اليابانى
اليابانى


اليابانى

أخبار الأدب

الأحد، 26 يوليه 2026 - 10:37 ص

كيرلس جورج

جلدَ الشتاء جسدى بسوطِ البرودة، فلم أجد مناصًا من غلق شباك سيارتي، وتسليم مسمعى إلى مسجّل يهدر بأغانٍ عن الحب والفراق والوحدة وغيرها من مشاعر تغذى الذكريات وتتغذى بالألم، فقطع ذلك رنين الهاتف معلنًا عن مكالمة واردة من أختي، فتحت سريعًا فوجدتها تقول فى ذعر وارتباك: 
ـــ مريم بلعت نص جنيه.
أحسست بالعملة فى حلقى وتلك النكهة المعدنية تخالط لعابي، فابتلعت ريقى لأتيقن أن الطريق إلى معدتى بلا سدود أو مطبات، فاستوقفتنى لحظة صمت تبعها سؤال: 
ـــ طب وإيه النظام دلوقتي؟
 المعروف عن تلك الحالة أن إفراز اللعاب يتزايد ويصير أشبه بريم أبيض به فقاعات هوائية.
أختى يسيطر عليها التفكير الكارثى تجاه تلك الأعراض، ودقائق تفصلنا عن المصير المحتوم، فحاولتُ أن أطمئنها على ابنتها، وذهبنا إلى مستشفى الياباني، وصلنا إلى هناك وانشغلت بقطع تذكرة وكان رقمها ٤١١ بعد انتظار مقيت؛ حتى ينهى الموظف مكالمة عقيمة أهم من الحالات الحرجة القادمة. درجات السُّلم الأولى للمستشفى يطفو عليها قطن به دم، شاش متجلط، عبوات تطهير للجروح، وغيرها من الأدوات المنتهكة التى تحتاج كيس الرحمة لتدفن فى صندوق القمامة.
بعد تلك الدرجات من السلم، هناك جثة بدينة ذات ملامح ثابتة، وشنب فى سُمْكِ قطعة الكنافة، كان يتصدر باب المستشفى موجهًا الجميع بصوته الجَهْوَرِي، أوقفنا طالبًا منا تنفيذ القانون الذى يقول: 
ـــ الحالة معها مرافقان فقط.
أخمدت غضبى وجعلت أختى وزوجها يدخلان، وانتظرت بالخارج وصوتى دخل معهما من خلال هاتف بيننا، بعد فترة دخلت وإذا الحالات الحرجة كلها تصب عند نائب واحد فقط، وبالسؤال عن موعد الدخول وجدت المساعد يُخرج رزمة من التذاكر، فظهر رقمنا آخر الحالات، كيف ستنتظر تلك الطفلة؟! حاولت أن أبين له أنها تحتاج إلى أشعة إكس، وليس على النائب سوى أن يكتب التصريح توفيرًا للوقت، فلما أحسست بأن ذلك الهم الثقيل فى عينيه أخف من الوبر، ابتلعت غضبى وبعد قليل أجده يسألني: هى بلعت كام؟
نوع العملة يحدد قطرها وعلى ذلك الأساس يؤخذ الإجراء، كانت خمسين قرشًا تستحق اللعنات بعددها، استجاب بعد مماطلة وكتب التصريح.
تلك البناية اليابانية بلا إشارات، تتحرك فيها متخذًا الإحساس بوصلةً لك، ثم وصلنا إلى المصعد، وخرجنا منه إلى ممر طويل بلا أنوار، ليس به حياة سوى بعض القطط وجدران مرسوم عليها شخصيات كرتونية بريشة فنان متواضع، تجعل منها أُضحوكة. طاقة نور فى نهاية الممر كانت هى المكان المطلوب، وقد رصدت الأشعة مكان العملة أعلى عظمة الترقوة عند المريء، حينها تطلب الأمر تدخل طوارئ أنف وأذن وحنجرة، لم نكن نعلم المكان فتطلب ذلك سؤال أحد الواقفين فكان الرد:
ـــ لا السؤال ده محتاج عظيمة.. عظيمة تعالى كلمْ..
ظهر عظيمة برأس دبوس غائص فى جاكيت محشو قطن، هب واقفًا كجندى فى خدمته وأوضح الطريقَ بطريقة عظيمة مثله، وانطلقت العجلات- لتترك اليابانى الذى ليس فيه من اليابان شيء- إلى طوارئ أنف وأذن، فإذا بالمكان هادئ، دخلنا مباشرة به ليحفظ الخصوصية خيط رفيع يربط بابًا سميكًا بمسمار، ما إن تدفعه حتى تجد نائبتين يفرض النعاس سطوته عليهما، ولكن نداء الواجب أيقظهما، وبكل تواضع أخبرتانا أننا بحاجة للمجيء فى الصبح وكل ما علينا فعله أن نعطى مريم عصيرًا وزبادي، على أن تصوم ثلاث ساعات قبل العملية التى حجزتها لها النائبة.
ليس الصبح ببعيد، تفصلنا عنه خمس ساعات، اجتمعنا ودخلنا إلى مستوى جديد من اللعبة بعد عمل أشعة تأكيدية أملًا أن تتحرك العملة ولكن بلا جدوى.  
لكى نصل إلى باب العملية- ونستخرج: «النص جنيه»- علينا اجتياز أربع مراحل والحصول على ختم كل مرحلة، وأول المراحل وأصعبها بنك الدم، تلك المرحلة إلزامية تتبرع فيها بنصف لتر من الدم بعد إجابة امتحان يتكون من سبعة وعشرين سؤالًا من الجمل الطويلة، تختار بين نعم أو لا، خلال تلك المرحلة أنت أمام ثلاثة تحديات: الوصول لبنك الدم؛ إذْ يبعد عن القسم مسافة طويلة، والعثور على قلم للإجابة، وأن يكون عندك دم أصلًا بعد كل ذلك.
تنجز تلك المهمة فيعطونك الختم، وعلبة عصير تفاح تسعفك فقط لرجوع تلك المسافة الطويلة حتى تبدأ فى الخطوة الثانية داخل قسم الاستقبال، هذه المرحلة «بونص»، تذهب فيها إلى مكان التذاكر وتحصل على الختم بعد التيقن من ختم بنك الدم، أما الختم الثالث فعليك الإتيان فيه بشهادة ميلاد الطفلة أو تصوير بطاقة الوالد والشاى بالياسمين، أيهما أقرب. وأخيرًا، تجد نفسك تقطع ما يقرب من مئتى درجة سلم لتصل للختم الرابع والأخير: ختم 13.
وجدت قدمى المنتفخة موضع راحتها عند باب العمليات، مريم فى قمة الجوع والعطش مما سبب لها ضعفًا عامًا، وأصبحتُ أنا وزوج أختى فى حاجة لاستخراج الاحتراق النفسى الحادث بداخلنا. تلهو مريم مع أطفال - أمام غرفة العمليات - كل بما بلع؛ أحدهم بلع صامولة، والثانى بداخل بلعومه حجر قلم، وهذا يقفز ويقفز معه دبوس يجرح مريئه. استخرجنا النصف جنيه، وتحركنا تاركين ماضياً لا نريد تذكره.
عند الليل تلعب مريم معي، أمسك يدها الناعمة التى تحاول عبثًا أن تفلتها لتجرى بعيدًا، فوجدتها تشير إليَّ كى تهمس فى أذني، فقفزت التوقعات إلى عقلى كبالونات مملوءة أضرار بلع العملة والحكمة التى تعلمتها، وإذا بها تُفجر البلالين فى وجهى حين تهمس فى دلع: 
ـــ خالو، عايزة نص جنيه.

 

 
 
 
 
 
 

الكلمات الدالة

 
 
 
 
 

مشاركة