محمد ياسين
محمد ياسين


رؤية

محمد ياسين يكتب: أكثر من مجرد فنجان قهوة

آخر ساعة

السبت، 20 يونيو 2026 - 05:04 ص

■ بقلم: محمد ياسين

لست من رواد المقاهى ولا كانت تستهوينى جلستها، لكننى كثيرًا ما أجد نفسى أراقب ذلك المقهى الممتد أمام منزلى. أتابع حركة الداخلين والخارجين، وأرصد وجوها تحمل هموم الحياة وآمالها، وأستمع من بعيد إلى أحاديث تتقاطع فيها السياسة والرياضة وأخبار المعيشة. ومن هذا المشهد اليومى أدركت أن المقهى ليس مجرد مقاعد وطاولات متراصة، ولا «نرد وقشاط» ولكنه مساحة إنسانية تؤدى دوراً يتجاوز كثيراً فكرة الترفيه أو تمضية الوقت.

فعلى امتداد التاريخ، كان المقهى جزءاً أصيلاً من الحياة الاجتماعية، وملتقى لتبادل الآراء ومناقشة الشأن العام. وعلى طاولاته اختلطت فئات المجتمع، واختلطت خبرات المثقفين مع تجارب البسطاء، لتتشكل صورة حية لنبض الشارع بعيداً عن الرسميات والتكلف. ولذلك ظل المقهى، في كثير من الأحيان، مرآة تعكس اهتمامات الناس وتطلعاتهم ومخاوفهم.

ولسنوات طويلة كنت أظن أن الجلوس في المقاهي نوع من إهدار الوقت، قبل أن أكتشف أن البديل الذى فرضته التكنولوجيا الحديثة قد يكون أكثر استنزافًا للوقت والذهن. فكم من ساعات تضيع يوميا فى التمرير اللانهائي عبر شاشات الهواتف المحمولة، دون فائدة حقيقية أو تواصل إنساني مباشر. وبينما تمنحنا الشاشات اتصالاً افتراضياً بالعالم، فإنها كثيراً ما تسلبنا دفء الحضور الإنسانى الحقيقى.

أما المقهى فيقدم ما يمكن وصفه بالهدوء الصاخب؛ ذلك الشعور الفريد الذى يجعل الإنسان جزءاً من حياة تدور حوله دون أن يكون مطالبا بشىء. يجلس محتسياً فنجاناً من الشاى أو القهوة، يتبادل حديثاً عابراً أو يكتفى بالمشاهدة، لكنه فى كل الأحوال يشعر بأنه وسط الناس لا بعيداً عنهم. وفى هذا الونس البسيط تكمن قيمة لا تقل أهمية عن أى وسيلة للراحة أو الترفيه.

ولعل أهمية المقهى الحقيقية تكمن في كونه متنفسًا اجتماعيًا يخفف من ضغوط الحياة اليومية. فهو مساحة مؤقتة يضع فيها الإنسان جانباً أعباء العمل ومتطلبات المعيشة، ويعيد ترتيب أفكاره قبل أن يعود إلى مسئولياته من جديد. فالأمر لا يتعلق بإهدار العمر كما يعتقد البعض، بقدر ما يتعلق بحاجتنا جميعاً إلى لحظات من التوازن الإنسانى وسط إيقاع حياة يزداد سرعة وتعقيداً يوماً بعد يوم.

وفى زمن تتسع فيه المسافات بين الناس رغم تقارب الشاشات، يبقى المقهى واحداً من آخر الأماكن التى تمنحنا رفاهية اللقاء الحقيقى، وتذكرنا بأن الإنسان لا يعيش بالاتصال الرقمى وحده، بل يحتاج أيضاً إلى دفء الوجوه والأصوات والحكايات.

 
 
 
 
 
 

الكلمات الدالة

 
 
 
 
 

مشاركة