المهندس المعماري علي لبيب جبر
«علي لبيب جبر».. رائد العمارة المصرية الحديثة ومهندس الهوية الوطنية
الإثنين، 07 أبريل 2025 - 09:12 م
في قلب الحراك الثقافي والنهضوي الذي شهدته مصر في النصف الأول من القرن العشرين، برزت أسماء كبيرة صنعت ملامح مصر الحديثة، وكان من بين هؤلاء الرواد المهندس المعماري علي لبيب جبر، الذي لم يكن مجرد مصمم مبانٍ، بل كان حاملًا لرؤية وطنية ومعمارية تسعى إلى التوفيق بين الأصالة والحداثة.
من حي الحلمية إلى جامعة ليفربول، ومن مقاعد التدريس إلى مواقع الإنشاء، ترك جبر بصمة واضحة في المشهد المعماري المصري، جسد من خلالها الطموح المصري لبناء هوية مستقلة في مرحلة ما بعد الاحتلال، وتأكيد الحضور الوطني في مختلف مجالات الحياة، بدءًا من الجامعة وانتهاءً بڤيلا أم كلثوم.
في هذا التقرير، نسلط الضوء على حياته، وتعليمه، ومشواره المهني الطويل، وأهم إنجازاته المعمارية التي ما زالت شاهدة على عبقريته وإبداعه.
◄ النشأة والبدايات
وُلد المهندس علي لبيب جبر عام 1898م في حي الحلمية الجديدة بالقاهرة، على مقربة من قلعة صلاح الدين، في بيئة تاريخية ضاربة بجذورها في أعماق الهوية المصرية. تلقى تعليمه في المدرسة الخديوية، ثم التحق بمدرسة المهندس خانة (كلية الهندسة الآن)، وتخرج فيها عام 1920م، وهو في بداية عقده الثالث.

مع انطلاقة الحراك الوطني الليبرالي في مصر في مطلع القرن العشرين، سعت الدولة إلى إعداد جيل جديد من الكوادر العلمية الوطنية. فكان علي لبيب جبر ضمن المبعوثين إلى أوروبا، حيث التحق بمدرسة العمارة بجامعة ليفربول العريقة في إنجلترا، وحصل منها على دبلوم العمارة عام 1924م.
ولم تكن دراسته هناك اعتيادية، بل كان مشروع تخرجه تصميمًا طموحًا لـ "مسرح أوبرا كبير في القاهرة"، ما يعكس وعيه المبكر بأهمية المؤسسات الثقافية في بناء الحضارة.
◄ العودة إلى الوطن والانخراط في التعليم
ما إن عاد إلى مصر حتى بدأ رحلته الأكاديمية، فعُين معيدًا ومدرسًا لمادة التصميم المعماري في مدرسة الهندسة الملكية عام 1924م. ثم واصل التقدم الأكاديمي إلى أن أصبح مدرسًا بقسم العمارة في الجامعة المصرية عام 1934م، وتُوج مساره التعليمي برئاسته لقسم العمارة بجامعة فؤاد الأول (جامعة القاهرة حاليًا) بين عامي 1946م و1955م، ليصبح أول مصري يتولى هذا المنصب الرفيع.

لم يكتفِ جبر بالدور الأكاديمي، بل أسس مكتبه الخاص في وقت مبكر من حياته، ما بين عامي 1924 و1925م، وهو لم يتجاوز السادسة والعشرين من عمره. ومن خلال هذا المكتب، خاض تجربة مهنية ثرية امتدت لما يقرب من أربعين عامًا، حيث شاركه فيها مجموعة من أبرز المعماريين المصريين مثل: أحمد شرمي، حسن شافعي، ومصطفى شافعي.
◄ فلسفته المعمارية
اتسمت أعمال علي لبيب جبر بدمج عبق الماضي مع روح العصر. فكان يوازن بين الطابع الكلاسيكي الأوروبي الذي تعلمه في ليفربول، والملامح المحلية والشرقية التي تمثل البيئة المصرية. كانت رؤيته تقوم على احترام التراث دون الانغلاق فيه، وتقدير الحداثة دون الذوبان في أنماط مستوردة. لذا جاءت مبانيه متزنة، وظيفية، ذات حضور بصري أنيق، وعلاقات متوازنة بين الكتلة والفراغ، والظل والنور.
اقرأ أيضا| «ساكنة بك».. أول وآخر سيدة مصرية تحصل على «البكوية»
1- فندق كتراكت الجديد – أسوان
من أبرز أعماله في صعيد مصر، حيث صمم الجزء الجديد من فندق كتراكت الشهير، الذي استضاف كبار الزوار من ملوك ورؤساء وكتاب. جاء تصميمه ليكمل الطراز الكلاسيكي للفندق القديم، لكنه حمل لمسات حداثية راقية، تتماشى مع البيئة النيلية والصحرواية المحيطة.
اقرأ أيضا| صور نادرة لـ«أم كلثوم» مع الصغير «الشقي».. في فيلتها بالزمالك
2- مستشفى الدكتور علي إبراهيم – الدقي
من أوائل المستشفيات الحديثة في مصر، اتسم تصميمه بالوظيفية والاهتمام بتوزيع الفراغات بما يتناسب مع طبيعة الخدمات الطبية. اعتمد في تصميمه على الإضاءة الطبيعية، والتهوية، والعزل الصوتي، وهو ما كان سابقًا لعصره في معايير العمارة الصحية.
3- ڤيلا أم كلثوم – الزمالك
ربما تكون هذه الفيلا من أكثر المباني التي ارتبطت بالذاكرة الشعبية، إذ كانت مقر إقامة كوكب الشرق أم كلثوم. عكس تصميمها البذخ الهادئ الذي يناسب سيدة شرقية ذات طابع كلاسيكي، مع إدماج حديقة خاصة، وشرفات واسعة تطل على نهر النيل. الجمع بين الرقي والبساطة هو ما ميّز هذا العمل الخالد.

4- مدافن الإمام الشافعي
رغم قلة المعلومات المتاحة عن دوره التفصيلي في مدافن الإمام الشافعي، إلا أن إدراجه في قائمة إنجازاته يؤكد مدى ارتباطه بالمشاريع ذات الطابع الديني والروحي، ما يبرز فهمه العميق لعمارة الموت وارتباطها بالقدسية والوقار.
استمر جبر في العطاء الأكاديمي حتى بعد استقالته الرسمية، حيث بقي أستاذًا غير متفرغ حتى عام 1961م. وترك أثرًا عميقًا في الأجيال التي تتلمذت على يديه، سواء من خلال دروسه أو مشاركاته في لجان التحكيم والتصميم.
◄ الرحيل والإرث الباقي
توفي علي لبيب جبر عام 1966م، تاركًا خلفه إرثًا معماريًا غنيًا، يمتد من التعليم إلى التصميم، ومن المباني العامة إلى الخاصة. وهو اليوم يُعد من أعلام العمارة في مصر، ومن مؤسسي الهوية المعمارية الوطنية الحديثة.

لم يكن المهندس علي لبيب جبر مجرد معماري بارع، بل كان صاحب مشروع ثقافي متكامل، يسعى إلى تأسيس عمارة مصرية عصرية تمتد بجذورها إلى الأصالة وتتطلع بفروعها نحو المستقبل. وبين جدران المباني التي صممها، وصفوف الطلبة الذين علّمهم، تتجلى روح هذا الرجل الذي آمن بأن الهندسة ليست مجرد مهنة، بل رسالة تصوغ ملامح الحياة.
الكلمات الدالة
الاخبار المرتبطة
القمة المصرية الكونغولية.. شراكة استراتيجية تعزز الأمن والتنمية في إفريقيا
«عفريت الأسفلت».. هل تنجح خطة إنهاء إزمة «الكوبري المقلوب» في طنطا؟
بودكاست 20+ | مونديال أمريكا.. طارق فهمي يكشف رسائل الحكومات المشفرة
فنارات إسكندرية.. أعين ساهرة تضيء عتمة البحر| صور
خزعبلات كثيرة روجها البعض في الفضاء الإلكتروني بغير علم حول التغذية العلاجية يتحتم التصدي لها
أطباء السوشيال ميديا.. «شبكة مزيفين» تتاجر بصحة المصريين
اللوحات الجنائزية.. سجلات حجرية خلدت أصحابها عبر آلاف السنين
الأكاديمية العسكرية المصرية.. ركيزة بناء الإنسان وصون الهوية الوطنية
بعد تحقيقات النيابة.. خبير قانوني يكشف العقوبة المنتظرة لـ «صبري نخنوخ»









