القراءة داخل المكتبات المتنقلة
القراءة داخل المكتبات المتنقلة


بناء العقول قبل المناهج.. كيف تعزز الدولة ثقافة القراءة لدى النشء والشباب؟

أحمد عيسى

الإثنين، 22 يونيو 2026 - 06:02 م

- التربية والتعليم: التوسع في البرنامج القومي لتنمية مهارات القراءة والكتابة ليشمل 6000 مدرسة بمختلف المحافظات

 

- مكتبات مصر العامة تتوسع في المكتبات المتنقلة.. وتوظف التكنولوجيا الحديثة والذكاء الاصطناعي لنشر المعرفة

 

- مؤسسة البحث العلمي: هدفنا بناء عقل متعدد المعارف وقادر على إنتاج المعرفة
المعلم المثقف: القراءة تمنح الإنسان خبرات وأعمارًا متعددة

 

لم تعد القراءة مجرد هواية أو نشاط ثقافي، بل أصبحت أداة استراتيجية لبناء الإنسان وتنمية قدراته الفكرية والمعرفية، حيث تتجه الدولة المصرية إلى تعزيز ثقافة القراءة وترسيخ مهارات التعلم والبحث لدى النشء والشباب، باعتبارها أحد أهم محاور بناء الجمهورية الجديدة وصناعة أجيال قادرة على المنافسة والإبداع.

وتعكس المبادرات والبرامج التي تنفذها المؤسسات التعليمية والثقافية، رؤية شاملة تستهدف الانتقال من مرحلة محو الأمية التقليدية، إلى بناء مجتمع منتج للمعرفة، يمتلك أفراده أدوات التفكير النقدي والقدرة على التعامل مع المتغيرات المتسارعة، في مجالات العلم والتكنولوجيا.

 

- تنمية مهارات القراءة والكتابة

 

وفي هذا السياق، يبرز التوسع في البرنامج القومي لتنمية مهارات القراءة والكتابة، إلى جانب المشروع الوطني للقراءة، وجهود مكتبات مصر العامة، كنماذج عملية لتكامل أدوار الدولة في نشر المعرفة وتوسيع فرص الوصول إليها.

وفي هذا السياق، سلّط مركز المعلومات ودعم اتخاذ القرار بمجلس الوزراء، الضوء على القضايا ذات الأولوية، ونشر المعرفة الموثقة حول جهود الدولة في بناء الإنسان المصري، وتعزيز الوعي والمعرفة باعتبارهما أحد أهم ركائز التنمية المستدامة.

 

اقرأ ايضا| خطة لإتقان القراءة والكتابة تنطلق من قلب فصول مصر القديمة

 

ونشر المركز سلسلة من الفيديوهات على منصات حساباته في مواقع التواصل الاجتماعي المختلفة، تضمنت لقاءات موسعة تستهدف ترسيخ ثقافة القراءة وتنمية مهارات القراءة والكتابة لدى الطلاب والشباب، إلى جانب استعراض جهود وزارة التربية والتعليم والمؤسسات الثقافية في توسيع نطاق الوصول إلى المعرفة، ودعم التحول نحو مجتمع قارئ ومنتج للمعرفة.

وسلطت المواد المنشورة الضوء على البرنامج القومي لتنمية مهارات القراءة والكتابة الذي تنفذه وزارة التربية والتعليم والتعليم الفني، حيث أوضحت الدكتورة هالة عبد السلام، رئيس الإدارة المركزية للتعليم العام والمشرف على مستشاري المواد الدراسية بالوزارة، أن البرنامج تم إعداده بواسطة مجموعة من الخبراء المتخصصين في اللغة العربية بالتعاون مع نخبة من أساتذة الجامعات المصرية، مؤكدة أن الوزارة بدأت أولاً بتدريب المعلمين على آليات البرنامج ومكوناته المختلفة، تمهيداً للانتقال إلى مرحلة التنفيذ الميداني داخل المدارس.

 

- خطة تشغيلية داخل كل مديرية تعليمية

 

وأشارت إلى أن البرنامج دخل بالفعل مرحلته الثالثة، موضحة أن عملية التنفيذ تطلبت إعداد خطة تشغيلية داخل كل مديرية تعليمية لتحديد آليات العمل مع الطلاب ومواعيد تنفيذ الأنشطة المختلفة. وأضافت أن الوزارة تركت مساحة من المرونة للمديريات التعليمية في وضع هذه الخطط وفقاً لطبيعة كل محافظة وظروفها، حيث فضلت بعض المديريات تنفيذ البرنامج خلال فترة مبكرة قبل بدء اليوم الدراسي من الساعة السابعة حتى الثامنة صباحاً، بينما اختارت مديريات أخرى تنفيذ الأنشطة خلال اليوم الدراسي أو في نهايته.

وأكدت أن اكتساب الطالب للمهارات الأساسية في القراءة والكتابة يمثل شرطاً ضرورياً للاستفادة من العملية التعليمية بصورة متكاملة، موضحة أن الطالب الذي لا يمتلك هذه المهارات الأساسية لن يكون قادراً على استيعاب المواد الدراسية المختلفة مثل الرياضيات والجغرافيا والتاريخ وغيرها من المواد التي تعتمد في جوهرها على الفهم والقراءة والتحليل.

وأوضحت أن بعض المديريات التعليمية لجأت إلى استغلال نهاية اليوم الدراسي لتنفيذ أنشطة البرنامج، كما سمحت الوزارة بتخصيص يومي الجمعة والسبت كمراكز لتعليم المهارات الأساسية للقراءة والكتابة، في خطوة هدفت إلى توسيع قاعدة المستفيدين من البرنامج والوصول إلى أكبر عدد ممكن من الطلاب الذين يحتاجون إلى الدعم في هذا المجال.

 

- مراحل تنفيذ البرنامج القومي

 

وأضافت أن التجربة كشفت عن اهتمام متزايد من أولياء الأمور بالبرنامج، حيث تبين بعد إعداد الاختبارات أن عدداً من أولياء الأمور الذين لا يمتلكون المهارات الأساسية للقراءة والكتابة أبدوا رغبتهم في الالتحاق بالبرنامج والتعلم إلى جانب أبنائهم، ومن ثم تم إنشاء مراكز تعليمية داخل المديريات تعمل خلال يومي الجمعة والسبت لتقديم خدمات تعليم القراءة والكتابة ليس فقط للطلاب الذين خضعوا للاختبارات القبلية، وإنما أيضاً لأولياء الأمور الراغبين في اكتساب هذه المهارات الأساسية.

كما استعرضت المادة الخطط المستقبلية الخاصة بتطوير البرنامج القومي لتنمية مهارات القراءة والكتابة، حيث أوضحت الدكتورة هالة عبد السلام أن البرنامج تم تطبيقه حتى الآن في 20 محافظة، بواقع 10 محافظات خلال المرحلة الأولى و10 محافظات أخرى خلال المرحلة الثانية. وأشارت إلى أن المرحلة الثالثة ستشهد توسعاً كبيراً في نطاق التنفيذ، من خلال استهداف المحافظات السبع المتبقية، إلى جانب العودة مرة أخرى إلى المحافظات التي شملتها المرحلتان الأولى والثانية.

وأوضحت أن المرحلة المقبلة تستهدف الوصول إلى نحو 6000 مدرسة موزعة على المحافظات السبع والعشرين، مقارنة بنحو 2000 مدرسة فقط تم استهدافها خلال المرحلتين الأولى والثانية، بما يسهم في تغطية أكبر قدر ممكن من الاحتياجات الفعلية المتعلقة بتنمية المهارات الأساسية للقراءة والكتابة لدى الطلاب في مختلف أنحاء الجمهورية.

 

- اكتشاف المواهب الخاصة لدى الطلاب وتنميتها

 

وأكدت أن البرنامج شهد خلال الفترة الأخيرة تطويرات جديدة لا تقتصر على معالجة مهارات القراءة والكتابة فقط، وإنما تمتد أيضاً إلى اكتشاف المواهب الخاصة لدى الطلاب والعمل على تنميتها ورعايتها، بما يعزز من قدرة المدرسة على اكتشاف القدرات الإبداعية للطلاب في مراحل مبكرة. كما أشارت إلى أنه سيتم تكريم المحافظات التي تحقق أعلى مستويات الجودة في تنفيذ مستهدفات البرنامج وتحقيق النتائج المرجوة منه.

 

- بناء إنسان يمتلك قاعدة معرفية واسعة

 

وتناولت المواد المنشورة أيضا المشروع الوطني للقراءة باعتباره أحد أبرز المشروعات المعرفية الهادفة إلى نشر ثقافة القراءة وتعزيز الوعي الفكري لدى مختلف الفئات العمرية، حيث أوضح الدكتور عبده إبراهيم، مدير المشروعات التربوية والجودة بمؤسسة البحث العلمي، أن المشروع يقوم على فلسفة أساسية تتمثل في منح القارئ الحرية الكاملة في اختيار الكتب التي يرغب في قراءتها، مع التأكيد في الوقت نفسه على أهمية التنوع في المجالات المعرفية التي يتناولها.

 

اقرأ ايضا| رئيس الوزراء يتفقد وحدة المكتبة المتنقلة بقرية شمّا بمركز أشمون

 

وأوضح أن المشروع يشترط على المشاركين تنويع المجالات المقروءة، بحيث يقرأ طلاب المراحل المختلفة في أكثر من مجال معرفي، الأمر الذي يضمن تكوين عقل متعدد المعارف والخبرات. وأضاف أن الهدف الرئيسي للمشروع لا يتمثل في صناعة متخصصين في مجال واحد، وإنما بناء إنسان يمتلك قاعدة معرفية واسعة تمكنه من فهم العالم من حوله والتفاعل معه بصورة أكثر عمقاً.

وأشار إلى أن القراءة المتنوعة لا تعني الاطلاع على كتب مختلفة فحسب، وإنما تعني أيضاً التعرف على مدارس فكرية وأساليب متنوعة في الكتابة والتحليل والتفكير. فالقارئ الذي يقرأ ثلاثين كتاباً في مجالات مختلفة يكون قد اطلع في الوقت ذاته على عشرات المناهج الفكرية والأساليب المعرفية، وهو ما يسهم في تكوين عقل قادر على التحليل والإبداع والإنتاج المعرفي.

 

- بناء عقل عربي مفكر ومبدع

 

وأكد أن المشروع الوطني للقراءة يستهدف الانتقال بالقارئ من مرحلة تلقي المعرفة إلى مرحلة إنتاجها، موضحاً أن التنوع المعرفي يمثل المدخل الأساسي لبناء عقل عربي مفكر ومبدع قادر على تجاوز نمط الاستهلاك المعرفي التقليدي.

كما استعرض الدكتور عبده إبراهيم آليات المشاركة في المشروع، موضحاً أن طلاب التعليم قبل الجامعي يشاركون من خلال المديريات التعليمية التابعة لوزارة التربية والتعليم، وكذلك من خلال قطاع المعاهد الأزهرية بالنسبة لطلاب الأزهر الشريف. أما بالنسبة لطلاب الجامعات والمعلمين، فيمكنهم التسجيل بصورة مباشرة عبر الموقع الإلكتروني للمشروع الوطني للقراءة وإدخال بياناتهم للانضمام إلى المسابقة.

وأشار إلى أن المشروع شهد خلال العام الحالي تطويراً في مستويات المشاركة، حيث لم يعد يقتصر على قراءة 30 كتاباً فقط كما كان الحال في السنوات السابقة، وإنما تم استحداث مستويات جديدة تتيح للمشارك الاختيار بين قراءة 30 أو 50 أو 100 كتاب وفق فئات مختلفة، بما يتيح مساحة أكبر للتنافس بين القراء وفق قدراتهم واهتماماتهم.

 

- جوائز المشروع ومنظومة التحكيم

 

وأكد أن مؤسسة البحث العلمي لا تفرض على المشاركين قوائم محددة من الكتب، وإنما تترك لهم حرية الاختيار الكاملة، انطلاقاً من إيمانها بأن القارئ هو الأقدر على تحديد المجالات والموضوعات التي تتوافق مع اهتماماته واحتياجاته المعرفية.

وتطرقت المواد المنشورة إلى منظومة التحكيم الخاصة بالمشروع، حيث أوضح الدكتور عبده إبراهيم أن مراحل التحكيم تبدأ داخل المدرسة ثم تنتقل إلى الإدارة التعليمية فالمديرية التعليمية، بينما تمر المنافسات داخل قطاع المعاهد الأزهرية بالمراحل المناظرة لها، وصولاً إلى التصفيات النهائية على مستوى الجمهورية لاختيار الفائزين في مختلف الفئات.

كما استعرض نظام الجوائز الذي يوفره المشروع، موضحاً أن الفائز بالمركز الأول في فئة القارئ الماسي المخصصة لمن يقرأ 100 كتاب يحصل على جائزة قدرها مليون جنيه، بينما يحصل الفائز بالمركز الأول في فئة القارئ الذهبي المخصصة لمن يقرأ 50 كتاباً على نصف مليون جنيه، ويحصل الفائز بالمركز الأول في فئة القارئ الفضي المخصصة لمن يقرأ 30 كتاباً على ربع مليون جنيه، إلى جانب جوائز أخرى تتدرج عبر مختلف المستويات والفئات.

 

- تجربة حسن عمران الفائز بلقب المعلم المثقف

 

وسلطت المواد المنشورة الضوء على تجربة المعلم حسن محمد عمران، الفائز بلقب المعلم المثقف في الموسم الثالث للمشروع الوطني للقراءة، والذي أكد أن العلاقة بين الإنسان والكتاب تتجاوز مجرد الحصول على المعلومات أو اكتساب الثقافة العامة، لتصبح وسيلة لاكتساب خبرات وتجارب إنسانية متعددة.

وأوضح أن القراءة تمنح الإنسان فرصة للدخول إلى عوالم مختلفة والتعرف على أفكار وتجارب الآخرين، بما يجعله قادراً على الاستفادة من خبرات لا حصر لها خلال رحلة حياته. وأضاف أن من أكثر اللحظات تأثيراً في حياة القارئ أن يمر بموقف معين فيتذكر فكرة أو موقفاً سبق أن قرأ عنه في كتاب أو رواية، ويستفيد منه في اتخاذ قرار أو فهم موقف معين.

وأشار إلى أن القراءة لا تسهم فقط في تنمية الثقافة العامة وبناء الشخصية، وإنما تفتح أيضاً آفاقاً جديدة أمام الإنسان، لافتاً إلى ظهور مفاهيم حديثة مثل العلاج بالقراءة والتشافي بالقراءة، والتي تؤكد أهمية الكتاب في تحسين جودة الحياة وتعزيز الصحة النفسية.

وأكد أن اختيار الكتاب المناسب يمثل عاملاً محورياً في تحقيق الاستفادة المرجوة من القراءة، موضحاً أن القارئ ينبغي أن يسأل نفسه أولاً عن الهدف الذي يسعى لتحقيقه من القراءة، سواء كان تطوير الذات أو تنمية العلاقات الاجتماعية أو اكتساب معارف جديدة أو التعمق في التاريخ والثقافة وغيرها من المجالات المختلفة.

 

- جهود المكتبات المتنقلة

 

كما تناولت المادة جهود مكتبات مصر العامة في دعم ثقافة القراءة والوصول بالخدمات الثقافية إلى مختلف المناطق، حيث أكد السفير رضا الطايفي، مدير صندوق مكتبات مصر العامة، أن هناك خطة طموحة للتوسع في نشر المكتبات المتنقلة بحيث تصبح متاحة في أكبر عدد ممكن من المراكز على مستوى الجمهورية.

وأوضح أن وجود مكتبة متنقلة في كل مركز سيمثل خطوة مهمة نحو الوصول إلى القرى والمناطق المرتبطة بهذه المراكز، بما يضمن إتاحة المعرفة والخدمات الثقافية لشريحة أوسع من المواطنين، خاصة في المناطق البعيدة عن المكتبات الثابتة.

وأشار إلى أن خطط التطوير لا تقتصر على التوسع الجغرافي فقط، وإنما تشمل أيضاً تطوير المحتوى والخدمات المقدمة داخل المكتبات المتنقلة، حيث يتم إجراء استطلاعات رأي دورية للتعرف على اهتمامات الأطفال والشباب ورواد المكتبات، والعمل على تلبية احتياجاتهم من الأنشطة والمواد الثقافية والتعليمية.

 

- إدخال تقنيات الواقع الافتراضي

 

وأضاف أن المكتبات المتنقلة شهدت خلال العام الحالي إدخال تقنيات الواقع الافتراضي (VR)، بما يسمح للأطفال بخوض تجارب تعليمية تفاعلية تمكنهم من استكشاف أعماق البحار أو التعرف على الفضاء والعديد من البيئات التعليمية الأخرى بصورة أكثر تشويقاً وتفاعلية.

كما أوضح أن خطط التطوير تشمل التوسع في توفير الكتب الناطقة والمسموعة، بالإضافة إلى الكتب المخصصة للمكفوفين، بما يضمن إتاحة المعرفة لجميع الفئات دون استثناء، إلى جانب تنفيذ برامج وأنشطة متنوعة تستهدف ذوي الهمم وتراعي احتياجاتهم المختلفة.

وأكد أن مكتبات مصر العامة تولي اهتماماً خاصاً بمواجهة تحدي الأمية الرقمية، من خلال تقديم برامج تدريبية متنوعة في مجالات الحاسب الآلي والتكنولوجيا الحديثة، بالتعاون مع وزارة الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات، تبدأ من برامج محو الأمية الرقمية وتصل إلى الدورات المتقدمة في تطبيقات الحاسب الآلي والذكاء الاصطناعي والرقمنة.

واختتمت المادة بالتأكيد على أن نشر ثقافة القراءة وتنمية المهارات المعرفية يمثلان استثماراً استراتيجياً في بناء الإنسان المصري، وأن تكامل جهود وزارة التربية والتعليم والمشروع الوطني للقراءة ومكتبات مصر العامة والمؤسسات الثقافية والتعليمية المختلفة يسهم في إعداد أجيال أكثر وعياً وقدرة على التعلم والإبداع، بما يدعم جهود الدولة في بناء مجتمع المعرفة ومواكبة التحولات المتسارعة التي يشهدها العالم في مجالات العلم والتكنولوجيا.

 
 
 
 
 
 

الكلمات الدالة

 
 
 
 
 

مشاركة