د.أسامه السعيد
خارج النص
«نهر» السياسة المصرية.. و«حرائق» الإقليم
الأربعاء، 15 أبريل 2026 - 09:21 م
تبرز مصر ليس كطرف مشارك ورئيس فحسب فى أية ترتيبات حالية أو مستقبلية بشأن الإقليم، بل كحجر زاوية لا يمكن بدونه بناء أى هيكل أمنى أو سياسى مستدام فى المنطقة.
تستلهم السياسة المصرية فى التعامل مع تحديات الإقليم وتعقيدات المنطقة كثيرًا من سمات نهر النيل، فهى لا تميل لإثارة الضجيج بقدر ما تسعى لضمان التقدم دائمًا -ورغم كل العقبات- إلى الأمام، تبدو سياسة مصر فى بعض الأحيان هادئة حد السكون، لكنها تواصل الجريان واثقة بقدرتها على الوصول إلى الهدف فى نهاية المسار.
وخلال العقد الأخير نجحت السياسة المصرية فى تطوير نموذج يمكن أن نطلق عليه نموذج «القدوة والقدرة»، فالقاهرة لا تطالب غيرها بما لا تلزم نفسها به، فأرست بذلك نموذجًا أخلاقيًا موثوقًا فى العلاقات السياسية، ولم تمارس ازدواجية المواقف فلا يتناقض ما تقوله فى العلن، مع ما تتمسك به فى الغرف المغلقة.
استطاعت مصر كذلك تعزيز قدرتها الاقتصادية والسياسية والعسكرية واستثمار قواعدها الصلبة البشرية والثقافية كواحدة من أكثر دول المنطقة امتلاكًا للقوة الناعمة، فى تطوير لنموذج تطلق عليه بعض نظريات العلوم السياسية «القوة الذكية» Smart Power، أى تلك التى تمتلك القدرة على المزج بين القوة الخشنة ممثلة فى القدرات العسكرية التى تحفظ لها وجودها وتحمى مصالحها، وبين القوة الناعمة عبر التأثير الثقافى والدبلوماسى وتقديم المواقف التى تلتزم بإطار من المبادئ التى تضمن لها رصيدًا من الثقة والاحترام والتأثير، ليس فقط على المستوى الرسمى، بل على المستوى الشعبى أيضًا.
نجحت القاهرة عبر ثنائية «التنمية فى الداخل والتوازن فى الخارج» فى إعادة بناء قواعد تأثيرها، وأن تشحذ منطلقات الفعل فى سياستها الخارجية النشطة، وأن تتعامل بحكمة بالغة مع صخور وعقبات بالغة القسوة والصلابة، وربما أريد لتلك الصخور أن تسد مجرى نهر السياسة المصرية وأن تقف عائقًا أمام تدفق موجات الدور المصرى نحو دوائر متسعة، وحصرها فى مساحات ضيقة تختزل الدور المصرى فى ملفات دول الجوار أو مجرد التسوية المتعلقة بالقضية الفلسطينية.
لكن القاهرة استطاعت ببصيرة نافذة أن تنظر إلى ما وراء أفق المنطقة المحتقن، وأن تستلهم من دروس التاريخ التى تستوعبها جيدًا، حكمة «الصبر الاستراتيجى» فى التعامل مع تلك العقبات التى تشبه «الجنادل» التى تترامى فى مجرى النيل خاصة فى قطاعه الجنوبى، فاستمدت القدرة المصرية قوة من المثابرة فى التعامل بعقلانية ووعى مع كثير من الفخاخ المنصوبة لنا فى حقل ألغام الشرق الأوسط، وفككت صلابة بعض الصخور الموضوعة فى طريقها ففتتتها، واكتفت فى أحيان أخرى بحفر مسارات جانبية حول عقبات أشد صلابة بما يضمن استمرار تدفق السياسة المصرية وقدرتها على حماية مصالحها دون صدامات تجرفها نحو معارك جانبية أو مناوشات تعرقل تقدمها المتواصل إلى الأمام.
هذه الحكمة المختزلة هى التوصيف الدقيق لحالة «الصبر الاستراتيجى» التى تنتهجها القاهرة وتجعلها لا تنجر إلى معارك جانبية، ولا تستجيب لاستفزازات المراهقة السياسية، بل تتحرك وفق رؤية تدرك أن «القيادة» ليست صراخًا فى الميكروفونات، بل هى القدرة على صياغة الواقع فى صمت، والقيام بكل واجباتها تجاه جيرانها وأشقائها فى المحيط الجغرافى وتوسيع نطاق تحركها وتأثيرها لدوائر أبعد وأوسع.
هذه المقدمة لفهم طبيعة السياسة المصرية وأطر تحركها وأدواته تبدو ضرورية للإجابة عن السؤال الأهم الذى يشغل عقول كثيرين فى مصر وفى الإقليم حول المستقبل: مستقبل المنطقة، ومستقبل الترتيبات الجارية لما بعد انتهاء هذه الموجة من الزلازل الخطيرة التى قد تفكك طبقات الجغرافيا الشرق أوسطية وتسفر عن واقع جديد، فضلًا عن موضع مصر وموقعها وسط كل تلك التصورات المطروحة حاليًا، والتى تبدو نشطة فى دوائر التفكير السياسى والاستراتيجى والإعلامى رغم دخان المعارك الذى لم ينقشع تمامًا من سماء المنطقة.
■ ■ ■
تمر منطقة الشرق الأوسط حاليًا بواحد من أعقد المنعطفات التاريخية منذ اتفاقية «سايكس بيكو»، حيث تتشكل ملامح نظام إقليمى جديد على وقع المدافع وتهميش منظمات إقليمية ودولية كانت فاعلة، فى مقابل زيادة وتيرة الاعتماد على دبلوماسية الوساطة النشطة.
كما تشهد المنطقة كذلك حالة من «السيولة» فى التحالفات، فالعلاقات التقليدية تتفكك، ومحاور جديدة تولد من رحم المصالح البراجماتية، لإعادة بناء تحالفات إقليمية ودولية لا تشبه ما عرفته المنطقة على مدى عقود.
ومع خفوت ضجيج المواجهة العسكرية المباشرة على الجبهة الإيرانية، وتعالى صخب الحديث عن واقع ما بعد الحرب، سواء فيما يتعلق بأمن دول الإقليم وترتيبات حماية الملاحة الدولية، وتصورات ملء الفراغ الذى أحدثته المواجهات الساخنة على رقعة شطرنج الشرق الأوسط خلال السنوات الثلاث الأخيرة ـ نجد أنفسنا أمام حقيقة لا تقبل التأويل مفادها أن الفراغ الذى خَلَّفته الصراعات الكبرى لا يملؤه إلا مَن يمتلك الرؤية والشرعية التاريخية والقدرة على ضبط التوازنات.ويتخذ فضاء النقاش فى الإقليم حول دور القوى الوازنة خلال المرحلة المقبلة، مسارات عدة، فبعضها يشير إلى أهمية إعادة شحن العلاقات العربية الإسلامية كبديل لنفاد رصيد الثقة فى التحالفات التقليدية التى هيمنت على الإقليم على مدى العقود الأربعة الأخيرة، فلا الولايات المتحدة قدمت الحماية المنتظرة لحلفائها - باستثناء إسرائيل بطبيعة الحال - ولا روسيا والصين قدمتا الدعم المنتظر لحليفتهما إيران التى خاضت - ولا تزال - أخطر اختبارات وجودها السياسى والاستراتيجى، بل ووجودها كدولة موحدة.
هذا التصور المستند لرؤية توافقية تعلى من أهمية العمل العربى - الإسلامى المشترك، يأخذ فى الاعتبار الأدوار النشطة التى قامت بها دول مثل مصر والسعودية وتركيا وباكستان فى ظل تصاعد حرائق الإقليم، وهذه الأركان الأربعة يمكن أن تنضم إليها أطراف أخرى تزيد من الوزن الاستراتيجى لهذا المربع الحيوى.
فى المقابل يبرز تحليل آخر يذهب إلى محاولة التقليل من كل فرص العمل العربى- الإسلامى المشترك، ويميل إلى منطق «داوها بالتى كانت هى الداء»، أى بزيادة الانغماس فى تحالفات مع قوى دولية مهيمنة، تتصدرها بحكم الواقع الولايات المتحدة، وتوسيع وتعميق مساحة التحالف معها لتشكل مظلة حماية أمنية أكثر فاعلية حتى لو تطلب الأمر تعزيز العلاقات مع وكيلها الإقليمى المعتمد: إسرائيل.
الأمر بالتالى يتبلور ليس فى مجرد مجموعة من الرؤى والتحليلات، بل فى سرديتين كبيرتين، تحاولان أن تستشرفا المستقبل فى ضوء نتائج الحرب: السردية الأولى تستند إلى استيعاب نتائج المغامرات الأمريكية الإسرائيلية فى الإقليم كمحفز للمناعة الجماعية للتصدى لمشاريع الهيمنة الخارجية على مقدرات المنطقة.
بينما السردية الثانية ترتكن إلى تحليل أن الإقليم جزء من صراع أكبر، وقطعة على رقعة شطرنج الاستقطاب الدولى، وأن الرهان على الطرف القوى هو الخيار الرابح حتى لو انطوى الأمر على ارتفاع فى تكلفة هذا الخيار اقتصاديًا وأمنيًا واستراتيجيًا.
وبالطبع وفى ثنايا هاتين السرديتين الكبيرتين تكمن تفاصيل كثيرة حول مستقبل إدارة الممرات الملاحية الاستراتيجية بالمنطقة، ومحاولة بعض القوى إيجاد مسارات بديلة للطرق التاريخية المفتوحة أمام الملاحة الدولية، وطبيعة التحالفات العسكرية والسياسية وأمن الطاقة، والتصدى لمصادر التهديد وزعزعة الاستقرار الداخلى والإقليمى للعديد من الدول، ومساعى بعض القوى المتربصة للصيد فى المياه التى عكرتها الحروب فى الخليج العربى وفى البحر الأحمر على السواء.
■ ■ ■
هنا، تبرز مصر ليس كطرف مشارك ورئيس فحسب فى أية ترتيبات حالية أو مستقبلية بشأن الإقليم، بل كحجر زاوية لا يمكن بدونه بناء أى هيكل أمنى أو سياسى مستدام فى المنطقة.
لقد أفضت المواجهة الأمريكية - الإسرائيلية مع إيران إلى واقع مُشوَّه، فلا هى استأصلت نفوذ طهران بالكامل، ولا هى تركت المنطقة على ما كانت عليه، فنحن الآن أمام «إيران منكفئة» تعيد تقييم أذرعها وتلملم جراحها العميقة، و«إسرائيل» تبحث عن مكاسب استراتيجية تغطى التكلفة الهائلة لمغامراتها العسكرية، وتحاول أن ترسخ واقعًا إقليميًا قسريًا باعتماد القوة وسيلة لتمديد نفوذها وتغلغلها فى منطقة لم تستطع عبر ما يقرب من ثمانية عقود أن تكون جزءًا من نسيجها السكانى أو الثقافى.
وفى المقابل تبدو أغلب دول الإقليم راغبة فى استعادة حالة من الهدوء والاستقرار تُمَكِّنها من استكمال مشروعها للبناء والتنمية، أو توفير أجواء أقل صخبًا لإطفاء حرائق مندلعة منذ 2011 فى العديد من الأقطار المهمة على الخريطة العربية، فالمنطقة لم تهنأ منذ عقود باستراحة تكفى لالتقاط الأنفاس.
وفى خلفية المشهد وغير بعيد عن مسارات التأثير على مجريات الأحداث فيه، تقف قوى دولية تريد تقليص فواتير انخراطها المباشر، دون أن تفقد نفوذها وأدوات حماية مصالحها فى منطقة يعلم الجميع حول العالم أهميتها فى أية مواجهة مستقبلية فى معركة إعادة بناء النظام الدولى، الذى لم تتضح معالمه بعد.
فى هذا المشهد المرتبك، نجحت الدولة المصرية فى الحفاظ على «شعرة معاوية» مع الأطراف كافة، لقد كان الموقف المصرى منذ البداية يرتكز على «الرفض القاطع لسياسة المحاور» والدعوة إلى «تصفير الأزمات الإقليمية بحلول دبلوماسية».
كما اتبعت مصر سياسة عقلانية دون أن تفقد حزمها مع الدول التى تجاوزت حدودها فى محاولة التدخل فى الشأن الداخلى أو العبث بالمصالح الحيوية للدولة المصرية، وقد نجحت تلك السياسة وأثبتت فاعليتها فى دفع «المتجاوزين» إلى العودة إلى جادة الصواب فى التعامل مع القاهرة بما تمثله من ثقل وحنكة.
واليوم، تدرك القوى الدولية أن القاهرة هى «صمام الأمان» القادر على لجم الانفلات الإقليمى، بفضل جيشها الرشيد ودبلوماسيتها التى تتسم بالصبر الاستراتيجى، والرصيد الذى تحظى به من احترام ومصداقية، فضلًا عن إرث مهم وتاريخى من تأثير القوة الناعمة يمنحها قدرة على التحرك فى أعقد الملفات والتعامل بحكمة مع أدق الأزمات فهى موجودة وحاضرة دائمًا بحكم الموقع والموضع، ولا تُستدعى - مثل بعض الأطراف - لأداء دور.
تدرك مصر أن التاريخ والماضى، بل وحتى الواقع، قاعدة للانطلاق نحو المستقبل، لذلك هى قريبة من كل خطوط التماس فى الإقليم، وفى قلب كل التحركات الجارية لإعادة رسم ملامح الترتيبات المقبلة فى منطقة لن تعود بعد أن تضع الحرب أوزارها إلى «ضبط المصنع» القديم، فنحن أمام مخاض عسير لنظام إقليمى جديد تولد معالمه من رحم الركام.
■ ■ ■
خريطة التحالفات القادمة لن تقوم على «الأيديولوجيا»، بل على «المصالح السياسية والأمنية» المشتركة، إضافة إلى تفهم عميق لطبيعة المصالح الدولية بحيث يتم التعامل معها بمنطق الشراكة لا الاستحواذ ولا الصدام، هذا فضلًا عن شراكات اقتصادية مهمة يمكن أن تكون إطارًا أكثر توافقية وفاعلية فى تحقيق المصالح المشتركة وتليين كثير من المواقف السياسية التى تبدو متصلبة أو متشنجة فى بعض الأحيان، لكنها تذوب وتهدأ عندما تتحدث لغة المصالح والاقتصاد.
لكل تلك الاعتبارات السابقة، ستكون القاهرة فى قلب أية ترتيبات أو سيناريوهات مستقبلية للإقليم، ليس فقط استنادًا لوزنها الجيواستراتيجى الذى منحته لها الجغرافيا وصانه لها التاريخ، بل بفضل وجود قيادة واعية وذات بصيرة وقدرة على قراءة اتجاه الأحداث بطريقة صحيحة وعقلانية واستباق المتغيرات ببناء القدرات.
استطاعت مصر تحت قيادة الرئيس عبد الفتاح السيسى، أن تزيد من أدوات قدرتها، بحيث تحقق هدفها الأهم بحماية المصالح المصرية دون صخب أو ضجيج، ودون الانجرار نحو مسارات غير محسوبة، فأعظم الانتصارات - كما يقول المفكر الاستراتيجى الصينى سون تزو- هو ما يتحقق بغير قتال.
يتوهم البعض أن دور مصر قد تراجع، لكن تأتى أزمات المنطقة الواحدة تلو الأخرى، لتثبت أن «كل الطرق تؤدى إلى القاهرة»، فقد حاولت بعض الأطراف خلق مسارات بديلة (اقتصادية أو سياسية) لتجاوز مصر، لكنها اصطدمت بصخرة الواقع، فلا أمن فى المتوسط دون مصر، ولا استقرار فى غزة أو ليبيا أو السودان دون «السند المصرى»، ولا مجال للعبث بأمن البحر الأحمر مادامت الرؤية واليقظة المصرية موجودة وقادرة على حشد الأشقاء وكشف مخططات العابثين.
تبرز مصر كذلك كـ «ملاذ آمن» للاستثمارات والترتيبات الأمنية، وقد رأينا كيف قادت الرؤية والحكمة المصرية الخصوم السابقين ليطرقوا أبواب القاهرة بحثًا عن الاستقرار، وأملًا فى تنسيقات ضرورية ولا يمكن تجاوزها فى إدارة الإقليم ونزع فتيل أزماتها القابلة للانفجار دائمًا.
هذا فضلًا عن النجاح التاريخى للدولة المصرية فى وقف الحرب الإسرائيلية على غزة، ليس باعتبارها جولة من جولات الصراع الممتد، بل بوصفها موقفًا بطوليًا لمساندة قضية كانت على حافة التلاشى، ودعمًا لشعب شقيق كان كالأيتام على موائد اللئام.
■ ■ ■
مصر تتحرك وفق رؤية وبصيرة ثاقبة فى عدة دوائر متقاطعة، أولاها الدائرة العربية الاستراتيجية، من خلال تعزيز محور الاعتدال العربى ككتلة صلبة تُعيد صياغة الهوية السياسية للمنطقة بعيدًا عن التدخلات الإقليمية غير العربية، فضلًا عن تجديد التزامها الراسخ بأمن الخليج العربى كجزء لا يتجزأ من الأمن القومى المصرى.
وتتعلق الدائرة الثانية بأمن البحر الأحمر وقناة السويس، فمصر تعتبر أن أى ترتيبات تمس السيادة أو المصالح المصرية فى مناطق مصالحها الحيوية هى والعدم سواء، وقد اتخذت من الإجراءات التى تكفل حماية مصالحها دون أى مساس بمصالح الدول المشاطئة فى البحر الأحمر، بل من خلال تنسيقات استراتيجية مهمة معهم لقطع الطريق على أية محاولات للعبث بتلك المنطقة الهشة أمنيًا وسياسيًا، فجاء تعزيز «الأسطول الجنوبي» المصرى وتطوير القواعد العسكرية ليس من قبيل استعراض القوة، بل بوصفه «رسالة لمَن يهمه الأمر» تقول إن «أمن البحر الأحمر يمر عبر القاهرة»، وأن العبث بمضيق باب المندب «خط أحمر».
الأدوار الحيوية التى تقوم بها مصر فى مساندة الأشقاء الذين يتعرضون لأزمات خطيرة كما هو الحال فى (ليبيا، السودان، اليمن، والصومال) والعديد من الأشقاء فى العمق الإفريقى، تمثل دائرة التحرك الثالثة، فبالإضافة للمساندة السياسية ودفع مختلف الأطراف لتغليب لغة الحوار والمصالح الوطنية، تبرز ثوابت القاهرة فى مكافحة الإرهاب العابر للحدود فى ظل السيولة الأمنية التى تعانيها تلك الدول، وتطرح مصر نموذجًا يقوم على «تقوية الدولة الوطنية» بدلًا من دعم المليشيات، إضافة لمساندة المؤسسات الوطنية فى تلك الدول على تجاوز حالة الإضعاف والانقسام، وهذا التوجه له وزنه أيضًا فى التحالفات القادمة بالمنطقة.
أما الدائرة الرابعة فتتسع لبناء علاقات أكثر موثوقية وتماسكًا مع القوى الإقليمية، لإدماج تلك القوى (بما فيها إيران ما بعد الصراع) فى منظومة تعاون إقليمى، شريطة احترام السيادة والكف عن التدخل فى الشئون الداخلية العربية، ومن شأن هذا المسار تجنيب المنطقة العديد من عوامل الصدام، وإجهاض محاولات التدخل الخارجى أو المغامرات غير المحسوبة لأسرى نظريات التوسع على حساب دول الجوار ومهاويس الأساطير الدينية التى لا تقود سوى إلى حروب عبثية ونشر الخراب والدمار!!
كما تتمسك مصر بسياسة الانفتاح شرقًا وغربًا لتمثل الدائرة الخامسة لتحركها، مع الاحتفاظ بعقيدة «التوازن الاستراتيجى»، حيث تقف على مسافة واحدة من واشنطن وموسكو وبكين، وتُعَظِّم من علاقاتها الاستراتيجية مع هذه الأقطاب الدولية، فضلًا عن استثمار تلك العلاقات المتميزة لخدمة مصالح شعبها فى المقام الأول، وخدمة قضايا الإقليم فى المرتبة التالية.
ويمكن أن نضيف إلى أوراق القاهرة باعتبارها عمودًا فقريًا فى أية ترتيبات أمنية أو اقتصادية فى شرق المتوسط والبحر الأحمر وليست مجرد طرف، ما تقوم به من أدوار باعتبارها «الضامن» لأى تهدئة طويلة الأمد، ليس فى غزة فحسب، بل كحائط صد ضد تمدد الفوضى نحو العمق العربى والإفريقى.
إضافة لما باتت تتحلى به مصر من ثقل كمركز إقليمى للطاقة فى مرحلة أيقن الجميع ومنذ الحرب الروسية الأوكرانية مرورًا بالحرب على إيران خطورة أمن الطاقة وتأثير أية عثرات فى هذا الملف على الاقتصاد العالمى، وقد عززت مصر من موقعها فى هذا الملف الحيوى من خلال «منتدى غاز شرق المتوسط»، وتقود مصر تحالفًا يربط المنتجين بالمستهلكين فى أوروبا، مما يمنحها ثقلًا سياسيًا يتجاوز حدود الجغرافيا.
وتبدو ورقة «القيادة اللوجيستية» واحدة من أدوات التأثير المهمة التى أضيفت لمصر بموقعها على قناة السويس، إذ تمثل مصر «نقطة الالتقاء» الإلزامية لكل الممرات الدولية القديمة أو حتى تلك الجديدة المقترحة، مما يجعلها شريكًا لا يمكن تجاوزه لأى قوة عالمية.
■ ■ ■
إن مصر فى المرحلة المقبلة لا تسعى للهيمنة كما يفعل البعض من حولنا، بل تعمل من أجل تعزيز استقرارها الداخلى، ومد حالة الاستقرار إلى الإقليم المضطرب، وقوة مصر هى قوة للعرب، وضعفها مفتاح استباحة المنطقة.
وعلى مَن يحاولون الحديث عن ترتيبات مستقبلية تتجاوز الدور المصرى أن يدركوا أن القاهرة ليست ما كانت عليه قبل عقد من الزمان، فنحن - بفضل الله ثم بحكمة قيادتنا واحترافية مؤسساتنا- نمتلك الآن من أدوات القوة الشاملة (عسكريًا، اقتصاديًا، وجيوسياسيًا)، مما يجعلنا طرفًا أصيلًا فى كتابة مسودة «العقد الاجتماعى الإقليمى الجديد».
إن مصر لا تطلب «مقعدًا» على الطاولة، بل هى مَن يشارك بفاعلية فى تحديد مَن يجلس على تلك الطاولة الشرق أوسطية، وقوة مصر تنبع من امتلاكها جيشًا وطنيًا موحدًا، وجبهة داخلية متماسكة، ورؤية لا تتغير بتغير الإدارات فى واشنطن أو غيرها، فضلًا عن استنادها إلى ركائز راسخة من الالتزام بأمن الإقليم واحترام ثوابت مواقفها التاريخية، وإدراك عميق لواجباتها تجاه الأشقاء.
نحن لسنا مجرد دولة فى جغرافيا سياسية معقدة، نحن مَن صاغ تلك «الجغرافيا» وأجاد صناعة «التاريخ»، ومَن يريد استقرارًا فى الشرق الأوسط، فليقرأ ذلك التاريخ جيدًا.. فالبداية والنهاية دائمًا هنا، من القاهرة.
الكلمات الدالة
الاخبار المرتبطة











روح يونيو وذكريات التحدى!
التصعيد خطير.. والاتفاق قريب!!
العملات المحلية وتخفيف الضغط على الدولار
هل يحتاج الدين لنجاح ورسوب ؟!
مصير الحرب والسلام فى الشرق الأوسط
أبو البنات
٣٠ يونيو.. وإعلام الإخوان
وضوح الرؤية
الدواء سُم قاتل «3»