الكاتب الصحفي حاتم نعام
الكاتب الصحفي حاتم نعام


حاتم نعام يكتب: كرة القدم وأسرتي.. دبلوماسية من نوع آخر

حاتم نعام

السبت، 04 يوليه 2026 - 08:06 م

لا أعرف كم مرة شاهدت مباراة لكرة القدم، ولا أعرف أيضا كم مرة انتهت مباراة مثيرة كما انتهت مباراة مصر وأستراليا. لكنني أعرف شيئا واحدا،  أنني منذ وقت طويل لم أر هذا القدر من الفرح الصادق على وجوه الناس.


فلم تكن مباراة مصر واستراليا مجرد دقائق من كرة القدم، بل كانت حكاية عاشها ملايين المصريين.
في صالة تحرير بوابة أخبار اليوم كنا نتابع المباراة لحظة بلحظة وبين ضغوط العمل وتسارع الأخبار، كانت أعين الجميع معلقة بالشاشة من يعرف في كرة القدم كان يحلل، ومن لا يعرف كان يشارك الفرحة بالحماس نفسه. ففي مثل هذه اللحظات لا يحتاج الإنسان إلى أن يكون خبيرا في الرياضة حتى يشعر بالانتصار.


 وما إن انتهت المباراة بفوز المنتخب المصري، حتى انفجرت صالة التحرير بالتصفيق والابتسامات. كانت فرحة عارمة اجتاحت الزملاء. وكأن الفوز يخص كل واحد منا. في تلك اللحظة لم تكن هناك وظائف أو مناصب، فقط مصريون سعداء بانتصار يحمل اسم مصر. 


انتهى شفت العمل، واستقليت السيارة في طريقي إلى المنزل. كانت شوارع القاهرة تروي القصة بطريقتها الخاصة، أعلام مصر ترفرف من نوافذ السيارات، والهتافات تسبق أصحابها، والابتسامات تعلو وجوه الناس. لم يسأل أحد لأي ناد ينتمي، ولم يسأل آخر عن عمره أو مهنته، لأن الجميع في تلك الليلة كان ينتمي لشيء واحد فقط.

وعندما وصلت إلى المنزل، فوجئت بأن عدوى السعادة سبقتني إليه، وجدت زوجتي التي لا تهتم بكرة القدم، ولا تتابع الرياضة أصلا، تعيش  أجواء الفوز بكل تفاصيلها وحالة من البهجة لفوز المنتخب. أدركت وقتها أن الفرح الحقيقي لا يحتاج إلى جمهور كروي حتى ينتقل، إنه شعور يصيب الجميع بلا استثناء.
 
أما أبنائي، فلكل منهم حكايته مع تلك الليلة. شروق، ابنتي طالبة كلية العلوم، استطاعت أن تخرج  ولو لساعات، من ضغوط امتحانات الكلية وصعوبة موادها، ومن قلق انتظار النتيجة. وابنتي  حنين، طالبة الثانوية العامة، التي تعيش أياما صعبة مع الاستعداد للامتحانات، نسيت لساعات ضغط المذاكرة ونسيت للحظات ألم ما بعد امتحان الكيمياء، وانضمت إلى فرحة الجميع. أما محمد، تلميذ الصف الأول الإعدادي والعاشق لكرة القدم، فكان الأكثر حماسا بيننا. كان يتحدث عن المباراة وكأنه أحد اللاعبين، يعيد الهدف، ويحلل الأداء، ويرسم المشوار القادم للمنتخب.

راقبت أسرتي وهم يفرحون، فأيقنت أن كرة القدم لا تجمع أحد عشر لاعبا داخل الملعب فقط، بل تجمع أسرة حول شاشة، وتجمع ملايين الأسر حول شعور واحد. 


جلست أشرب كوبا من القهوة أمام شاشة التلفزيون، فوجدت معظم القنوات المصرية والعربية تحتفل بالفوز. الاستوديوهات مليئة بالابتسامات، والمحللون يتحدثون بحماس، والجماهير تملأ الشاشات قبل أن تملأ الميادين.


في تلك الليلة، تأكدت أن مباراة كرة قدم قادرة على أن تغير الحالة النفسية لشعب كامل. قادرة على أن تنتزع الناس من همومهم، ولو لساعات، وأن تمنحهم مساحة من الأمل والتفاؤل والضحك.


ولهذا، لم تعد كرة القدم مجرد لعبة. إنها واحدة من أقوى أدوات القوة الناعمة، القادرة على أن توحد المشاعر، وتجمع الناس حول حلم واحد، وتصنع حالة من التوافق لا تستطيع السياسة، بكل ما تملكه من أدوات، أن تحققها بالقدر نفسه. فالسياسة قد تصنع القرارات،  وترسم حدود الدول، وتصنع الاتفاقات، أما كرة القدم فتصنع الفرح، وأحيانا يكون الفرح هو أكثر ما يحتاج إليه الوطن.


كرة القدم ، أصبحت لغة يفهمها الجميع. فهي لا تسأل الإنسان عن انتمائه السياسي، ولا عن مستواه الاجتماعي، ولا عن عمره، ولا عن مهنته، تجمعه مع غيره على إحساس واحد.


هذه هي القوة الناعمة في معناها الحقيقي. ليست شعارا يقال في المؤتمرات، وإنما لحظة صادقة تدخل إلى البيوت دون استئذان. أنها لا تغير العالم، لكنها تغير الناس. 

أخيرا، كرة القدم تؤكد أن القوة ليست فقط في امتلاك السلاح أو النفوذ، بل في امتلاك القدرة على الإلهام. فعندما تمتلك دولة علماء يغيرون العالم، ورياضيين يرفعون علمها، وفنانين يعبرون عن حضارتها، فهي دولة تمتلك نفوذا قد يفوق تأثير أي خطاب سياسي، هذه هي القوة التي تجعل الآخرين يحترمونك، لا لأنهم مضطرون، بل لأنك قدمت ما يستحق الاحترام
إنها دبلوماسية من نوع آخر، لا تمارس خلف الأبواب المغلقة، بل أمام أنظار الملايين. 
 

اقرأ أيضًا| حاتم نعام يكتب: هجرة بلا جواز سفر أو حقيبة

 
 
 
 
 
 
 

الكلمات الدالة

 
 
 
 
 

مشاركة