حمدى أبو جليل
حمدى أبو جليل


حمدى أبو جليل .. سرديات التمرد ضد المركز

من البادية إلى الهامش الحضرى

أخبار الأدب

الأحد، 14 يونيو 2026 - 10:37 ص

د. نيفين النصيرى

استهلّت «الكتب خان» احتفالاتها بمرور عشرين عاماً على تأسيسها بندوة خُصصت لمناقشة أعمال الكاتب الراحل حمدى أبو جليل، بمشاركة نخبة من المثقفين والقراء، إلى جانب أسرته وأصدقائه. وبهذه المناسبة أعدت د. نيفين النصيرى دراسة مفصلة عن عالمه السردى، ننشر هنا جزءا منها.

حين نفقد كاتبًا بحجم حمدى أبو جليل، لا نفقد مجرد صاحب أعمال أدبية مهمة، بل نفقد صوتًا جعل من الحكايات الصغيرة مادة لفهم التحولات الكبرى، ومن تفاصيل الحياة اليومية مدخلًا لقراءة المجتمع المصرى فى تعقيداته وتناقضاته. ولذلك فإن الحديث عنه اليوم لا ينتمى فقط إلى سجل الرثاء أو الاحتفاء، بل يدخل أيضًا فى إطار محاولة فهم مشروع أدبى ظل، على امتداد أكثر من عقدين، يعيد طرح أسئلة الذاكرة والسلطة، والهوية، والانتماء.
وقد كتبت هذه الدراسة بمناسبة الدعوة الكريمة التى تلقيتها من السيدة كرم يوسف للمشاركة فى الاحتفالية التى نظمتها دار نشر ومكتبة «كتب خان» بالمعادى، احتفاءً بمرور عشرين عامًا على تأسيس هذا الفضاء الثقافى الذى لعب دورًا مهمًا فى دعم الأدب المصرى المعاصر والأصوات الإبداعية المستقلة. كما تأتى هذه المداخلة فى الذكرى الثالثة لرحيل حمدى أبو جليل، الأمر الذى يجعلها تجمع بين الاحتفاء بمسيرة مؤسسة ثقافية رائدة والاحتفاء بكاتب ترك بصمة بارزة فى المشهد الأدبى المصرى والعربي.
لقد شغل حمدى أبو جليل موقعًا فريدًا فى المشهد الأدبى المصرى والعربى المعاصر. فمنذ مجموعته القصصية الأولى أسراب النمل، مرورًا برواياته لصوص متقاعدون، والفاعل وقيام وانهيار الصاد شين، وصولًا إلى أعماله التى تمزج بين التأريخ الاجتماعى والسيرة الذاتية مثل القاهرة شوارع وحكايات، ظل منشغلًا بمناطق ظلت طويلًا خارج المركز الثقافى والأدبى، وبشخصيات لم تكن تحظى غالبًا بموقع البطولة فى السرد المصرى التقليدي. عمل كذلك فى الصحافة الثقافية، وأسهم فى الحياة الأدبية، كما عُرفت كتاباته بقدرتها على الجمع بين الحس السردى الرفيع والرؤية النقدية الحادة تجاه المجتمع والسلطة والتاريخ.

من تمثيل الهامش إلى إنتاج المعرفة
إذا أردنا أن نضع مشروع حمدى أبو جليل داخل تاريخ الرواية المصرية المعاصرة، فإن أول ما ينبغى تجاوزه هو القراءة التى تختزله فى كونه «كاتب الهامش». فهذا الوصف، على الرغم من شيوعه، لا يكشف سوى جانب محدود من مشروعه السردي. صحيح أن معظم أعماله تدور حول البدو والعمال والمهاجرين وسكان العشوائيات والفئات التى بقيت بعيدًا عن مركز السلطة الثقافية والاجتماعية، إلا أن أهمية مشروعه لا تكمن فى اختيار هذه الموضوعات فحسب، بل فى الطريقة التى أعاد بها تعريف موقعها داخل السرد. إنه لا يكتب عن الهامش من الخارج، بل يكتب من داخله، ويجعل منه موقعًا لإنتاج المعرفة وفهم المجتمع. فبدل أن تكون الرواية أداة لشرح الهامش للمركز، تصبح وسيلة لإعادة النظر فى المركز نفسه من خلال الهامش. وهذا ما يجعل أعماله تتجاوز الواقعية الاجتماعية التقليدية لتدخل فى حوار عميق مع الأسئلة التى شغلت الدراسات الثقافية خلال العقود الأخيرة.
إذا استعرنا مفهوم إدوارد سعيد حول العلاقة بين المركز والأطراف، يمكن القول إن حمدى أبو جليل يقف فى الجهة المقابلة تمامًا للمنطق الذى وصفه سعيد فى الاستشراق. فقد بين سعيد كيف تنتج المراكز السياسية والثقافية صورًا عن الآخرين، ثم تقدم تلك الصور بوصفها حقائق موضوعية. وبهذه الطريقة يحتكر المركز حق التمثيل والتفسير والكلام. فى أعمال أبو جليل نرى عملية معاكسة. فالمهمشون لا يظهرون بوصفهم موضوعات للنظر، بل بوصفهم ذواتًا ناظرة. ومن هذا المنظور تكتسب شخصياته أهمية خاصة. فالبدوى، أو العامل أو المهاجر أو ساكن العشوائية لا يُقدَّم بوصفه نموذجًا اجتماعيًا أو حالة إحصائية، بل بوصفه حاملًا لرؤية مختلفة تجاه التاريخ والمكان والسلطة. وهذه النقطة تحديدًا هى التى تجعل مشروعه قريبًا من سؤال غاياترى سبيفاك الشهير: «هل يستطيع التابع أن يتكلم»؟ لكن الإجابة التى يقدمها أبو جليل تختلف عن كثير من الإجابات النظرية. فالمهمشون عنده يتكلمون بالفعل. غير أن المشكلة ليست فى غياب الصوت، بل فى غياب الإصغاء. إنهم يتكلمون عبر الحكاية الشعبية، والنكتة، واللغة اليومية، والذاكرة الشفاهية، والشتيمة، والسخرية. إنهم يتكلمون بلغتهم الخاصة، لا باللغة التى ينتظرها المركز منهم. ولهذا فإن أحد أهم إنجازات أبو جليل يتمثل فى أنه يعيد الاعتبار لأشكال التعبير التى غالبًا ما تستبعدها الثقافة الرسمية من دائرة المعرفة المشروعة. فالحكاية الشفاهية، والذاكرة الشعبية، واللهجة المحلية، كلها تتحول فى نصوصه إلى مصادر للمعرفة لا تقل أهمية عن الوثائق أو السرديات الرسمية» 
كما ان أبو جليل لا يكتب القاهرة كما تظهر فى الخرائط الرسمية أو فى خطاب الدولة، بل كما يعيشها العمال والمهاجرون وأبناء الأطراف. إن القاهرة عنده ليست مدينة المؤسسات الكبرى بقدر ما هى مدينة الأزقة والحارات وورش العمل والمقاهى والشوارع الخلفية. إنها مدينة تُرى من أسفل. ولهذا فإن كتاباته عن القاهرة لا يمكن فصلها عن كتاباته عن البادية أو الهجرة أو العمالة المؤقتة. 
 ومن هذا المنظور تصبح السخرية وسيلة لفهم العالم بقدر ما هى وسيلة لمواجهته. إن الضحك فى عالم أبو جليل لا يلغى الألم، بل يكشفه. والسخرية لا تخفف من قسوة الواقع، بل تجعل هذه القسوة أكثر وضوحًا. ولعل هذا ما يفسر حضورها الكثيف فى جميع أعماله تقريبًا. وبهذا المعنى فإن مشروعه لا يكتفى بإضافة أصوات جديدة إلى السرد المصرى، بل يعيد تعريف ما يُعد معرفة أصلًا. ومن هنا يمكن الانتقال إلى الرواية التى شكلت بالنسبة لى المدخل الأول إلى عالمه السردى كله: لصوص متقاعدون، الرواية التى كتبت عنها أول دراسة نقدية باللغة العربية فى حياتى، والتى أرى اليوم أنها تحتوى بصورة مبكرة معظم الأسئلة التى سترافق مشروعه الأدبى فيما بعد.

«لصوص متقاعدون»  
تأسيس سردية الهامش الحضري
أود أن أبدأ هذه القراءة من الذاكرة، لا لأننا نحتفى اليوم بكاتب رحل فقط، بل لأن الذاكرة نفسها تمثل أحد المفاتيح الأساسية لفهم مشروع حمدى أبو جليل السردي. فالعودة إلى أعماله اليوم هى فى الوقت نفسه عودة إلى أسئلة ظلت تشغلنى طوال مسيرتى النقدية، وإلى بداياتى الأولى فى الكتابة عن الأدب العربى المعاصر. ولهذا فإن علاقتى بنصوص حمدى أبو جليل ليست علاقة قارئة أو ناقدة فحسب، بل هى أيضًا علاقة ذاكرة، بمعنى أن تجربتى النقدية نفسها ارتبطت منذ وقت مبكر بظهور هذا المشروع الروائى الذى سيصبح لاحقًا واحدًا من أهم المشاريع السردية فى الرواية المصرية المعاصرة.
فى عام ٢٠٠٢، وبعد حصولى مباشرة على درجة الدكتوراه فى الأدب الفرنكوفونى من جامعة مونتريال، كتبت أول مقالة نقدية لى عن روايته لصوص متقاعدون. كانت تلك المقالة، فى كثير من الوجوه، بداية مسيرتى النقدية فى مجال الأدب العربى المعاصر. ولم أكن أعرف آنذاك أن هذا النص سيصبح بداية علاقة طويلة مع عالم حمدى أبو جليل السردى، ولا أن صاحبه سيصبح لاحقًا صديقًا ألتقيه كلما عدت إلى القاهرة. وكان حمدى يذكرنى دائمًا بهذه المصادفة الجميلة؛ فكلما التقينا كان يستقبلنى بابتسامته الساخرة المعهودة قائلًا: «أهى ناقدتى الأولى» . كان يقولها بخفة ظل، لكنها كانت تحمل فى طياتها ذاكرة مشتركة تربط بين بدايات مشروعه الروائى وبداياتى النقدية. ولهذا فإن العودة إلى أعماله بعد رحيله تبدو بالنسبة لى أيضًا عودة إلى لحظة تأسيسية فى تجربتى الفكرية والشخصية.
عندما أعود اليوم إلى تلك المقالة الأولى، أجد أن كثيرًا من الملاحظات التى سجلتها آنذاك كانت تشير بصورة مبكرة إلى العناصر التى ستصبح لاحقًا جوهر مشروع حمدى أبو جليل السردي. فقد كتبت يومها أن الرواية «مغامرة تتلاشى فيها الحدود بين الواقع والخيال»، وأدرك الآن أن هذه العبارة لا تصف رواية لصوص متقاعدون وحدها، بل تكاد تختصر عالم أبو جليل بأكمله. فهو لم يكتب يومًا عن الواقع بوصفه مادة خامًا يمكن نقلها مباشرة إلى النص، كما لم يتعامل مع الخيال باعتباره فضاءً منفصلًا عن التجربة المعيشة. بل كان يكتب دائمًا فى تلك المنطقة الرمادية التى تتداخل فيها الحكاية بالتاريخ، والذاكرة بالخيال، والتجربة الفردية بالسرد الجماعي. ومن هنا تبدو نصوصه أقرب إلى عملية إعادة بناء مستمرة للواقع من خلال الذاكرة والحكاية، لا إلى مجرد تسجيل أو توثيق له.
تمثل رواية لصوص متقاعدون، فى تقديرى، لحظة تأسيسية داخل مشروعه الأدبي. فهى الرواية التى ظهرت فيها بصورة مبكرة معظم الأسئلة التى سترافقه لاحقًا: سؤال الهامش، وسؤال المدينة، وسؤال الذاكرة، وسؤال السلطة، وسؤال العلاقة المعقدة بين السخرية والألم. تدور أحداث الرواية فى حى منشية ناصر، ذلك الحى الذى ظل طويلًا حاضرًا فى المخيال المصرى بوصفه رمزًا للعشوائية والفقر والتهميش. غير أن أبو جليل لا يتعامل مع المكان بوصفه مجرد خلفية للأحداث أو إطارًا اجتماعيًا محايدًا، بل يحوله إلى عالم اجتماعى وثقافى كامل، له منطقه الخاص وشخصياته وعلاقاته وتوتراته الداخلية. ومن هنا تكمن أهمية الرواية. فهى لا تقدم العشوائية باعتبارها مشكلة اجتماعية تحتاج إلى تفسير أو إصلاح، بل تقدمها بوصفها فضاءً للحياة، وموقعًا لإنتاج المعنى، وعالمًا يمتلك منطقه الخاص. إن شخصيات الرواية لا تُختزل فى فقرها أو تهميشها، بل تظهر بوصفها ذواتًا معقدة، تحمل أحلامها وخيباتها وتناقضاتها، وتعيش داخل شبكة كثيفة من العلاقات الإنسانية والاجتماعية. ولهذا فإن الرواية ترفض بصورة ضمنية كثيرًا من الصور النمطية التى ارتبطت بتمثيل الفئات الشعبية فى الأدب المصرى، سواء تلك التى تنظر إليها بعين الشفقة أو تلك التى تحولها إلى نماذج رمزية مجردة. وقد لفت انتباهى منذ قراءتى الأولى تعدد الأصوات داخل الرواية وتداخل صوت الراوى مع أصوات الشخصيات الأخرى. واليوم أرى أن هذه المسألة تتجاوز بعدها التقنى لتصبح جزءًا من الرؤية الفكرية والجمالية للنص. فالرواية عند أبو جليل لا تقوم على وجود صوت مركزى يمتلك الحقيقة ويشرح العالم من موقع علوى، بل تقوم على تعدد الأصوات والرؤى والتجارب. ومن هنا يمكن قراءة الرواية فى ضوء مفهوم ميخائيل باختين حول البوليفونية الروائية، أى تعدد الأصوات المستقلة داخل النص السردي. غير أن هذا التعدد يكتسب عند أبو جليل خصوصية محلية واضحة، إذ تتداخل فيه الحكاية الشعبية مع النكتة، واللغة اليومية مع السرد الأدبى، والذاكرة الشفاهية مع البناء الروائي. ولا يبدو هذا الاختيار الجمالى منفصلًا عن الرؤية السياسية الكامنة وراء النص. فحين يرفض الكاتب احتكار السرد من قبل صوت واحد، فإنه يرفض ضمنيًا احتكار الحقيقة نفسها. ولهذا فإن تعدد الأصوات فى الرواية يصبح شكلًا من أشكال مقاومة المركزية الثقافية والمعرفية. إن الرواية تتيح المجال لأصوات مختلفة ومتعارضة أحيانًا لكى تتجاور داخل النص، من دون أن يسعى الراوى إلى إخضاعها لرؤية موحدة أو نهائية. 
 غير أن العنصر الأكثر حضورًا فى الرواية، فى رأيى، يظل السخرية. وقد أشرت فى مقالتى الأولى إلى المكانة المركزية التى تحتلها السخرية داخل النص، لكننى أرى اليوم أن أهميتها أكبر مما كنت أتصور آنذاك. فالسخرية عند أبو جليل ليست مجرد أسلوب تعبيرى أو وسيلة لإضفاء طابع فكاهى على الأحداث، بل هى رؤية للعالم وأداة للمعرفة فى آن واحد. إنها الطريقة التى تواجه بها الشخصيات قسوة الواقع، والوسيلة التى يكشف بها الكاتب تناقضات المجتمع والسلطة والعلاقات الإنسانية. فالضحك فى روايات أبو جليل لا يأتى فى مواجهة المأساة، بل ينبع من داخلها. وغالبًا ما يجد القارئ نفسه يضحك فى لحظات يدرك فيها حجم الألم الكامن خلف المشهد الساخر. ولهذا يمكن النظر إلى السخرية بوصفها استراتيجية للبقاء، أو ما يمكن تسميته جماليات النجاة. إنها لا تلغى المعاناة، لكنها تمنح الشخصيات القدرة على مواجهتها من دون أن تفقد كرامتها أو حسها الإنسانى. ومن خلال هذه السخرية يكشف أبو جليل هشاشة السلطة، ويفضح أوهام المركز، ويمنح المهمشين مساحة رمزية لإعادة تعريف أنفسهم خارج الصور التى فُرضت عليهم. وترتبط السخرية فى الرواية ارتباطًا وثيقًا بالذاكرة. فقد لاحظت منذ قراءتى الأولى أن النص يتمحور حول الحكايات والقصص والاستعدادات المتكررة للماضى. واليوم أرى أن هذه المسألة تقع فى قلب مشروع أبو جليل كله. فالذاكرة عنده ليست مجرد أداة لاسترجاع الماضى، بل هى المادة الأساسية التى تُبنى منها الهوية الفردية والجماعية. وهى ليست ذاكرة مستقرة أو مكتملة، بل ذاكرة متشظية ومليئة بالفراغات والانقطاعات والتناقضات، وهو ما يجعلها أقرب إلى الذاكرة الحية منها إلى السجل التاريخى المنظم. ولهذا تحضر الرواية الشفاهية بقوة داخل نصوصه، وتصبح مصدرًا أساسيًا للمعرفة والتاريخ.  لهذا أرى أن أهمية لصوص متقاعدون لا تكمن فقط فى كونها رواية عن العشوائيات أو الفقر أو التهميش الحضرى، بل فى كونها النص الذى وضع الأسس الفكرية والجمالية لمشروع أبو جليل بأكمله. ففيها ظهرت للمرة الأولى معظم الأسئلة التى ستتطور لاحقًا فى الفاعل وقيام وانهيار الصاد شين: سؤال الذاكرة، وسؤال الهامش، وسؤال اللغة، وسؤال التمثيل، وسؤال العلاقة بين السخرية والتاريخ. إنها الرواية التى بدأ فيها أبو جليل مشروعه الكبير لإعادة كتابة مصر من أسفل، ومن خلالها يمكن فهم المسار الذى سيقوده لاحقًا إلى العودة نحو الجذور البدوية والعائلية فى الفاعل، وإلى توسيع هذا الأفق فى قيام وانهيار الصاد شين نحو أسئلة الهجرة والحدود والهوية والتحولات التاريخية الكبرى.

حضور
عند العودة إلى مجمل مشروع حمدى أبو جليل السردى، يتضح أننا أمام كاتب لم يجعل من الهامش موضوعًا للتمثيل فحسب، بل حوّله إلى موقع لإنتاج المعرفة والذاكرة والتاريخ. لقد كشف أن ما يبدو عابرًا أو صغيرًا فى الحياة اليومية قد يكون أكثر قدرة على تفسير المجتمع من كثير من السرديات الرسمية. تكمن أهمية أعماله فى أنها تنقلنا إلى منطقة تسبق الأرشيف الرسمى؛ إلى فضاء الذاكرة الشفاهية والتجربة المعاشة والأصوات التى لم تُمنح مكانًا كاملًا داخل الروايات المهيمنة. ومن هنا يمكن قراءة مشروعه بوصفه أحد أبرز أشكال «الأرشيف المضاد»  فى الأدب المصرى المعاصر.
ولعل هذا ما يفسر استمرار حضوره بعد رحيله. فأسئلته ما زالت أسئلتنا اليوم: من يملك حق رواية التاريخ؟ ومن يُقصى من الذاكرة؟ وكيف تستطيع الحكايات الصغيرة أن تكشف ما تعجز السرديات الكبرى عن رؤيته؟
وأعود أخيرًا إلى عبارته التى كان يرددها ضاحكًا كلما التقينا: «أهى ناقدتى الأولى» . تبدو العبارة اليوم محمّلة بقدر كبير من الحنين. فهى تستدعى صديقًا وكاتبًا عزيزًا، كما تستدعى رحلة طويلة من القراءة والحوار والتأمل. لذلك فإن أفضل احتفاء بحمدى أبو جليل ليس أن نتذكره ككاتب للهامش، بل أن نعترف بأنه كان من أبرز من جعلوا من الهامش مركزًا للرؤية والمعرفة فى الرواية المصرية المعاصرة.
 

 

 
 
 
 
 
 

الكلمات الدالة

 
 
 
 
 

مشاركة