأبنائها بل أيضا لزوارها الطامعين في خيراتها المختلفة.

نعم هذه الشجرة الأم التي أكلت من ثمارها وجلست فوق فروعها أستنشق الهواء النقي، نعم هي شجرة الجميز الكبيرة التي كنت أحسن أنها تغار من تركها والصعود على شجرة التوت المجاورة، أو على نخلةٍ في الجوار وتهتف بي لن يحبك أحد أكثر مني مهما كان طعم ثماره ألذ، ولكني أحبك أكثر، وأحتويك وأحفظ كل أسرارك.

هل نسيت أيها الشاب الجميل كم مرة أتيت وغنيت وبحت لي بحبك الأول لابنة الجيران والتي كنت تبكي هذا الوله أحيانًا بحرقة عاشق مجروح؟!

هل نسيت عندما آتيتني مستريبا وجلست فوق فرعي الكبير وأخرجت سيجارة من جيبك وعلبة ثقاب ورحت تجرب أول سيجارة لك بعيدًا عن أي إنسان قد يراك وأحسست بعدها بزهو كبير، وأنك قد أصبحت رجلا؟!

هل نسيت يوم أتيت وتسلقتني وما إن جلست على أحد فروعي حتى أخرجت من ملابسك كيسًا به بعض صفحات من مجلة الشبكة، والتي كانت تحتوي على صور الفاتنات بملابس البكيني المميزة والتي لا تستر شيئًا من أجسادهن، ورحت تسرح في جمالهن الأخاذ وقوامهن الممشوق، وربما يتطور الأمر لأبعد من ذلك في بعض الأحيان؟!

اقرأ أيضًا|  «ثقب في القلب» قصة قصيرة للكاتبة وفاء عبدالحفيظ

هل نسيت أنك استأمنتي على هذا السر، لا بل وأخفيت كيسك المحبب لديك كأمانة عندي فوق أحد فروعي مربوطا لتعود إليه يومًا بعد يومٍ لتتصفحَ هذه الصور ولم أفتن عليك، ومازلت أحتفظ بسرك!.

لماذا تهجرني ولو لدقائق وتذهب لشجرة أخرى أنا التي شاهدتك، وأنت تحتض ابنة الجيران وتجرب القبلة لأول مرة كما سمعتك تقول لها في مساء يومٍ مقمرٍ من شهور الصيف.. أحبك..؟!.

نعم يا شجرتي الغالية كل هذا قد حدث بالفعل، ولكن هناك الأسوأ من مجرد تركك لدقائق والذهاب لحضن شجرة أخرى لأنني سأهجرك للأسف إلى المدينة بحثًا عن فرصة عمل أفضل فربما أكون في يوم من الأيام رجلا مشهورًا، فأنا أمتلك من الطموح الكثير، ولا ينقصني سوى فرصةٍ واحدة أثبت من خلالها تفوقي ونبوغي.

أحسست بضربة على رأسي فاستوضحت الأمر فإذا هي ثمرة الجمير النيئة تسقط على رأسي وكأنها تضربني على كلامي هذا وكأنها تتهمني بالخيانة فأكملت ملطفا الأمر.. للأسف سأهجرك غصبًا عني فالأسرة كلها ستنتقل وتقطنفي المدينة، وأنا فرد منها ولا يجوز تركها، فهل لو كنتِ مكاني كنت ستتركين أسرتك وتبقين مكانك؟! لا أظن ذلك، وربما مالكك الجديد سيكون أكثر شغفًا بك مني وربما تتعلقين به وتنسيني في زحمة الحياة .. الوداع أيتها الحبيبة!.

وكأن دمعة فرَّت من عيونها وأنا أحتضنها وأودعها الوداع الأخير.

عدت لزيارتها في العام التالي فلم أجدها ووجدت جذورها فقط  وأحسست بأن الكون قد ضاق بي واسودت الدنيا وكأن جبلا من الحزن يجثم فوق صدري، ووجدت دموعي تنهمر فجأة تبكيها وتبكي ذكرياتي معها وزمنًا قد تولى إلى غير رجعة !

 
 
 
 
 
 
 

الكلمات الدالة

 
 
 
 
 

مشاركة