د. آمال عثمان
أوراق شخصية
من الدواء إلى الداء!
الجمعة، 17 يوليه 2026 - 10:02 م
بعد عرض فيلم «برشامة»، الذى أثار جدلًا أكثر مما أثار نقاشًا. رغم أنه تناول قضية خطيرة بروح كوميدية ساخرة، دفعنى الفضول إلى البحث عن أصل الكلمة.
فوجدت أن اللغويين والباحثين فى العامية المصرية يرجحون أنها ليست كلمة عربية فصحى، وإنما تسللت إلى لهجتنا عبر التأثيرات التركية أو الفارسية فى العهد العثماني، ثم استقرت فى الاستعمال الشعبى بمعنى قرص الدواء. لكن يبدو أن الكلمة لم تكتفِ بعلاج الأجساد، فقررت تغيير مهنتها، وغادرت الصيدلية إلى لجان الامتحانات، لتصبح الاسم الأكثر شيوعًا لورقة الغش بين الطلاب.
رحلة مدهشة حقًا؛ من حبة دواء إلى وصفة جاهزة للنجاح! ومع مرور الوقت لم تعد «البرشامة» مجرد قصاصة ورق صغيرة، بل تحولت إلى ثقافة كاملة تتبدل وسائلها مع كل جيل؛ من الورقة المطوية إلى السماعات الدقيقة والنظارات الذكية. إنها واحدة من تجليات قدرة العامية المصرية على إعادة إنتاج الكلمات، ومنحها معانى جديدة تفرضها تحولات المجتمع، حتى تكاد الكلمة تنسى معناها الأول، وتولد من جديد بمعنى آخر.
وإذا كانت رحلة كلمة «البرشامة» قد قادتنى إلى تأمل علاقتها بالغش، فإن الفيلم الذى يحمل الاسم نفسه يستحق بدوره وقفة هادئة. فقد أثار جدلًا واسعًا، ليس بسبب القضية التى يطرحها، وإنما بسبب بعض المشاهد التى لاقت اعتراضات بدعوى مساسها برموز دينية، لكن السؤال: لماذا انشغلنا بالمشهد، ونسينا القضية؟ فالفيلم لا يسخر من الدين، وإنما يفضح من يتخذون الدين ستارًا لتحقيق مصالحهم الشخصية.
وهذه ليست إساءة إلى الدين، بل إدانة لمن يسيئون إليه بأفعالهم. والكوميديا بطبيعتها تقوم على المبالغة لتفضح تناقضات الواقع، وما بدا مبالغة، قد لا يكون أبعد كثيرًا عن الواقع، وعندما يصل المرض إلى هذه الدرجة، يصبح من الطبيعى أن ترتفع جرعة السخرية؛ لأن الواقع نفسه أصبح أكثر عبثًا من الخيال.
الغريب أن السينما المصرية تناولت من قبل مواقف مشابهة دون أن تُتهم بالإساءة إلى الدين، يا سادة المشكلة ليست فى فيلم «برشامة»، بل فى واقع أصبحت فيه البرشامة ثقافة قبل أن تكون وسيلة للنجاح، فإذا كانت رحلة هذه الكلمة قد بدأت قرصًا صغيرًا لتداوى الجسد، فإنها انتهت رمزًا لمحاولات تخدير الضمير.
الكلمات الدالة
الاخبار المرتبطة
جرائم إسرائيل.. فوق احتمال آخر الحلفاء!!
هل تستوعب إيران «حكمة السادات»؟
رفعت رشاد يكتب: عمنا محمد عبد القدوس
محمود بسيونى يكتب: تنزانيا... حيث يترك المصريون أثرًا
بيان مجلس الوزراء
مصر وإفريقيا.. الصداقة والمصالح
نوال مصطفى تكتب: صباح الأحد
محمد علي السيد يكتب: سوق المناشي.. لزاز ودلدل ويعفور.. واتمخطري يا خيل
متى تنتهى الحرب؟








