د. عادل ضرغام
د. عادل ضرغام


يوميات الاخبار

الثقافة المصرية وتهافت النخبة

الأخبار

الأحد، 07 يونيو 2026 - 07:57 م

يكتبها اليوم :د. عادل ضرغام

الثقافة المصرية لها وضع خاص، فهى فى تشكيل نماذجها لا تخضع لمعاينة المنجز الكتابى أو الإبداعى أو الأثر الثقافى، وإنما تخضع لأشياء عديدة .

من المقولات الشائعة فى السياق الثقافى تلك المقولة (إذا أردت أن تصنع شعبا يعانى اغترابا ثقافيا، فاصنع له نخبة ثقافية لا تستحق). وفى ظلّ صناعة نخبة لا تستحق لانحيازها غير الأخلاقي، ولضآلة منجزها وتأثيرها الغائب تغيب النخبة الحقيقية، أو بشكل قد يكون أكثر صحة يتعرّض منجزها للتغييب، ويتعرّض دورها للإقصاء، ومن ثم تشعر بأن هناك جيلا كاملا من الأجيال لم يصل أفراده إلى المساحة أو المكانة التى ارتادها أساتذته، وغياب النخبة من هذا الجيل ليس طبيعيا، وإنما متعمد لتوجيه الدفة نحو أناس لا يستحقون هذه المكانة. ويبدو أن هذا الخلل كان صاحب الأثر الأكثر سلبية فى الثقافة المصرية.    
وهذا يجعلنى أشير إلى أن الثقافة المصرية لها وضع خاص، فهى فى تشكيل نماذجها لا تخضع لمعاينة المنجز الكتابى أو الإبداعى أو الأثر الثقافى، وإنما تخضع لأشياء عديدة، منها سياسات التبجّح التى يمارسها البعض، خاصة عند الكتّاب الذين لا يزالون فى بداية حياتهم. فقد أصبح من الطبيعى الآن أن تجد كاتبا، ناقدا أو شاعرا أو قاصا أو روائيا لم يصدر سوى عمل واحد، ويتعامل مع الناس فى جلسته أو فى حديثه على أنه شخص مهم ومؤثر فى مجاله، وعلى أنه قطب من أقطاب الثقافة المصرية.
بعض هؤلاء الكتّاب يختلقون حكايات وأحداثا يمكن أن تكون مؤثرة فى تثبيت هذه الصورة داخل الوسط الثقافي، فنسمعهم يحكون حكايات تثبت وجودهم اللافت فى سياقهم الثقافي، بل وقدرتهم فى توجيه بوصلة هذه الثقافة. ويقومون، بالإضافة إلى ذلك باختلاق شهادات فنية عن أعمالهم من نماذج إبداعية مؤسسة، ومع تكرار هذه الشهادات تخفت الآراء المناوئة لعملهم، لأن أصحاب هذه الآراء- فى مقابل شهادات الكبار- يقلّ حضورهم، ويبدون شريحة هامشية لم تستطع أن تدرك قيمة ما أنجزه هؤلاء المدّعون، ولم يهتدوا إلى الأفكار الكبرى المتوارية فى نصوصهم، ولم يقدروها حق قدرها.
هؤلاء الذين لا يزالون فى بداية طريقهم يستعجلون الوصول إلى الصور المتخيلة أو المنجزة لدى آخرين كبار، فبعضهم بعد أن يكتب رواية أو ديوان شعر، نالا بعض مديح، تجده يتحرّك كأنه كاتب كبير، ولا يجد صعوبة فى تقليد الكتّاب الكبار أصحاب المنجز فى الحركة وطريقة الحديث وارتداء القبعة. وبعض الشباب- خاصة فى حقل النقد الأدبي- ربما لم يشارك إلا فى مؤتمر وحيد، لكنه يجد فى نفسه القدرة أن يتحدث وينظّر عن النقد الأدبى ومدارسه ونظرياته ومناهجه، وكأنه صاحب تاريخ ممتد. والإشارة إلى مثل هذه النماذج لا تأتى للتسلية أو الانتقاص، وإنما تأتى فى سياق محاولة للتنبيه على قيمة التروّى والتقاط الأنفاس، والعمل بجد على المشروع الأدبى دون اهتبال التفاهة المتسرعة.
سيولة الوسيط
ولا يمكن أن نفصل آليات التبجح التى يقوم بها بعض الشباب فى بداياتهم الأدبية عن السياق الحضارى الذى نعيشه. فالسياق الحضارى الذى نعيشه بداية من العقدين الأخيرين، كفل لكل شخص يملك حسابا على أية وسيلة تواصل اجتماعى مساحة يطلّ منها على الناس، يستطيع أن يكتب وينشر ما يريد من فنون أدبية مختلفة، بالإضافة إلى الحرية التى يكفلها لهذا الشخص لتصنيف ما يكتبه دون مساءلة، أو دون إدراك لحدود النوع الأدبى وطبيعته.
وإذا كانت هذه السياقات الجديدة أتاحت للجميع نافذة للكتابة والنشر دون وعى حقيقى بأسس الكتابة، ودون وعى بآليات وخصوصية التصنيف بين الأنواع الأدبية المختلفة، فإن ما يتجاوب مع هذه الحالة من نتائج أخرى مثل التعليقات التى يحصل عليها، يمكن أن يؤدى دورا أكثر ضررا، لأن هذه التعليقات لا تخلو من خطأ ولا تخلو من صواب، ولا تخلو أيضا من مساحات المجاملة الكبيرة دون نقد بصير أو مساءلة حقيقية. إن بعض هذه التعليقات يمكن أن يحدث نوعا من الإرباك للشخص الذى ينشر ما يكتبه على وسائل التواصل الاجتماعي، لأنها يمكن أن تؤدى إلى شعور بالقيمة وشعور بالعظمة غير المبررة، ومن ثمّ يتولّد معهما شعور بالتبجّح يتجلّى فى مظاهر عديدة.
سياسات التبعية
وثمة اتجاه آخر يتوجه إليه بعض المثقفين فى بداياتهم التى قد تأخذ مدى زمنيا كبيرا، لإشعار البشر المحيطين بقيمة ما ينجزون، وهؤلاء قد لا يملكون مساحة واسعة من مساحات التبجح السابقة، لكنهم يصلون إلى ما يريدون من خلال الالتصاق والحركة والدوران فى حدود وظلّ بعض النماذج المشعّة والمؤسسة فى ثقافتنا المصرية، ويكتسبون بدورانهم فى فلك هذه النماذج شيئا من وجودهم وبريقهم. وأعتقد أننا جميعا نرى هؤلاء الأفراد بعد وفاة النموذج أو النماذج التى يستندون إليها، خاصة إذا كان هؤلاء الأفراد المتسسلّقون لا يملكون موهبة أو قيمة تجعلهم قادرين على الاستمرار محافظين على المكانة أو المساحة التى اقتطعوها بوجودهم بجوار النماذج الكبرى ومساعدتهم المستمرة لهم.
وهؤلاء الأفراد لحاجتهم المستمرة إلى سند يستقوون به، تجدهم غالبا يسدلون بعض الصفات التى تحمل الكثير من التعميم حين يصفون نماذجهم، بشكل لا يقبله المنطق، وكأنهم بهذا التوجّه يسددون دينا فى أعناقهم لسندهم، ويقدمون إسهامهم المجاوز للمنطق فى بنك رد الجميل. وقد رأينا على امتداد عدد من السنوات واحدا من هؤلاء ينتقل من سند إلى سند آخر، وكيف يلقى على كل سند منهم مجموعة من الصفات لا تخلو من الإفراط فى المدح، وإن كان جزء من دلالتها موجودا ومتحققا فى هذه النماذج.
يفقد هؤلاء الأفراد الكثير من قيمتهم ووجودهم بفقدان السند، لأن من يذلّل لهم العقبات داخليا وخارجيا فى الوجود، وفى النشر لم يعد موجودا، ومن ثم يجدون أنفسهم مدفوعين بشكل سريع إلى البحث والتعلّق بسند آخر. فهؤلاء لم يتعودوا أن يواجهوا الحياة بمفردهم وبجهدهم. فى بعض الأحيان تكون نظرتك إليهم مملوءة بالشفقة، ولكن فى أحيان ليست قليلة تكون معجبا ومتأثرا بالعدل الذى يبدع إبداعا لافتا فى تخليص الحياة الثقافية من نماذج هشة لا قيمة لها، تعودت الانحناء فى إطار من التبعية المتأصل فى نفوسهم.
سياسات النفخ فى الصورة
بعض النماذج المصرية- وهى نماذج متوسطة القيمة والإنجاز- تعلى من قيمة دورها بالتكرار الذى يكتسب نوعا من المشروعية أمام صمت الناس وخجلهم. فبعض هؤلاء يعظّم من قيمة دوره المحدود، أو قيمة ندوته الأسبوعية التى يتقوّت بها بشكل أو بآخر من خلال المصريين أو العرب، لدرجة أن هناك همسا واضحا يشير إلى ذلك. صحيح أن هذه الندوات لها دور إيجابي، خاصة مع الكتّاب فى بداية حياتهم، لأنها ربما تكون المنفذ الوحيد الذى يطلّون منه على الحياة الثقافية فى مصر بإيقاعها اللاهث.
لكن خطر مثل هذه الندوات فى ظل وجود محاولة من أصحابها النفخ فى دورها، وإصرارهم المتبجّح فى تشييد أثر غير موجود، يتمثل فى محاولتها غير المبررة فى تعظيم شأن المنتمين إليها مبدعين ونقادا دون وجود إسهام أو إبداع حقيقي. فتعظيم الدور حتى يصل إلى ادعاء بعضهم أن هذه الندوة أصبحت مؤسسة أو اكتسبت وجودا أكاديميا له قدرة على إنتاج وتصدير مبدعين ونقاد، أمر لا يمكن التسليم به، أو الإصغاء لمن يرددونه، ويعملون على دورانه وانتشاره فى كل مكان.
التسليم بمثل هذه المقولات التى لا يملّ أصحابها من تكرارها مستندين إلى خجل البعض، أو مستغلين مساحة إفادة شائهة يحصل عليها بعض المتهافتين، يمكن أن يؤدى إلى نتائج غاية فى السوء، لأنها تكوّن إطارا حاميا لمرتادى هذه الندوة، وتعطيهم وجودا فائضا أو سابقا عن الآخرين. والصواب أن يتمّ تقييم هذه الندوات تقييما جديا لا يخلو من مساءلة مستمرة، ولا يلقى بالا أو ينصت باهتمام إلى إلحاح البعض بالحكم الجاهز عليها دون تفسير واضح، أو دون إشارة إلى قيمة المنجز، أو إلى قيمة الأثر دون تقصٍّ كامل لحدود وآليات اشتغالها .

 
 
 
 
 
 
 
 

الكلمات الدالة

 
 
 
 
 

مشاركة