صورة موضوعية
حكاية عمرها آلاف السنين.. كيف تحول "عيد بذر القمح" الفرعوني إلى طبق عاشوراء؟
الخميس، 25 يونيو 2026 - 02:17 م
يحمل يوم عاشوراء مكانة خاصة في الوجدان المصري، ليس فقط باعتباره مناسبة دينية إسلامية، بل لأنه يرتبط أيضًا بعادات وتقاليد ضاربة بجذورها في عمق التاريخ.
وبين طقوس المصريين القدماء واحتفالات العصور الإسلامية، ظلت أطباق القمح والبليلة وعاشوراء حاضرة على الموائد، شاهدة على رحلة طويلة من التراث والحكايات الشعبية التي تناقلتها الأجيال.
- عاشوراء عبر التاريخ.. حكاية عيد مصري امتدت من الفراعنة إلى العصر الحديث

كشف الدكتور عبد الرحيم ريحان، خبير الآثار ومدير المكتب الإعلامي لمجلس الآثاريين العرب ورئيس حملة الدفاع عن الحضارة المصرية، أن جذور الاحتفال بعاشوراء في مصر تعود إلى عصور مصر القديمة، حيث ارتبط هذا اليوم بأحد الأعياد الدينية المهمة في مدينة منف خلال أواخر عصر بناة الأهرامات.
وأوضح أن المصريين القدماء كانوا يطلقون على هذه المناسبة اسم "عيد طرح بذور القمح المقدس"، وكان يُحتفل بها في اليوم العاشر من شهر "نوبي" أو "طوبة"، وهو أول شهور فصل "برت" المعروف بفصل البذر في التقويم المصري القديم.
اقرأ أيضًا.. عاشوراء.. كيف حافظ المصريون الموروث الشعبي في التاريخ الإسلامي؟
وأشار ريحان إلى أن مظاهر الاحتفال آنذاك كانت ترتبط بالقمح باعتباره رمزًا للخير والخصوبة، حيث كان المصريون يعدّون أطعمة تقليدية متنوعة من القمح المخصص للزراعة، من أبرزها طبق "العاشوراء" الذي لا تختلف طريقة إعداده كثيرًا عن الشكل المعروف حاليًا.
كما كانت البليلة تُطهى في أوانٍ خاصة، إلى جانب إعداد كعك عاشوراء المصنوع من القمح وعسل النحل، والذي كان يُشكّل على هيئة سنابل القمح أو الحبوب نفسها تعبيرًا عن البركة والوفرة.
وأضاف أن يوم عاشوراء في مصر القديمة تزامن مع اليوم العاشر من شهر "تشري" في التقويم العبري، وهو اليوم الذي كان اليهود يصومونه إحياءً لذكرى نجاة سيدنا موسى وقومه من فرعون.
وعندما هاجر الرسول صلى الله عليه وسلم إلى المدينة ووجد اليهود يصومون هذا اليوم، أوضحوا له سبب صيامهم، فكان قوله المشهور: "نحن أحق بموسى منهم"، وأوصى بصيامه.
وأوضح ريحان أن العرب قبل الإسلام عرفوا أيضًا عادة الاحتفال بعاشوراء وصيامه، ومع ظهور الإسلام أصبح لهذا اليوم مكانة دينية خاصة لدى المسلمين، فيما اكتسب أهمية إضافية لدى الشيعة باعتباره اليوم الذي استشهد فيه الإمام الحسين بن علي رضي الله عنه في معركة كربلاء عام 61 هـ الموافق 680 ميلادية.
وأشار إلى أن بعض الشعوب الآسيوية القديمة كانت تنظر إلى عاشوراء باعتباره اليوم الذي زرع فيه سيدنا نوح عليه السلام أول حبة قمح بعد انتهاء الطوفان، وهو اعتقاد ارتبط فيما بعد بعدد من الطقوس الغذائية الخاصة بهذه المناسبة.
وفي العصر الفاطمي، تحولت عاشوراء إلى مناسبة رسمية في مصر، لكنها اتخذت طابع الحزن وإحياء ذكرى استشهاد الإمام الحسين، حيث كانت الأسواق تُغلق وتتوقف الحركة التجارية، ويتوجه الناس إلى الجامع الأزهر مرددين الأناشيد والمراثي. وبعد إنشاء المشهد الحسيني بالقاهرة أصبحت الاحتفالات تتجه إليه بشكل رئيسي.

ومع قيام الدولة الأيوبية تغيرت طبيعة الاحتفال، إذ تحول اليوم إلى مناسبة للفرح وإدخال السرور على الأسر، فانتشرت الولائم والحلوى والأطعمة الفاخرة، واستمر هذا النهج خلال العصر المملوكي والعصور التالية.
وأوضح ريحان أن الاحتفالات في العصر المملوكي كانت تبدأ منذ أول أيام شهر المحرم وحتى اليوم العاشر منه، حيث تُقام المواكب وتُزين الشوارع وتُنشد الأناشيد الدينية، بينما يحضر السلطان وكبار رجال الدولة والعلماء احتفالات رسمية تتضمن تلاوة القرآن الكريم وتكريم القراء والمنشدين، ثم تُقام الموائد التي يُوزع طعامها على الفقراء والمحتاجين.
ورافقت هذه الاحتفالات العديد من المعتقدات الشعبية التي استمر بعضها في القرى والأحياء القديمة، ومنها الاعتقاد بقدرة البخور على إبطال الحسد والعين، حيث كان الباعة يجوبون الشوارع حاملين أنواعًا مختلفة من البخور وينشدون الأدعية والأهازيج أثناء بيعها.
ومن العادات التي ما زالت مستمرة حتى اليوم إعداد حلوى "العاشوراء"، وهي طبق يعتمد أساسًا على القمح المسلوق مع اللبن والسكر ويُزين بالمكسرات مثل اللوز والجوز والبندق، كما يحرص كثير من الأسر على تبخير المنازل في هذه المناسبة وفق معتقدات شعبية متوارثة.
وأضاف أن احتفالات عاشوراء قديمًا كانت تشمل قراءة القرآن الكريم في البيوت واستضافة المنشدين والوعاظ، فيما كانت النساء يتابعن الاحتفالات من أسطح المنازل أو ينظمن تجمعات خاصة للاستماع إلى الدروس الدينية.
وفي ختام حديثه، أوضح الدكتور عبد الرحيم ريحان أن العثمانيين وبعض شعوب آسيا احتفلوا أيضًا بعاشوراء باعتباره اليوم الذي استقرت فيه سفينة سيدنا نوح على جبل جودي، وكانوا يعدّون أنواعًا من الحساء وحلوى القمح ويوزعونها على الجيران والفقراء. ومن هذه العادة انتقلت إلى المصريين فكرة إعداد القمح المبلل باللبن، التي عُرفت لاحقًا باسم "البليلة"، لتظل واحدة من أشهر الأطعمة المرتبطة بعاشوراء حتى يومنا هذا.
وهكذا يبقى عاشوراء نموذجًا فريدًا لتداخل التاريخ بالدين والتراث الشعبي، حيث احتفظ المصريون عبر العصور بجزء من طقوسه وعاداته، لتستمر المناسبة شاهدًا على امتداد حضاري وثقافي عمره آلاف السنين.
الكلمات الدالة
الاخبار المرتبطة
حكاية القصر الذي شهد مجد صاحبه ونهايته المأساوية
"الخالدين".. حكاية مقابر تحولت إلى متحف مفتوح لتاريخ مصر
أوتار الحضارة الخالدة.. رحلة الموسيقى والإبداع عبر آلاف السنين
ليس بالبناء وحده عاش الفراعنة.. حكاية "منيو" الحياة اليومية بمصر القديمة
حكاية أغرب مقبرة في الإسكندرية.. فتاة نائمة منذ 138 عامًا بين جناحي ملاك
إرادة صفاء لا تعرف المستحيل.. حكاية فتاة حولت الإعاقة إلى قصة إبداع
نقوش حيّرت الزوار.. أسرار الفن المصري القديم على جدران المعابد
«الأوستراكا».. قصة أول وسيلة تواصل اجتماعي في زمن الفراعنة
سحر نفرتيتي.. حكاية ملكة هزمت الزمن وأصبحت أيقونة الجمال الخالد







