إيمان أنور
إيمان أنور


يوميات الاخبار

فى باريس .. تتحول الذاكرة إلى عطر وضوء !

إيمان أنور

الإثنين، 20 يوليه 2026 - 07:59 م

«لم يكن لقاءً طويلاً ولا حوارًا معمقًا، بل كانت ومضة انتهزت فيها الفرصة بانفراد صحفى لجريدتى الحبيبة «الأخبار» مع ساركوزى المرشح الأبرز لتولى رئاسة فرنسا» .

نيكولا ساركوزى !
لكل مدينة عطر يلازم من زارها.. لكن باريس وحدها تملك ذلك العطر الاستثنائى الذى لا يغادر الذاكرة مهما مرت السنون.. مدينة النور كما يحلو للفرنسيين تسميتها ليست مجرد عاصمة على ضفاف نهر السين.. بل هى حالة شعورية.. ولوحة ترسم من جديد فى كل زيارة.. ومساحة يتقاطع فيها التاريخ مع الحاضر.. والفن مع الحياة اليومية.. والدهشة مع الألفة !..
عدت بالذاكرة لعام ٢٠٠٧.. عندما زرت باريس فى خضم الحملة الانتخابية الرئاسية الساخنة بين نيكولا ساركوزى ممثلاً عن حزب الاتحاد من أجل حركة شعبية، والذى تم تغيير اسمه لحزب الجمهوريين منذ نحو عشر سنوات.. وسيجولين رويال مرشحة الحزب الاشتراكي.. وقد فاز بها باكتساح ساركوزى ليتولى الرئاسة الفرنسية حتى عام ٢٠١٢.. لعلنى كنت من المحظوظين جداً عندما كانت المصادفة نجاحاً وسبقاً صحفياً غير متوقع.. ظل ذكرى خاصة جداً محفورة فى مخيلتي.. لحظة لم تكن على برنامج الرحلة.. بل جاءت بتوفيق إلهي.. عندما لمحت عن بعد نيكولا ساركوزى الذى كان حينها وزيراً للداخلية يجوب الشوارع فى جولة انتخابية محاطاً بجمهور من المؤيدين والصحفيين وعدسات الكاميرات.. وسط هذا الزحام وقفت أراقب المشهد بفضولى الصحفي: حراسة مشددة.. هتافات.. أعلام زرقاء بيضاء حمراء ترفرف فى الهواء.. وحماس يعلو الوجوه.. حين اقترب الموكب وجدت نفسى على مقربة كافية لأن أرفع صوتى عالياً، ساعدنى فى ذلك إجادتى للغة الفرنسية التى تعلمتها منذ طفولتي: سيدى الرئيس، أنا صحفية مصرية، أتيت خصيصاً لإجراء حديث معكم.. فالتفت ساركوزى بحركاته السريعة المعهودة وابتسامته الواثقة التى عرفتها لاحقاً من كل الصور الإعلامية.. صافح بعض الحاضرين بسرعة وحماس وتبادل كلمات مقتضبة ودودة مع من حوله.. واتجه نحوى مصافحاً ومرحباً.. قبل أن يواصل موكبه طريقه وسط التصفيق.. لم يكن لقاءً طويلاً ولا حواراً معمقاً، بل كان ومضة انتهزت فيها الفرصة بأسئلة سريعة محددة فى تصريحات خاصة وانفراد ثمين لجريدتى «الأخبار» من المرشح الأبرز لتولى رئاسة فرنسا.. فكانت من تلك الومضات التى تبقى راسخة فى الذاكرة.. لأنها تجعلك تلمس ولو للحظات نبض التاريخ وهو يصنع أمام عينيك!. بعد أيام قليلة لم تتجاوز الشهرين.. شاهدت الرجل نفسه الذى تحدث معى بكل تواضع وصافحته فى الشارع.. يظهر على شاشات التليفزيون رئيساً منتخباً لفرنسا.. فأدركت حينها أن تلك اللحظات كانت فى الحقيقة شاهدة على صفحة تقلب فى تاريخ هذا البلد!..
برج إيڤل.. أول لقاء ! 
لا أتذكر تحديداً متى كانت زيارتى الأولى لباريس.. فقد كنت ما أزال بعد لا أعى.. وكانت رؤيتى لبرج إيفل تقتصر على المرور أمامه.. غير أننى ورغم مرور الزمن لم أنس أبداً مصافحتى الأولى له.. والتى كانت بعد تخرجى فى الجامعة.. وكيف أغفل تلك اللحظة ؟!.. عند سفح ذلك العملاق الحديدى الذى بنى ليكون مؤقتاً.. فصار رمزاً أبدياً لباريس والعالم.. من بعيد يبدو البرج كخط رفيع يخترق السماء.. لكن حين تقترب منه تشعر بسحره الحقيقى وهالته الفريدة وضخامته بهندسة معقدة متشابكة من آلاف القطع الحديدية التى نسجها جوستاف إيفل بعناية فائقة كأنها قصيدة من الفولاذ.!
قررت حينها ألا أكتفى بالتقاط الصور من الأسفل، بل أن أصعد بنفسى لا عبر المصعد الزجاجى السريع، بل فى مغامرة يملؤها حماس وشجاعة الشباب سيراً على السلالم!.. درجة درجة أشعر بكل خطوة وكأننى أتسلق عبق التاريخ نفسه.. آلاف الدرجات.. وآلاف البشر يصعدون مثلى من مختلف الأعمار والجنسيات.. الكل مبتهج، مرح، سعيد.. وأنفاس متقطعة وعرق يتصبب لكن مع كل طابق تتكشف باريس أكثر تحت الأقدام.. أسطح المبانى الرمادية الأنيقة.. شارع الشانزليزيه يمتد كخيط ذهبى يقف فى نهايته قوس النصر وقبة الإنڤاليد التى يرقد تحتها قبر نابليون بونابرت تلمع من بعيد.. ونهر السين يخترق المدينة كشريان ممتد.. وحين وصلت إلى القمة أخيراً، شعرت أن المدينة بأكملها تحتضنني!!.. وأن كل تعب الصعود كان ثمناً زهيداً مقابل تلك اللحظة التى تقف فيها فوق العالم وباريس ممتدة تحتك كسجادة من الحلم !..
فى أروقة اللوڤر ! 
فى متحف اللوڤر تنتقل إلى عالم آخر تماماً يتحدث فيه الحجر والزيت!.. ذلك الصرح العظيم الذى كان قصراً ملكياً قبل أن يتحول إلى أعظم متاحف العالم.. الدخول إلى اللوفر ليس كأى دخول عادي.. فالهرم الزجاجى الذى صممه المعمارى الصينى الأمريكي»آى إم بي» فى وسط الفناء يستقبلك كبوابة سحرية تفصل بين ضجيج الشارع وسكون التاريخ!.. بمجرد أن تطأ قدماك القاعات الداخلية تشعر أن الزمن قد توقف.. جدران مكتظة بلوحات لا تحصي، وتماثيل رخامية تختزل قروناً من الجمال الإنساني.. لكن كان لا بد أن تتوقف الخطى أمام تلك اللوحة الصغيرة الساحرة المحاطة بجمهور غفير من كل جنسيات الأرض.. الموناليزا العجيبة بابتسامتها الغامضة ونظرة عينيها المدهشة التى ترمقك أينما ذهبت يميناً أو يساراً.. والتى رسمها «ليوناردو دافنشي» منذ أكثر من خمسة قرون، وما تزال لغزاً يحير الناظرين ويستفز خيالهم حتى اليوم.. وقفت هناك طويلاً أراقب عيون الزوار أكثر مما أراقب اللوحة نفسها.. أراقب الدهشة التى تتكرر فى كل وجه.. وكأن كل واحد منهم يكتشف السر ذاته للمرة الأولى..
ثم انتقلت إلى القسم الفرعوني.. ذلك الجناح الذى يعيدك فجأة إلى ضفاف النيل رغم أنك فى قلب أوروبا.. التوابيت الذهبية.. تماثيل الآلهة المصرية القديمة.. الأوانى المميزة وأبو الهول المصغر الذى يقف بهدوئه الأزلي.. كل ذلك يمنحك شعوراً غريباً بالفخر والانتماء.. فأنت تقف أمام إرث حضارتك القديمة.. لكنه محفوظ هنا على بعد آلاف الكيلومترات.. شاهداً على عظمة أجدادنا التى أبهرت العالم فسرقوا منها ليزينوا متاحفهم!.. 
يورو ديزنى ! 
لابد من زائر باريس أن يجدد دماءه باستراحة من نوع آخر فى «يورو ديزني» حيث تتحول الطفولة إلى حالة يعيشها الكبار قبل الصغار.. الشوارع المزينة بألوان الحكايات.. القلعة الوردية الشهيرة التى تتوسط الحديقة وتذكرك بكل الحكايات التى قرأتها فى طفولتك وصباك والاستعراضات والمسيرات المسائية بالألعاب النارية التى تضيء السماء وتشعرك أن السحر ما زال ممكناً فى هذا العالم!.. فتتجول بين الحشود وتضحك مع الشخصيات الكرتونية التى تتجسد أمامك.. وتركب الألعاب التى تعيدك سنوات إلى الوراء.. إلى زمن كانت فيه الدهشة أبسط وأنقى.. ديزنى بارك بالنسبة لى تظل دائماً وأبداً نافذة صغيرة أهرب من خلالها من صخب المتاحف وضجيج الشوارع.. لأستعيد فيها نسخة أصغر سناً مني.. نسختى البريئة التى ما زالت تحتفظ بدهشتها الأولى!.. 
باريس التى لا تنسى! 
تبقى باريس فى ذاكرتى أكثر من مجرد مدينة زرتها عشرات المرات.. إنها مجموعة من اللحظات المتفرقة التى تجتمع لتشكل لوحة واحدة.. لوحة لا تكتمل ألوانها إلا حين تعود إليها مرة تلو الأخرى.. لتكتشف أن لكل زيارة حكاية جديدة.. وحكايتى مع الشانزليزيه الشارع الأهم والأشهر فى العالم.. أفرد لها يوميات قادمة.. بل لكل شارع فى باريس ذكرى لم تروَ بعد ! .

 
 
 
 
 
 
 

الكلمات الدالة

 
 
 
 
 

مشاركة