د. أمل السيسى
د. أمل السيسى


طبيبة القلوب الصغيرة ..أمل وهبت «الأمل» لأطفال القرى البعيدة

سحر شيبة

الأحد، 22 فبراير 2026 - 10:24 م

قلوب تبنى وأيادٍ تمنح.. سير لنماذج ملهمة لصناع الأمل، حين تصفو القلوب تتجدد حكايات الخير، بعيدا عن الأضواء وضجيج الشعارات، حيث لا يُقاس العطاء بحجمه، بل بصدقه، ولا تُروى القصص بحثا عن مجد، بل لتذكير الناس بأن الخير ممكن كل يوم، وأن التضامن ليس موسميا، بل سلوك حياة، وأن العطاء الصامت يصنع أثرا يبقى طويلا فى قلوب وعقول الناس.



اقرأ أيضًا | أستاذ طب الأطفال: فيروس الورم الحليمي مسؤول عن 95% من حالات المرض


لم تتعلم الطب لتقف خلف مكتبٍ أنيق، ولا لتُحصى عدد المرضى فى دفاتر العيادات، ولم تر فيه يومًا مهنة تمارس داخل حدود ضيقة، كانت تؤمن منذ اللحظة الأولى بأن الألم لا يعرف العناوين، وأن المرض لا ينتظر من يملك المال فقط.

وفى عيون الأمهات البسيطات كانت ترى سؤالا أكبر من أى تشخيص، سؤالا يتعلق بنجاة طفلها من الموت، وحصوله على فرصة جديدة للحياة، أما فى عيون الفتيات الصغيرات فكانت تقرأ خوفا لا يقال، ووجعا لا يحكى، لأن أحدا لم يخبرهن يوما أن هناك مرضا صامتا قد يسرق الحياة فى هدوء.

الدكتورة أمل السيسى أستاذة طب الأطفال بجامعة القاهرة، التى لم تقف عند حدود العلم، ولم تقيد عند جدران المستشفيات، بل خرجت بالطب إلى معناه الأوسع، وحملته كرسالة إنسانية قبل أن يكون علما، وواجب أخلاقي قبل أن يكون مهنة، سافرت بعلمها لتصل به إلى القرى البعيدة والنجوع الأكثر احتياجا، مؤمنة أن من حق البسطاء أن تصل إليهم الرعاية الصحية كما تصل إلى غيرهم، بلا انتظار ولا تمييز، وأن القلوب الصغيرة لا تحتمل الانتظار طويلا.

فى حديثها لـ«الأخبار»، تستعيد الدكتورة أمل السيسى البدايات الأولى لرحلتها مع الطب، حيث لم تر فى المهنة علما يتقن فحسب، بل مسئولية إنسانية تتجاوز حدود التشخيص، وقالت: «منذ خطواتى الأولى فى دراسة الطب، أدركت أن المعرفة وحدها لا تكفي، وأن الطبيب الذى يكتفى بالتشخيص قد ينجح علميا، لكنه يخفق إنسانيا، كنت أرى أن الألم لا يقاس بالتحاليل وحدها، بل بما يتركه فى القلوب، وبما يصنعه من خوف صامت داخل البيوت البسيطة».

وتابعت الدكتورة أمل السيسى حديثها قائلة: «أكثر ما كان يوجعنى حقا هو مشهد الأطفال المصابين بأمراض القلب الخلقية، طفل لم يبدأ حياته بعد، يحمل فى صدره قلبا متعبا، وأم تعرف أن العلاج موجود، لكنها عاجزة عن الوصول إليه، كنت أرى العجز فى أعينهم، وأشعر بأن الصمت فى هذه اللحظة خيانة للرسالة التى أحملها».

من هذه القناعة، ولدت مبادرة Heart2Heart، لا بوصفها فكرة طارئة، بل حصيلة سنوات من الاحتكاك المباشر بالمرضى، وإيمان راسخ بأن التقدم الطبى يفقد معناه إن لم يصل إلى من هم فى أمس الحاجة إليه، ومثلت القسطرة غير الجراحية فرصة حقيقية لإنقاذ الأطفال، من دون تعريضهم لمخاطر الجراحة، ومن دون أن تتحول كلفة العلاج إلى عبء قاس يرهق الأسر.

وبالتعاون مع نادى روتارى التحرير، خرجت الفكرة من إطار المبادرة الفردية، لتتحول إلى مشروع إنسانى متكامل، يستهدف إنقاذ القلوب الصغيرة قبل أن يرهقها الانتظار.

أضافت دكتورة أمل السيسي: «نجحنا فى علاج 120 طفلًا مصابًا بأمراض القلب الخلقية، وكل حالة كانت حكاية لها تفاصيلها الخاصة من وجع وفرحة، وكل قلب كان أمانة لم نكن نعالج مرضا فحسب، بل نعيد الطمأنينة إلى بيوت أنهكها القلق والعجز والفقر».

وأوضحت أن التجربة لم تتوقف عند حدود العلاج، إذ كان ضمان الاستمرارية هاجسا أساسيا منذ البداية، ما جعل تدريب الكوادر الطبية أحد أعمدة المبادرة، قائلة «قمنا بتدريب 20 طبيبا، و50 ممرضا وفنيا، ليواصلوا حمل الخبرة من بعدنا، ويظل الأثر ممتدا حتى فى غياب القوافل».

هذا التراكم الإنساني، المبنى على العمل الميدانى والتطوع الخالص، لم يمر مرور الكرام، إذ لفت أنظار الروتارى الدولي، وعن اختيارها ضمن مبادرة Rotary People of Action، ضمن 6 شخصيات على مستوى العالم، قالت إن شعورها بالامتنان لم يكن موجها للتكريم بقدر ما كان موجها لوصول أصوات أطفال مصر إلى العالم، وخروج معاناة القرى والنجوع من دائرة الصمت.

وأكدت أن التكريم الحقيقى أن ترى طفلا كان على حافة الخطر يعود للحياة، وأن تسمع أما تطمئن أخيرا لأن قلب ابنها لم يعد وجعا مفتوحا.

وإلى جانب أمراض القلب، واجهت الدكتورة أمل خطرا آخر لا يقل قسوة، لكنه أكثر صمتا، هو سرطان عنق الرحم، حيث تشير إلى أن كثيرا من السيدات كن يصلن فى مراحل متأخرة من المرض، لا لغياب العلاج، بل لغياب الوعي، بعدما اجتمع الخوف والجهل والصمت المجتمعى كعوامل ضاغطة فاقمت الأزمة.

ومن هذا الإدراك، أطلقت حملات التطعيم ضد فيروس HPV، بالتوازى مع برامج الفحص المبكر للسيدات، خاصة فى المناطق الأقل حظا، انطلاقا من قناعة راسخة بأن الوقاية ليست رفاهية، وأن الحق فى المعرفة لا يقل أهمية عن الحق فى العلاج.

ولفتت إلى أن عشرات الفتيات تلقين اللقاح، فيما خضعت آلاف السيدات للفحص، وكان اكتشاف أى حالة فى مراحلها الأولى انتصارًا حقيقيًا على المرض قبل أن يتمكن.

 
 
 
 
 
 
 
 

الكلمات الدالة

 
 
 
 
 

مشاركة