أشجار المانجروف
مشروع لاستزراعها في البحر الأحمر| «المانجروف» كنز يفتح الطريق لأسواق الكربون
السبت، 18 يوليه 2026 - 04:28 ص
ندى البدوى
على امتداد سواحل البحــر الأحمــر تقـفُ أشجار المانجــروف كــدرعٍ طـبيـعية تحمى الشواطئ، بينما تمتد جذورها داخل المياه الضحلة لتصنع واحدًا من أكثر النظم البيئية ثراءً وحساسية، ومع تزايد الضغوط الناجمة عن التغير المناخى والتلوث تتجه الأنظار إلى هذه الأشجار باعتبارها أحد أهم الحلـول القائمة على الطبيعة لمواجهــة الأزمــة المناخيــة، ورغـم قيمتهـا البيئيـة الاستثنائيـة تتعرض هـذه الغابات لضغوط متزايدة تجعل من جهود الحماية والاستعادة ضرورةً ملحة، ومـن هنا تبرز أهمية مشروع تخــزين الكــربون من خــلال اسـتزراع المانجـروف بالبحـر الأحمــر، بوصـفه المشروع الأول من نوعه فى مصر الذى يوظف عملية الإكثار لإنتاج أرصدة كربونية قابلة للتداول فى أسواق الكربون.
تكتسب غابات المانجروف أهمية كبيرة كونها تقدم حزمةً واسعة من الخدمات البيئية، فهى تمثل موائل طبيعية للكائنات البحرية، وحاضنات للأسماك خلال مراحل نموها الأولى، كما توفر محطات استراحة للطيور المهاجرة، إذ تُسهم فى تهيئة بيئة غنية بالغذاء ومصادر للمياه العذبة، إلى جانب دورها فى تثبيت التربة الساحلية والحد من مخاطر النحر والتآكل، فيما تشير الدراسات إلى قدرتها العالية على امتصاص وتخزين الكربون بمعدلات تفوق كثيرًا من النظم الغابية الأخرى، مما يجعلها عنصرًا رئيسيًا فى جهود التخفيف من آثار تغير المناخ.
داخل محمية وادى الجمال الواقعة جنوب مدينة مرسى علم، لا تبدو أشجار المانجروف مجرد غطاء نباتى ينمو على الساحل، بل أصبحت محورًا لمشروع بيئى يشارك فيه السكان المحليين من أبناء قبيلة العبابدة، بعدما أعاد مشروع استزراع المانجروف صياغة علاقتهم بالغابات التى يألفونها منذ وعيهم على الحياة، لكنها ظلت بالنسبة إليهم جزءًا طبيعيًا من الساحل ترعى بينه الإبل، دون إدراك كامل لما تمثله من قيمة بيئية واقتصادية.
يختبر محمد على فرج آثار التغير المناخى يوميًا فى بيئته المحلية، من تقلبات الطقس وتزايد موجات الحر والجفاف، وتذبذب أنماط هطول الأمطار، لكن الرجل الذى ينتمى إلى قبيلة العبابدة ويعمل أيضًا ضمن حراس المحمية انتقل من مجرد شاهد على هذه التغيرات إلى شريك فى حلول مواجهتها، حيث يشارك رفقة عشرات من أبناء المنطقة فى أعمال استزراع المانجروف، بعدما خضع لتدريب مكثف على عمليات جمع البذور وزراعة الشتلات ورعايتها، ما أسهم أيضًا فى توفير دخل إضافى له ولأبناء المجتمع، كما يوضح.
فى جولتنا بين مواقع استزراع المانجروف داخل محمية وادى الجمال نلتقى الدكتور عادل سليمان خبير التنوع البيولوجى ورئيس جمعية ابيئة بلا حدودب، يرقب سليمان الشجيرات الصغيرة وهى تنمو كمن ينظر إلى أبنائه الصغار، قبل أن يبدأ فى شرح القيمة الهائلة لهذه الغابات، فالمانجروف يعد انظامًا بيئيًا متكاملاًب تتجاوز أهميته فكرة كونه مجرد شجرة، نظرًا لدورها الكبير فى إثراء التنوع البيولوجى وحماية السواحل، لكن القيمة الأبرز للمانجروف تكمن فى قدرتها الاستثنائية على امتصاص وتخزين الكربون، إذ تستطيع احتجاز كميات تفوق ما تختزنه الغابات الاستوائية المطيرة بما يصل إلى خمسة أضعاف، ويعود ذلك إلى خصائص نظامها البيئى، فلا يقتصر تخزين الكربون على جذوع الأشجار وأوراقها، بل يُحتجز أيضًا داخل التربة الساحلية والطمى المشبع بالمياه حول الجذور لعقود، وربما لقرون، وهو ما يجعلها من أكثر النظم البيئية كفاءة فى تخزين ما يُعرف بــاالكربون الأزرقب.
ويلفت إلى أن المشروع الذى ينفذه بالتعاون مع وزارة التنمية المحلية والبيئة، يستهدف إعادة تأهيل واستزراع نحو 300 هكتار من غابات المانجروف بالمحمية خلال ثلاث سنوات، مستفيدًا من آليات التمويل المرتبطة بأسواق الكربون الطوعية، ويشير سليمان إلى أن المشروع قطع خطوات مهمة فى هذا المسار، إذ تم تسجيله لدى إحدى جهات الاعتماد الدولية المتخصصة فى التحقق من مشروعات الكربون، تمهيدًا لاحتساب الكربون الذى تخزنه الأشجار المزروعة وإصدار شهادات الكربون المرتبطة بها.
وتابع: نحن نقدم نموذجًا فريدًا لمصر والعالم، فشهادات الكربون القائمة على التنوع البيولوجى هى الاتجاه الأبرز والأعلى قيمة دوليًا، وتحظى باهتمام متزايد فى الأسواق العالمية، كونها لا تقتصر على خفض الانبعاثات، بل تحقق فى الوقت نفسه فوائد بيئية واجتماعية واقتصادية متعددة، ويؤكد سليمان أن عوائد المشروع تنعكس بشكلٍ كبير على رفع كفاءة إدارة المحمية وتعزيز جهود الحماية وتنمية المجتمع المحلى.
ومن جانبه يوضح الدكتور محمد على مدير مشروع استزراع المانجروف بمحمية وادى الجمال، أن المشروع يتم تنفيذه بأربعة مواقع فى المحمية من بينها مناطق القلعان والرعدة وحماطة، ويعمل به ما لا يقل عن 30 فردًا من السكان المحليين.
ويضيف: زرعنا حتى الآن ما يزيد عن 30 ألف شتلة، من خلال ثلاث صوب زراعية دعمنا بها المحمية، تستوعب كل منها نحو 8 آلاف شتلة، بما يرفع الطاقة الإنتاجية إلى نحو 24 ألف شتلة فى الدورة الواحدة.
ويوضح أن إكثار المانجروف يرتبط بدورة حياة النبات نفسها، إذ تعتمد العملية على جمع البذور خلال موسم النضج الرئيسى الذى يمتد بين شهرى سبتمبر وأكتوبر، وخلال هذه الفترة يجرى تدريب أبناء المجتمع المحلى على اختيار البذور وجمعها ونقلها بطريقة سليمة تضمن الحفاظ على حيويتها وقدرتها على الإنبات داخل المشاتل. أما عملية الزراعة فى الحقل فيوضح أنها أقل ارتباطًا بموسم محدد، لكنها تخضع لاعتبارات بيئية أخرى، أهمها ظروف المد والجزر وحركة الأمواج، لذا نقوم بالزراعة غالبًا خلال شهور الربيع والصيف التى تنحسر فيها المياه بشكلٍ أكبر، لضمان نجاح عمليات الغرس وتقليل الفاقد من الشتلات.
ويثمن أيمن مراد مدير محمية وادى الجمال جهود إكثار أشجار المانجروف وإعادة تأهيلها، مؤكدًا أنها تمثل ضرورة للحفاظ على هذا النظام البيئى فى مواجهة التهديدات المتزايدة. ويوضح أن أبرز هذه التهديدات تشمل التلوث البلاستيكى والرعى الجائر والتحطيب، إذ تعيق المخلفات البلاستيكية تنفس الجذور الهوائية للأشجار وقد تؤدى إلى تدهورها. لذلك تنفذ المحمية حملات مستمرة للنظافة والتوعية البيئية، مع إشراك السكان المحليين فى حماية هذه الموائل الطبيعية.
ولا يقتصر الأثر الاقتصادى على أنشطة الاستزراع فقط، إذ يرى الدكتور عادل سليمان أن المانجروف يمكن أن يشكل أساسًا لاقتصاد محلى مستدام من خلال إنتاج عسل المانجروف عالى القيمة. ويشير إلى أن التجارب الأولية أثبتت وجود طلب قوى على المنتج، سواء داخل مصر أو خارجها، ما يفتح المجال أمام توفير مصادر دخل طويلة الأجل للمجتمعات المحلية المرتبطة بمواقع الاستزراع.
اقرأ أيضا: محافظ البحر الأحمر يوجه بحصر مخالفات البناء بالغردقة ووضع خطة لإنجاز ملف التصالح
الكلمات الدالة
الاخبار المرتبطة
د. يوسف جبارين: لن نكون جزءًا من حكومة تحتل الأرض| حوار
الجامعة العربية.. عهد جديد أم فرصة أخيرة؟| نبيل فهمي يدخل حقل الألغام العربي
احتضن عائلة المسيح لأكثر من 6 أشهر| «دير المحرق».. هنا القُدس الثانية
قرية «الشفاءين» لا تعرف اللهو.. القرآن أسلوب حياة في «حصة شبشير»
بوابة التنمية الكبرى.. البرلمان يعيد تنظيم «مستقبل مصر»
السيسى يرسم خريطة طريق جديدة للكرة المصرية
زيارة الأخوة فى العلمين
«رجل الأقدار».. سيرة قائد تروي حكاية وطن| قراءة فى كتاب يوثِّق رحلة الجمهورية الجديدة
السيسي يرسم خريطة الطريق لاستكمال البناء والتنمية








