د. إبراهيم رضا  --  د. هالة منصور
د. إبراهيم رضا -- د. هالة منصور


سحر شيبة محمد العراقى

«قائمــة المنقــولات الزوجيــة».. عقــد حمايـــــــــــــــة أم قنبلة موقوتة؟

محمد العراقي- سحر شيبة

الثلاثاء، 19 مايو 2026 - 07:08 م

د. نبيل حسن: فى حكم إيصال الأمانة وعقوبتها قد تصل للحبس

د. هالة منصور: نحتاج تأهيلًا نفسيًا واجتماعيًا للمقبلين على الزواج  

الشيخ إبراهيم رضا: مطلوب قانون جديد يقوم على المودة بدلًا من الصفقات

بين خوف النساء من ضياع الحقوق، وهواجس الرجال من أن تتحول سنوات العمل والشقاء إلى ورقة تهديد فى لحظة خلاف، تتصاعد حدة الجدل حول "قائمة المنقولات الزوجية"، باعتبارها واحدة من أكثر القضايا الخلافية داخل مؤسسة الزواج فى مصر.

فبينما تراها المرأة ضمانًا أخيرًا يحفظ حقوقها فى زمن تتزايد فيه معدلات الطلاق، يعتبرها كثير من الرجال عبئًا قانونيًا ونفسيًا يزرع الشك فى علاقة يُفترض أن تقوم على المودة والثقة.

ولم يعد الخلاف حول "القايمة" مجرد نقاش عائلى أو سجال على مواقع التواصل الاجتماعي، بل امتد ليكشف أزمة أعمق تمس مفهوم الزواج ذاته، وحدود العلاقة بين العُرف والقانون والدين، والفارق بين حماية الحقوق وتحويل الحياة الزوجية إلى معادلة من المخاوف والحسابات المُسبقة.
فى هذا التحقيق، تفتح "الأخبار" الملف الشائك عبر شهادات حية، وتحليلات لخبراء فى القانون والاجتماع والدين، لفهم أبعاد الأزمة وتأثيرها على مستقبل الأسرة المصرية.

مريم: القائمة ضمان

تقول مريم إنها لم تُعر "القائمة" اهتمامًا كبيرًا عند زواجها، إذ كانت منشغلة بتفاصيل حياتها الجديدة والاستعداد للفرح، تاركة الأمر لوالدها الذى أصرّ على تدوين كل محتويات المنزل بدقة؛ لكن بعد خمس سنوات تغيّر كل شيء، وانتهت حياتها الزوجية بخلافات حادة قادتها إلى الطلاق.
وتضيف: "فى بداية الأزمة لم أكن أدرك أهميتها، لكن مع بدء الإجراءات القانونية اكتشفت أنها الوثيقة الوحيدة التى ضمنت لى استعادة حقوقى ومقتنيات منزلى دون نزاع طويل".

وتؤكد مريم أنها لم تكن تبحث عن الانتقام أو المكاسب، بقدر ما كانت تحاول ألا تخرج من التجربة خاسرة لكل شيء؛ موضحة أن القائمة أعادت لها شعورًا بالعدل والتوازن. 

وتقول: "تجربتى جعلتنى أؤمن أنها ليست مجرد ورقة شكلية، بل ضمان حقيقى لحقوق المرأة عند تبدّل الظروف".

هنا: رسالة طمأنينة واحترام

أما هنا، التى ما زالت تعيش حياة زوجية مستقرة، فتتذكر يوم كتابة "القائمة" باعتباره لحظة فارقة منحتها شعورًا بالأمان. وتقول: إنها كانت تخشى رفض خطيبها للفكرة، لكنها فوجئت بموقفه الهادئ حين قال: "اكتبوا ما ترونه مناسبًا.. المهم أن تكون ابنتكم مطمئنة".

وترى أن تلك العبارة غيّرت نظرتها للعلاقة، وأكدت لها أن الرجل الواثق من نفسه لا يخشى توثيق الحقوق. وتضيف: "إحساسى بأن حقوقى محفوظة دون صراع جعلنى أكثر اطمئنانًا للحياة معه".

داليا: كشفت اختلافًا أعمق

تحكى داليا أن الخلاف حول "القائمة" كان السبب الرئيسى فى إنهاء خطوبتها، بعد رفض خطيبها السابق كتابتها واعتبارها إهانة وتشكيكًا فى نواياه.
وتقول: إنها حاولت إقناعه بأنها إجراء اجتماعى لحفظ الحقوق، لكنه ظل متمسكًا برفضه لأنه لا يقبل بدء حياته تحت ضغط "ورقة".
ومع استمرار النقاشات أدركت أن الأزمة أعمق من "القائمة"؛ وتمس طريقة التفكير وتحمل المسئولية. 

وتؤكد أن التجربة، رغم ألمها، كشفت لها مبكرًا عدم التوافق الحقيقي، معتبرة أن القائمة كانت نقطة فرز جنّبتها خسائر أكبر.

شيماء: لا تضمن الحب

ترى شيماء أن "القائمة" جزء من تقاليد الزواج، لكنها ليست ضمانًا حقيقيًا كما يعتقد البعض، فحين تنهار العلاقة تفقد الأوراق قيمتها أمام الخسائر النفسية والإنسانية.

وتقول: "حين تستحيل العِشرة، تصبح النجاة بالنفس أهم من أى حقوق مادية". وتضيف: أن والدها كتب قائمة طويلة لضمان حقوقها، لكنها لم تضمن لها الحب أو حسن المُعاملة.

وتروى أنها عندما طلبت الانفصال بهدوء، رفض زوجها الطلاق إلا بعد التنازل عن القائمة، ولأنها لم تكن قادرة نفسيًا على خوض نزاعات قضائية، تنازلت عنها لإنهاء العلاقة.

وترى اليوم أن "القائمة" قد تتحول أحيانًا إلى ورقة ضغط تُفقد الزواج معناه الحقيقي.

أحمد: كابوس الزواج

يقول أحمد عادل، موظف: إن من اخترع فكرة "القائمة" غاب عنه تطور الحياة، وإنها أصبحت فى بعض الحالات وسيلة ضغط على الشباب بدل أن تكون ضمانًا للحقوق، مشيرًا إلى أنها تحولت مع الوقت إلى ورقة قد تُستخدم فى فرض الأمر الواقع على الزوج.

ويضيف: أن هذه الفكرة فقدت مضمونها الحقيقى فى العصر الحديث، وأصبحت - من وجهة نظره - عبئًا نفسيًا وقانونيًا، إذ تجعل الزوج يشعر بالغربة داخل بيته عند أول خلاف، خاصة مع تدخل الأهل الذى يزيد من حدة الأزمات. ويرى أن ذلك كله يساهم فى عزوف بعض الشباب عن الزواج فى ظل الضغوط المعيشية المتزايدة.

محمود: وسيلة قهر للزوج

يقول محمود عبد الكريم، بائع: إن فكرة القائمة تقوم على سوء الظن منذ البداية، متسائلًا: "من يضمن حق الزوج إذا كانت الزوجة سيئة الطباع؟" ويؤكد أن الزواج شراكة تقوم على حسن النية لا على التشكيك.

ويرى أن القوانين الحالية - بحسب وصفه - تميل لصالح طرف دون آخر، معتبرًا أن الجمع بين قائمة المنقولات والخلع قد يُستخدم أحيانًا كوسيلة ضغط على الشباب، مما يحوّل الزواج إلى عبء بدلاً من أن يكون علاقة مودة.

صابر: المهر هو الحل

ويؤكد أحمد صابر، طالب، أن الحل يتمثل فى العودة إلى صيغة أبسط تقوم على المهر وتجهيز البيت باتفاق واضح بين الطرفين، بما يضمن حقوق الجميع دون تعقيداتٍ إضافية، مع التأكيد على أن حسن العِشرة هو الأساس الحقيقى للزواج.

إعادة بناء الوعى

ويرى عدد من الخبراء أن أزمة "قائمة المنقولات الزوجية"؛ أعمق من مجرد ورقة قانونية أو بند فى عقد الزواج، بل تمتد إلى بنية اجتماعية وتشريعية رسخت منذ البداية منطق الشك، وأعادت تعريف الزواج باعتباره ساحة لتبادل الحقوق أكثر من كونه علاقة إنسانية تقوم على المودة والرحمة.

وفى هذا السياق، تؤكد الدكتورة هالة منصور، أستاذة علم الاجتماع، أن التحدى الحقيقى أمام الأسرة المصرية لا يرتبط بالقائمة وحدها، بل بمنظومة قانون الأحوال الشخصية التى - بحسب وصفها - تكرّس سوء النية من اللحظة الأولى للعلاقة الزوجية، وتدفع كل طرف للتعامل مع الآخر باعتباره خصمًا مُحتملًا.

وتشير منصور إلى أن غياب حسن النية كقاعدة تشريعية واجتماعية، جعل التفكير فى الزواج ينحصر داخل معادلات "المؤخر والقائمة والضمانات"، بدلًا من بناء علاقة سوية قائمة على الثقة.

كما تحذر من أن المشكلة لا تتوقف عند القانون، بل تمتد إلى غياب التأهيل النفسى والاجتماعى للمقبلين على الزواج، حيث يدخل كثير من الشباب الحياة الزوجية بصورة مثالية غير واقعية، ثم يصطدمون بواقع مختلف يؤدى سريعًا إلى التوتر والانفصال.

وترى أن الحل يبدأ من إعادة بناء الوعى قبل الزواج، عبر برامج تأهيل إلزامية، وقانون يعيد الاعتبار لفكرة الأسرة ككيان قائم على المودة والرحمة، لا على الشكوك والضمانات المُتبادلة.

"طلاق الضرر"

يؤكد الدكتور نبيل حسن، أستاذ القانون الجنائى بكلية الشرطة، أن الحل الأمثل لأى خلافات زوجية يظل فى "الحل الودى وما اتفق عليه الطرفان"، خاصة فى ظل ما يشهده المجتمع من ارتفاع واضح فى نسب العزوف عن الزواج، إلى جانب زيادة معدلات الطلاق، وهى ظواهر - بحسب وصفه - تتداخل فيها عوامل اجتماعية وقانونية واقتصادية، من بينها: الجدل المستمر حول "قائمة المنقولات الزوجية".

فى حكم «إيصال أمانة»

ويشير إلى أن القانون المصرى يتعامل مع "القائمة" باعتبارها فى حكم "إيصال أمانة" فى ذمة الزوج، وهو ما يجعل أى تبديد لها جريمة يعاقب عليها القانون بالحبس لمدة قد تتراوح بين 24 ساعة وتصل إلى ثلاث سنوات، الأمر الذى ضاعف من حساسية الملف داخل العلاقات الزوجية، وحوّلها فى بعض الحالات إلى مصدر توتر مبكر قبل اكتمال بناء الأسرة.

ويضيف أن الإشكالية لا تتوقف عند القائمة وحدها، بل تمتد إلى بعض النصوص المنظمة للعلاقة الزوجية، وعلى رأسها: قانون الخلع، الذى يرى أنه - فى صورته الحالية - قد أفرغ بعض جوانب الزواج من مضمونها التوافقي، خاصة مع استمرار استحقاق الزوجة للقائمة فى حالات الخلع أو طلاق الضرر، وهو ما يراه البعض تعارضًا مع روح الشريعة الإسلامية التى تقوم على التوازن بين الحقوق والواجبات.

ويوضح حسن: أن بعض المحاولات الفردية من الشباب لتجاوز هذه الإشكالية اتجهت إلى حلول توافقية، مثل: إدراج "القائمة" ضمن المؤخر، أو النص على عدم استحقاقها إلا فى حالات محددة مثل: طلاق الضرر أو الوفاة، معتبرًا أن هذا الطرح يستند إلى مبدأ "العقد شريعة المتعاقدين"، إلا أنه يظل محدود الفاعلية فى ظل تعقيدات الإثبات والإجراءات القضائية المرتبطة بالضرر.

ويشير إلى أن جذور الأزمة تعود إلى ما يصفه بـ "العوار التشريعي" فى قانون الأحوال الشخصية الحالي، وهو ما يستدعى - من وجهة نظره - إطلاق حوار مجتمعى شامل يضم القضاة والقانونيين ورجال الدين، إلى جانب خبراء الاجتماع، والأهم الشباب أنفسهم، سواء المقبلون على الزواج أو من مروا بتجارب طلاق فعلية، بهدف صياغة رؤية قانونية أكثر توازنًا.

ويؤكد أن الهدف النهائى يجب أن يكون حماية كيان الأسرة من التفكك، وإعادة بناء منظومة قانونية تُعلى من قيمة الاستقرار الأسري، وتقلل من النزاعات التى تتحول مع الوقت إلى قضايا قضائية مُعقدة تُضعف من روح الزواج ذاتها.

الرباط المقدس 

يؤكد د. إبراهيم رضا، من علماء الأزهر الشريف، أن التوجهات السابقة فى صياغة بعض مواد قانون الأحوال الشخصية، والتى استهدفت تحقيق "مكتسبات للمرأة"، أفرزت - بحسب وصفه - نتائج عكسية غير مقصودة، وأسهمت فى تعميق الجدل حول "قائمة المنقولات الزوجية"، بما أدى إلى تحويل العلاقة الزوجية من رابطة قائمة على المودة والرحمة إلى ما يشبه "الصفقة" القائمة على تبادل الحقوق والمكاسب.

ويشير إلى أن هذا التحول ساهم فى إضعاف جوهر الحياة الزوجية، بل وأدى فى بعض الحالات إلى سوء فهم لطبيعة الزواج، بحيث بات يُنظر إليه كعقد مالى أكثر منه "ميثاقًا غليظًا" يقوم على السكن والاستقرار.

ويرى رضا أن المشكلة الأساسية تعود إلى الإطار القانونى الحالى الذى - من وجهة نظره - يعامل الزواج كعلاقة أقرب إلى الشراكة التجارية، وهو ما يتعارض مع المقصد الشرعى من الزواج.

ويضيف: أن الحل لا يكمن فقط فى تعديل جزئي، بل فى إعادة صياغة شاملة لقانون الأحوال الشخصية، وهو ما يتبناه الأزهر الشريف - بحسب قوله - من خلال الدعوة إلى قانون جديد يعيد الاعتبار لمبدأ "المودة والرحمة" بدلًا من منطق "المصالح والصفقات".

وفيما يتعلق بـ "قائمة المنقولات"، يوضح أنها ليست أصلًا شرعيًا، بل عُرف اجتماعى تطور عبر الزمن، ويُنظر إليها قانونيًا باعتبارها "إيصال أمانة" لضمان حقوق الزوجة، دون أن ترتبط مباشرة بمسألة الخلع أو الطلاق من حيث الحكم الشرعي.

ويؤكد أن الأصل فى الفقه الإسلامى أن الزوج هو المسئول عن تجهيز بيت الزوجية، غير أن الأعراف الاجتماعية فى بعض المجتمعات أدخلت المرأة كشريك فى التجهيز، وهو أمر - من وجهة نظره - جائز ما دام قائمًا على التراضى والتوازن لا الإلزام والخصومة.

ويشدد على ضرورة التدخل التشريعى "بشجاعة وموضوعية"، عبر مراجعة قانون الأحوال الشخصية مراجعة دقيقة، بهدف الوصول إلى منظومة قانونية أكثر اتزانًا، تحمى الأسرة من التفكك، وتعيد الاعتبار لجوهر الزواج كعلاقة إنسانية قبل أن يكون عقدًا قانونيًا أو ماليًا.

 
 
 
 
 
 
 
 

الكلمات الدالة

 
 
 
 
 

مشاركة