الشيخ الشعراوى
الشيخ الشعراوى


خواطر الشعراوى| النفقة والإنفاق

ضياء أبوالصفا

الخميس، 30 أبريل 2026 - 08:11 م

يواصل الشيخ الشعراوى خواطره حول سورة البقرة بقوله: بعد ذلك يتعرض الحق سبحانه وتعالى إلى قضية من أخطر قضايا العصر، وهذه القضية كان ولابد أن يتعرض لها القرآن؛ لأنه يتكلم عن النفقة وعن الإنفاق ولا شك أن ذلك يقتضى منفِقا ومنفَقًا عليه؛ لأنه عاجز، فهب أن الناس شحّوا، ولم ينفقوا، فماذا يكون موقف العاجز الذى لا يجد؟ إن موقفه لا يتعدى أمرين: إما أن يذهب فيقترض، وإن لم يقبل أحد أن يقرضه فهو يأخذ بالربا والزيادة وإلا فكيف يعيش؟

إذن فالآيات التى نحن بصددها تعرّضت للهيكل الاقتصادى فى أمة إسلامية جوادة، أو أمة إسلامية بخيلة شحيحة، لماذا؟ لأن الذى خلق الخلق قد صنع حسابا دقيقا لذلك الخلق، بحيث لو أحصيت ما يجب على الواجدين من زكاة، وأحصيت ما يحتاج إليه من لا يقدر لأن به عجزا طبيعيا عن العمل، لوجدت العاجزين يحتاجون لمثل ما يفيض عن القادرين بلا زيادة أو نقصان، وإلا كان هناك خطأ والعياذ بالله فى حساب الخالق، ولا يمكن أن يتأتى ذلك أبدًا.

وحين ننظر إلى المجتمعات فى تكوينها نجد أن إنسانًا غنيًا فى مكان قد نبا به مكانه، واختار أن يقيم فى مكان آخر، فيعجب الناس لماذا ترك ذلك المكان وهو فى يسر ورخاء وغنى؟ ربما لو كان فقيرًا لقلنا طلبا للسعة، فلماذا خرج من هذا المكان وهو واجد، وهو على هذا الحال من اليسر؟ إنهم لم يفطنوا إلى أن الله الذى خلق الخلق يُدير كونه بتسخير وتوجيه الخواطر التى تخطر فى أذهان الناس، فتجد مكانه قد نبا به، وامتلأت نفسه بالقلق، واختار أن يذهب إلى مكان آخر.

ولو أن عندنا أجهزة إحصائية دقيقة وحسبنا المحتاجين فى البيئة التى انتقل منها لوجدنا قدرا من المال زائد على حاجة الذين يعيشون فى هذه البيئة؛ فوجهه الله إلى مكان آخر يحتاج إلى مثل هذا الكم منه. وهكذا تجد التبادل منظما. فإن رأيت إنسانا محتاجا أو إنسانا يريد أن يرابى فاعلم أن هناك تقصيرًا فى حق الله المعلوم ولا أقول فى الحق غير المعلوم. أى أن الغنى بخل بما يجب عليه إنفاقه للمحتاج.

والقرآن حين يواجه هذه المسألة فهو يواجهها مواجهة تُبشِّع العمل الربوى تبشيعا يجعل النفس الإنسانية المستقيمة التكوين تنفر منه فيقول سبحانه: ﴿الذين يَأْكُلُونَ الربا لاَ يَقُومُونَ إِلاَّ كَمَا يَقُومُ الذى يَتَخَبَّطُهُ الشيطان مِنَ المس ...﴾ وانظروا إلى كلمة ﴿يَأْكُلُونَ﴾، هل كل حاجات الحياة أكل؟ لا، فحاجات الحياة كثيرة، الأكل بعضها، ولكن الأكل أهم شيء فيها؛ لأنه وسيلة استبقاء النفس. و﴿الربا﴾ هو الأمر الزائد، وما دام هو الأمر الزائد يعنى هو لا يحتاج أن يأكل، فهذا تقريع له. إن الحق يريد أن يبشع هذا الأمر فيقول: لهم سمة. هذه السمة قال العلماء أهى فى الآخرة يتميزون بها فى المحشر، كما يقول الحق: ﴿يُعْرَفُ المجرمون بِسِيمَاهُمْ﴾ «الرحمن: ٤١».

فهؤلاء غير المصلين لهم علامة مميزة، وهؤلاء غير المزكين لهم علامة أخرى مميزة بحيث إذا رأيتهم عرفتهم بسيماهم، وأنهم من أى صنف من أصناف العصاة فكأنهم حين يقومون يوم القيامة يقومون مصروعين كالذى يتخبطه ويضربه الشيطان من المس فيصرعه، أو أن ذلك أمر حاصل لهم فى الدنيا، ولنبحث هذا الأمر: ﴿الذين يَأْكُلُونَ الربا لاَ يَقُومُونَ إِلاَّ كَمَا يَقُومُ الذى يَتَخَبَّطُهُ الشيطان مِنَ المس﴾. نريد أن نعرف كلمة «التخبط» وكلمة «الشيطان» وكلمة «المس». «التخبط» هو الضرب على غير استواء وهدى، أنت تقول: فلان يتخبط، أى أن حركته غير رتيبة، غير منطقية، حركة ليس لها ضابط، ذلك هو التخبط. و«الشيطان» جنس من خلق الله؛ لأن الله قال لنا: إنه خلق الإنس والجن، والجن منهم شياطين، وجن مطلق، والشيطان هو عاصى الجن. ونحن لم نر الشيطان، ولكننا علمنا به بوساطة إعلام الحق الذى آمنا به فقال: أنا لى خلق مستتر، ولذلك سميته الجن، من الاستتار ومنه المجنون أى المستور عقله، والعاصى من هذا الخلق اسمه «شيطان».

إذن فإيماننا به لا عن حس، ولكن عن إيمان بغيب أخبرنا به من آمنا به. وحين نجد شيئًا اسمه الإيمان يجب أن نعرف أنه متعلق بشيء غير مُحس؛ لأن المُحس لا يقال لك: آمن به؛ لأنه مشهود لك، فأنا لا أقول: أنا أؤمن بأن المصباح منير الآن، أنا لا أؤمن بأننا مجتمعون فى المسجد الآن، لا أقول ذلك لأن هذا واقع مشهود ومُحسّ. إذن فالأمر الإيمانى يتعلق بالغيب، مثل الإيمان بوجود الملائكة. فإذا ما كنا قد آمنا بالغيب نجد الحق سبحانه وتعالى يعطى لنا صورة للشيطان.

 
 
 
 
 
 
 
 

الكلمات الدالة

 
 
 
 
 

مشاركة