العمليات السياسية
العمليات السياسية


البناء والتنمية المعركة مستمرة

دبلوماسية «النفس الطويل»| مذكرات القادة تروى كواليس ما بعد الرصاص

محمد محمود فايد

الخميس، 23 أبريل 2026 - 07:52 م

على مر العصور، ظلت سيناء رمزاً لصمود الشعب المصري وتمسكه بتلك الأرض المباركة.. اليوم سيناء تكتب فصلاً جديداً هو الأكثر تحدياً في تاريخها ؛ فصلاً لا تعلو فيه أصوات المدافع، وطلقات الرصاص بل ضجيج الماكينات وهتاف البناء. وإذا كانت سيناء قد شهدت أربع حروب نظامية دفاعاً عن الأرض، ثم واجهت أعتى موجات الإرهاب على مدار 11 عاماً لكسر شوكته وتطهير ترابها، فإنها تخوض هذه الأيام  «المعركة الأصعب» من أى حروبٍ أو إرهاب مر عليها وهى  معركة البناء والتنمية.

هى «المعركة الأصعب» لأنها لا تواجه عدواً ظاهراً، بل تصارع الزمن والجغرافيا والاقتصاد لتغيير وجه الأرض.. هي «المعركة الأصعب» لأنها حرب بقاء واستدامة ، فبينما تنتهي الحروب العسكرية بوقف إطلاق النار أو القضاء على الإرهاب، فإن معركة التنمية لا تعرف التوقف وتظل مستمرة، حيث تقتحم الدولة بها وعورة الأرض وصعوبة التضاريس وتغيير أفكار المواطنين وتوطين الصناعة لتزرع الحياة في قلب الصحراء، محولةً كل مشروع قومي إلى ركيزة أمنية لا تقل أهمية عن خنادق الدفاع، لتثبت أن التعمير هو السلاح الأقوى لفرض السيادة الكاملة وحماية تراب الوطن.

 إن الاحتفاء بذكرى 25 أبريل هذا العام لا يقتصر على استعادة ذكريات البطولة والتضحية التي سطرها أبطال القوات المسلحة وأبناء سيناء، ولا يتوقف عند حدود التفاوض السياسي الذي استرد الأرض، بل يمتد ليشهد على عبور ثانٍ نحو «الجمهورية الجديدة» .

لقد أدركت الدولة المصرية أن الأمن الحقيقي لايتحقق فقط بحماية الحدود، بل بالتنمية الشاملة التي تجعل من سيناء مقصداً للاستثمار، ومنارة للثقافة، ومقصداً يستوعب أحلام الشباب المصري. ونحن نحتفي بعيد التحرير، لابد أن ندرك أن  صون الأمانة يتطلب منا الاستمرار في هذا المسار التنموي، لتظل سيناء دائماً حصناً منيعاً، وجوهرةً في تاج الدولة المصرية. وعلى صفحات هذا الملحق نحتفى بالذكرى الغالية ونسلط الضوء على ملامح هذا التحول الجذري، ونرصد ملحمة التعمير وكيف أصبحت سيناء حجر الزاوية في رؤية مصر 2030.

25 أبريل من كل عام، ليس فقط ذكرى لرحيل آخر جندى محتل، بل احتفاء بالعقل المصرى الذى أدار واحدة من أعقد العمليات السياسية فى التاريخ الحديث، إنها قصة وطن آمن بأن الحق الذى وراءه مطالب وقوة لا يموت، وأن «دبلوماسية النفس الطويل» هى السلاح الأمثل لحماية انتصارات الميدان.

بعد توقيع معاهدة السلام فى مارس 1979، بدأت مصر مرحلة جديدة من المواجهة، لم يكن الهدف مجرد خروج القوات الإسرائيلية، بل استعادة السيادة الكاملة غير المنقوصة، وكان القادة المصريون يدركون أن العدو سيحاول المماطلة فى كل شبر، وهو ما جعل الرؤية العسكرية والسياسية تندمج فى مسار واحد.

وفى مذكراته كتب المشير أحمد إسماعيل، وزير الحربية خلال حرب أكتوبر قائلاً: «كانت وجهة نظر قادة الجيش أن نضرب أكبر ضربة مُمكنة، وعندما نتلقى منهم ضربة نكون كبدناهم ضربات مبرحة، ثم ندخل على السلام، ونستطيع أن نعبر ونحرر أرضنا على مراحل»، وهو ما تحقق بالفعل حيث كان المفاوض المصرى عقب الحرب يذهب وهو يستند إلى قوة السلاح التى أثبتت كفاءتها فى الميدان.

وكان المشير إسماعيل يرى أن حرب أكتوبر أعادت التوازن العسكرى والسياسي، ومهدت لتحريك القضية سياسيًا، وأن العمل العسكرى حقق «كسر الجمود»، وأن المفاوضات يمكن أن تُستكمل لاستعادة باقى الأرض، وكان دائم التشديد على ضرورة استمرار الاستعداد العسكرى حتى مع الدخول فى مسار سياسي، وذكر فى العديد من المحافل أن ما تحقق كان نتيجة تخطيط طويل وتعاون بين القيادة السياسية والعسكرية.

العريش أولًا

فى 25 مايو 1979، كانت مصر على موعد مع أول انتصار دبلوماسى ملموس برفع العلم فوق مدينة العريش، اختيار العريش لتكون باكورة المدن المُستردة لم يكن بمحض الصدفة، بل كان قراراً مصرياً يهدف لإحراج الاحتلال وإثبات أن الدولة المصرية جاهزة فورًا لإدارة شئون مواطنيها.. ويروى الفريق كمال حسن علي، الذى تولى رئاسة المخابرات ثم الخارجية والدفاع وكان مفاوضاً رئيسيًا، فى كتابه «مشاوير العمر» عن كواليس تلك الساعات العصيبة قائلا: «كان من المقرر فى المعاهدة أن تنسحب إسرائيل من العريش بعد شهرين من التوقيع على المعاهدة، على أن تتم المرحلة الأخيرة للانسحاب من كامل الحدود الدولية فى مدى ثلاث سنوات، وعندما اقترب موعد تسليم العريش المقرر له يوم 25 مايو 1979، كانت إسرائيل قد بدت وكأنها تقتطع جزءاً من جسدها، فلم تكف عن طلب استمرار بعض الأوضاع على حالها، مثل بقاء سكان مستعمرة ينعوه (2 كم شرق العريش) واستمرارهم فى زراعة الأرض، ومثل طلب إبقاء بعض الإسرائيليين فى العريش بعد موعد الانسحاب أو السماح للصيادين الإسرائيليين بالصيد...

وكان الرفض هو مصير كل هذه الطلبات غير القانونية طبقاً لبنود المعاهدة» .. لقد واجهت مصر فى العريش محاولاتٍ إسرائيلية لترك مكاتب ارتباط أو إشراف مشترك، لكن الإصرار المصرى حسم الموقف، وتحولت العريش فى يوم وليلة من ثكنة عسكرية للاحتلال إلى قلب ينبض بالإدارة المصرية، وتم تقسيم سيناء وفق المعاهدة إلى مناطق (أ، ب، ج، د)، وكانت المنطقة (ج) هى الأكثر حساسية.

حيث تمنع تواجد القوات المسلحة الثقيلة وتكتفى بقوات الشرطة، هنا تجلت عبقرية التنسيق بين وزارة الداخلية والمخابرات الحربية وشيوخ القبائل، ولم تكتفِ مصر بالأمن، بل أرسلت «جيوشاً بيضاء» من الأطباء وجيوشاً من المعلمين، وتم تغيير المناهج الدراسية الإسرائيلية فى ظرف 48 ساعة، واستبدال العملة، وإعادة ربط شبكات الكهرباء والمياه بالشبكة القومية الأم، فيما عُرف آنذاك بـ «معركة التعمير السريع».
حرب الخرائط

وبانتهاء تسليم العريش بدأت إجراءات الإعداد للمرحلة الفرعية التالية للانسحاب وتتضمن مناطق البترول والمعادن فى سيناء على مسافة 6000 كم على خليج السويس، وبحلول 25 أبريل 1982، كان الانسحاب الإسرائيلى قد اكتمل من كل سيناء، لكن الاحتلال تذرع بخلاف حدودى وهمى لاحتجاز شريط «طابا»، كانت إسرائيل تراهن على أن مصر، المُنهكة من سنوات الحروب، ستقبل بالتنازل عن هذا الكيلومتر المربع الواحد مقابل السلام الشامل.

هنا ظهرت دبلوماسية العلم والقانون، شكلت مصر «اللجنة القومية العليا لطابا» التى ضمت عباقرة فى الجغرافيا والتاريخ والقانون الدولي، ويروى الدكتور نبيل العربي، رئيس اللجنة القانونية، فى كتابه «طابا.. كامب ديفيد.. الجدار العازل» قائلا: « قضية طابا كانت مواجهة ولنقل مواجهة حضارية بين الأجهزة المعنية فى الجانبين.. كل منهما يسعى ليضع أمام محكمة دولية ما لديه من أدلة تساند موقفه وتدحض موقف الخصم، وما يُستخدم فى هذه المواجهة لم يكن الأسلحة النارية والسيوف بل الأدلة والأسانيد القانونية والجغرافية والتاريخية»

استعانت مصر بخرائط من أرشيفات لندن واسطنبول تعود لعام 1906، واستدعت شهوداً من البدو الذين أشاروا بدقة إلى أماكن «علامات الحدود» القديمة التى حاول الاحتلال طمسها، وفى 29 سبتمبر 1988، نطق القضاء الدولى بكلمته قائلا: «طابا مصرية»، ليُرفع العلم المصرى فى 19 مارس 1989، معلناً السيادة الكاملة.

تجربة تحرير سيناء أثبتت للعالم كيف يمكن لدولة أن تجمع بين «قوة الردع» و«براعة التفاوض»، لم تنزلق مصر لاستفزازات الاحتلال التى حاولت جرها لنقض المعاهدة لتعطيل الانسحاب، وفى الوقت نفسه، لم تتنازل عن حق قانونى واحد..

وكما قال الرئيس أنور السادات فى خطابه التاريخى الذى ألقاه أمام الكنيست الإسرائيلى عام 1977: «إن أرضنا لا تقبل المساومة، وليست عُرضة للجدل، إنَ التراب الوطنى والقومي، يعتبر لدينا فى منزلة الوادى المقدس طُوى، الذى كلَّم فيه الله موسى - عليه السلام، ولا يملك أى منا، ولا يقبل أن يتنازل عن شبر واحد منه، أو أن يقبل مبدأ الجدل والمساومة عليه».
 

 
 
 
 
 
 
 
 

الكلمات الدالة

 
 
 
 
 

مشاركة