د.محمد سليم شوشة
عصر المعرفة
التجربة الصينية فى نقل علوم الذكاء الاصطناعى
الإثنين، 22 يونيو 2026 - 08:09 م
د.محمد سليم شوشة
العقل الاصطناعى أو عقل الآلة أصبح يحوسب حركة أجساد الكائنات الحية بكل أنماطها وأنواعها، فيقود أجساداً بشرية اصطناعية أى تحاكى أجساد البشر ووظائفهم
تحدثنا فى الأسبوع الماضى عن التجربة الصينية فى نقل علوم الذكاء الاصطناعى، وذكرنا أن الصين كانت لديها خطة واضحة وتتحرك فيها منذ العام 2000 واستمرت فيها حتى أصبحت قوة كبرى فى مجال الذكاء الاصطناعى وأن كثيراً من قوتها الراهنة بسبب هذا التقدم، وذكرنا أن بعض المسئولين الأمريكيين تحدثوا بشكل واضح على أن الصين سرقت المنجز العلمى الأمريكى فى الذكاء الاصطناعى، وأن الصين ردت بأنها ذات تاريخ عريق مع العلم والحضارة وأنها اجتهدت وتطورت وكانت لها إسهاماتها فى هذا المجال، وذكرنا كذلك أن هناك قلباً أو محوراً أساسياً لعلوم الذكاء الاصطناعى هو اللسانيات الإدراكية وعلم النفس الإدراكى لأن الفكرة الأساسية فيه هى محاكاة العمليات الدماغية للبشر فى معالجتها لرموز اللغة سواء كانت مكتوبة أو منطوقة، وأن هذه المحاكاة هى التى مكّنت الآلة من عمليات التفكير وتجاوزت فكرة الجهاز الرقمى العادى وأصبحت عقلاً مثل العقل البشرى، عقل تجرى فى أعماقه معظم عمليات الدماغ البشرى عبر محاكاة الشبكات العصبية بشبكات عصبية اصطناعية ANNs أو Artificial Neural Networks وأن هذه الشبكات تتكون من طبقات وهذه الطبقات تعالج كما الدماغ البشرى الصور والفيديوهات أى البيكسلات وتعالج كذلك رموز اللغات الطبيعية أى اللغات التى يتحدثها البشر، أى أنها أصبحت تشتغل بصورة مباشرة على رموز اللغات الطبيعية بدلاً من الاشتغال على الكود الرقمى.
لكن هنا يجب أن ننوه بأمر شديد الأهمية وهو أن هذه التجربة الصينية المدهشة اتسمت بالسرعة فى ترسيخ العلوم الإدراكية وهى ما يمثل القلب core لعلوم الذكاء الاصطناعى، وبعض هذه العلوم لم تكن رائجة فى الأكاديميات الصينية، والعلوم الإدراكية تتفرع إلى اللسانيات الإدراكية وعلم النفس الإدراكى وعلم الاجتماع الإدراكى، وفرضت على الجامعات والأكاديميات البحثية هذه العلوم، وابتعثت عدداً كبيراً من الباحثين والعلماء إلى أمريكا وبخاصة إلى معهد ماستشويتس للتكنولوجيا MIT ليستكملوا علومهم فى هذه التخصصات التى بدأت فى أمريكا منذ منتصف الخمسينيات ومرت بمراحل تطور كثيرة وتجاوزت تحديات علمية كبيرة.
أى أن الصين كانت حاسمة فى ترسيخ هذه العلوم وبخاصة الحوسبة اللغوية وحوسبة الأفكار والإنسانيات عموماً، ودمجها فى العلوم الطبيعية الأخرى التى تتصل بالذكاء الاصطناعى مثل الحوسبة الرقمية والهندسة والطاقة والميكانيكا والتشريح، وهى العلوم التى طورت صناعة الروبوتات ودمجها فى عقل الآلة، أى ما يمكن تسميته بحوسبة الحركة والجسدانية، أى أن العقل الاصطناعى أو عقل الآلة أصبح يحوسب حركة أجساد الكائنات الحية بكل أنماطها وأنواعها، فيقود أجساداً بشرية اصطناعية أى تحاكى أجساد البشر ووظائفهم ومهامهم، ويقود كذلك أجساداً حيوانية اصطناعية، أى روبوتات لحيوانات وطيور.. لم يكن لدى الصين مجال للارتجال أو لم تترك الأمر لنزعات العلماء والباحثين فى الجامعات، ولم تشأ أن تجعل مصيرها معقلاً بالميول العلمية والتوجهات البحثية الغالبة، بل كانت السلطة هى الموجه الأول للحياة الأكاديمية والفكرية ناحية هذا المجال الجديد بكل ما يقتضيه من التخصصات والحقول العلمية Disciplines وهكذا لم يكن هناك من جدل عقيم حول جدوى هذه العلوم أو خلاف على مناسبتها للحياة الصينية أو خصوصية المجتمع كما هو الحال مع كثير من العلوم الإنسانية فى البيئة العلمية العربية التى رفضت تخصصات كثيرة تحت ذريعة أنها لا تناسب ثقافتنا أو لا تراعى ما لدينا من خصوصية أو أن الركض وراء هذه العلوم لدى الآخر فيه نوع من الانبطاح الثقافى كما تردد بعض الأوساط الأكاديمية وبخاصة فى علوم اللغة العربية وأبحاثها ودراساتها التى لم تتجدد من ما كانت عليه من طفرة تحققت فى العصر العباسى أى قبل ألف عام تقريباً. وما كان من محاولات تجديدية فى علوم اللغة العربية كانت محدودة ومجرد حالات فردية، فالأصوات الغالبة مثلا فى البلاغة والنقد الأدبى أن لدينا فى القديم ما يكفى وأننا لسنا بحاجة لأى من نظريات الغرب أو علوم الآخر، وأرجو ألا أكون صادماً إذا قلت إن هذه الأصوات هى الأغلبية فى جامعاتنا العربية وأن مَن يقولون بالتجديد ومحاكاة التجربة الصينية هم أقلية وأصوات منبوذة وتوجه لها اتهامات كثيرة، وهنا نحن أمام لحظة يغيب فيها العقل تماماً، والغريب أن يكون هذا حاصلاً فى ظل الضغوط الحاصلة علينا فى الوقت الراهن نتيجة ما نرى من تقدم لنماذج الذكاء الاصطناعى وتفاوت مستواها بين اللغات والثقافات، أى أنها ليست بالقوة نفسها من لغة إلى أخرى، وهو ما كان يفترض أن ينبهنا بأن هناك خطراً أو مشكلة تخص لغتنا وثقافتنا مع الذكاء الاصطناعى.
الكلمات الدالة
الاخبار المرتبطة








ثقافة المهاترات
ترقب نتائج اللجنة
الرئيس السيسي أول المهنئين للمنتخب
التمويل الاستهلاكى.. تحذير مبكر
فرحة مصر
والله وعملوها الرجالة
تقاسم أم تداول السلطة فى ليبيا !
الأحزاب السياسية كيف تتحقق الغاية منها؟
رحلة فى آفاق النفس والوجود