د. أسامة السعيد
د. أسامة السعيد


د. أسامة السعيد يكتب: سيناء.. عبقرية تحرير الأرض والإرادة

د. أسامة السعيد

الخميس، 23 أبريل 2026 - 08:00 م

تأتى ذكرى تحرير سيناء الغالية هذا العام، والمنطقة من حولنا تموج بتحديات جسام وتغيرات جيوسياسية عاصفة، لتعيد تذكير العالم أجمع بأن الدولة المصرية، بجيشها وشعبها، تمتلك مفاتيح القدرة وعزيمة الصمود ورشادة القرار ومسئولية الموقف.

إن يوم الخامس والعشرين من أبريل ليس مجرد تاريخ لانسحاب آخر جندى محتل من فوق ترابنا المقدس، بل هو عيد لاسترداد السيادة وعنوان لانتصار الإرادة الوطنية الذى صاغته مصر بدماء أبنائها وبراعة مفاوضيها.

إن المتأمل لملحمة استعادة سيناء يدرك بيقين أنها كانت معركة «تحرير إرادة» قبل أن تكون «تحرير أرض»، فمنذ لحظة العبور العظيم فى أكتوبر 1973، وحتى رفع العلم المصرى فوق طابا، أثبتت مصر للعالم أن «الحق الذى يستند إلى القوة لا يضيع»، وأن الإرادة المصرية قادرة على انتزاع أهدافها وسط ركام اليأس وظلام الهزيمة. 

لقد كان القرار المصرى حراً، نابعاً من قلب المصلحة الوطنية، متجاوزاً ضغوط القوى الكبرى وحسابات التوازنات الضيقة، وهو ما نلمس صداه اليوم ونحن نتمسك بقرارنا الوطنى المستقل فى مواجهة أزمات الإقليم المتلاحقة، ونتحرك بثبات وثقة وسط حقل ألغام إقليمى قابل للانفجار دائماً، بل انفجرت بعض جنباته وتختنق سماؤه بدخان الحروب المشتعلة والصراعات الداخلية المتأججة.

■■■

وفى ظل الأوضاع الراهنة التى يشهدها الشرق الأوسط، تبرز سيناء كحائط صد منيع وقلعة للصمود، وما يجرى حول حدودنا من اضطرابات ونزاعات، يفرض علينا استحضار روح «التحرير» التى علمتنا أن الحفاظ على التراب الوطنى هو قدس الأقداس.

وهنا، لابد من وقفة إجلال وتقدير لمؤسسة القوات المسلحة المصرية الباسلة، هذه الدرع التى لم تكتفِ بتحرير الأرض بالأمس، بل تواصل اليوم معركة البقاء والبناء، وقد نجحت قواتنا المسلحة، بوعيها الاستراتيجى واحترافيتها العالية ورشد قرارها وتماسك بنائها، فى تطهير سيناء من دنس الإرهاب الأسود الذى حاول اختطافها، وحولتها من «ساحة للحرب» إلى «واحة للتنمية». 

إن العين الساهرة على حدودنا الشرقية اليوم، هى ذاتها اليد التى تمتد لتعمير الجبال والوديان، تشق الأنفاق وتشيّد المدن، لتؤكد أن السيادة الحقيقية هى التى تزاوج بين قوة السلاح وقدرة البناء، وبين أمن الحدود وتنمية الإنسان.

وما تلك العيون الحارسة والأيادى الفتية التى تحمى حاضرنا وتبنى مستقبلنا إلا امتداد لجنود العبور. وما قادة جيشنا إلا استمرار لعقلية النصر التى خططت ونفذت أعظم معارك الوطن، ومنحتنا فخراً يتنامى مع الأيام. وما رشد القرار السياسى والعسكرى إلا واحدة من ثمار الحفاظ على الذاكرة الوطنية ومؤسسية العمل وحكمة اتخاذ القرار فى دولة هى الأعرق على وجه الأرض.

■■■

التحديات الإقليمية الحالية، بدءاً من القضية الفلسطينية وما تشهده من منعطفات خطيرة، وصولاً إلى التوترات فى البحر الأحمر وشرق المتوسط، وامتداداً إلى ما يجرى فى منطقة الخليج التى لا ينفصل أمنها عن أمننا القومى، وما يدور من أزمات على جبهتينا الجنوبية والغربية، كلها تحديات تضع الدولة المصرية أمام مسئوليتها التاريخية كركيزة للأمن والاستقرار، وكقوة تحمى السلام وتفرضه. 

وهنا تتجلى حكمة القيادة السياسية وصلابة المؤسسة العسكرية فى إرساء معادلة الردع، فنحن دولة تنشد السلام وتعمل من أجله، لكنها تمتلك من القوة ما يكفى لحماية مقدراتها وصون أمنها القومى من أى مساس، مهما كانت التضحيات.

إن ذكرى تحرير سيناء هى رسالة ثقة فى المستقبل، هى برهان على أن هذا الوطن الذى استرد أرضه بالدم والعرق، لن يفرط فى ذرة رمل واحدة، ولن يسمح لغبار الأزمات الإقليمية أن يطال جبهته الداخلية، واصطفاف الشعب خلف قيادته السياسية، وحول قواته المسلحة هو الضمانة الوحيدة لاستمرار مسيرة الاستقرار والحفاظ على ما حققته معارك التحرير ثم التطهير، وتتواصل حالياً وفى كل ربوع مصر فصول معركة التعمير.

فى ذكرى التحرير، يتجدد العهد للأجيال القادمة بأن تظل سيناء مصرية، أبية، وشاهدة على عظمة إنسان هذا الوطن، وقدرته على حماية أرضه والدفاع عن ثوابته، والتمسك بحرية إرادته واستقلالية قراره.

■■■

تحية لشهداء مصر الأبرار الذين رووا بدمائهم ثرى الفيروز، وتحية لرجال القوات المسلحة، حماة الحق وحراس العقيدة الوطنية، الذين يثبتون كل يوم أن مصر كانت وستظل عصية على الانكسار، قوية بإرادتها، أبية بجيشها، وشامخة بمكانتها فى قلب العالم.

كل عام ومصر أقوى، وأعظم، وأجمل، وأعلى، وأرقى، تنتقل فيها جينات البطولة من جيل إلى آخر، وتتوالى احتفالاتنا بأيام النصر المجيدة، التى نضيف إليها كل يوم نصراً على الجهل والفقر والمرض، ونحرر عقولنا من أوهام التضليل والتزييف والشعارات الكاذبة، كما حررنا أرضنا وإرادتنا.

الاحتفاء بذكرى تحرير سيناء، ليس احتفالاً بالأمس، لكنه استعادة للحظة وطنية فارقة تمنحنا القوة الدافعة للانطلاق نحو الغد بعزيمة لا تلين، ويقين لا يتزعزع، وحكمة تقودنا إلى بر الأمان، فى عالم بات فيه الأمان سلعة نادرة لا تشتريها الثروات.

 
 
 
 
 
 
 
 

الكلمات الدالة

 
 
 
 
 

مشاركة