د.محمد سليم شوشة
عصر المعرفة
تشكُّل الهوية فى عصر الذكاء الاصطناعى
الإثنين، 27 يوليه 2026 - 08:28 م
د.محمد سليم شوشة
هناك حركات عنيفة للتجريف والكحت والتزييف والتشويه للهوية المصرية تجرى من بعد حرب أكتوبر المجيدة
تأخذ الدراسات الإدراكية اتجاهات مغايرة فى دراستها للهوية، فلم تعد مسألة الهوية مبنية بشكل كامل على فرضيات نظرية ولم تعد مسألة خالصة للعلوم الإنسانية مقصورة على الرؤى التفسيرية والتأويلية وافتراضات النقاد والشعراء والمنظرين، بل أصبحت هناك تحديدات للهوية على أسس بيولوجية، تأسيس للهوية على ما هو مادى وملموس ويمكن أن ندرسه فى المعامل أو عبر التشريح أو عبر القياسات، هوية على أسس بيئية وجغرافية، هوية على أسس من العادات والتقاليد الغذائية وأنماط السلوك والحركة، هوية على أسس من عمليات القراءة والفهم والتفسير، وبالطبع هوية على أسس من اللغة والمسارات التى يتعامل بها العقل الجمعى مع اللغة وحضورها وتداولها فى المجتمع.
هكذا يمكن القول بإن العلوم الإدراكية حوّلت دراسة الهوية إلى مسارات واضحة ونتائج ملموسة، والهوية ليست بالأمر الهيّن، بل هى ما تمنح الفرد قيمته، وخصوصيته بين الآخرين، وبالمثل هى ما تشكل قيمة مجتمع وتحدد مدى استقراره وكيف يمكن التنبؤ بمستقبله فى ضوء سلوكه وفى ضوء ما يحكمه من قوانين ضمنية هى قوانين الهوية، واتضح كذلك أن الهوية تجمع بين الثبات والتحوّل، أى أن هناك دائماً محاور ثابتة وأخرى قابلة للتبدل، وما يثبت وما يتبدل أمر نسبى يتوقف على تعرض هذه المكونات والمحاور للهوية من مؤثرات تعيد تشكيلها وتغييرها أو تقوم بعمليات إحلال وإبدال، ومن الطريف أن مسألة الهوية غير مدروسة لدينا على أى نحو من الأنحاء، لكونها تقع فى المساحة المشتركة بين عدد من التخصصات، فهى نظريا تنتمى فى جانب منها لعلم الاجتماع، ومن جانب آخر تنتمى أيضا إلى علم النفس، ولكنها فى الوقت نفسه تقع ضمن اهتمامات الدراسات الثقافية التى غالباً ما تغفل عنها وتقتصر فيها على الترجمة، وفى أعماقها هى بالأساس صنيعة الأدب والفن والإعلام وأثر لهم من قديم الأزل وحتى الآن، فهى نتاج الخطابات السائدة فى المجتمع بكل أشكالها وأنواعها، وهكذا فهى تهم المشتغلين بالأدب وتحليل الخطاب، كما لا يمكن أن نغفل أن الهوية تتصل بالتشريعات والممارسات السياسية والأحزاب والنوادى والرياضة وغيرها من الأمور التى تصبح فاعلة فى تشكيل الهوية دون أن نشعر بها.
لو بحثنا مثلاً ملامح الهوية المصرية سنجد عدداً من الملاحظات البارزة، أن الإنسان المصرى فى القاعدة العريضة هو الحامى لثوابت الهوية القومية، أى أن هناك حركة حفظ على أساس واع تجرى لدى القاعدة العريضة من الشعب المصرى، هذه الحركة للحفظ محكومة نفسياً بقانون الألفة، فالإنسان المصرى يقاوم من داخله عمليات التغريب والتجريب والانحراف والنحت فى الهوية لأنه يريد حياة مستقرة ومتسقة مع بعضها، ولأن الإنسان المصرى يقدس الحياة ستجده بصورة طبيعية يحافظ فى نمطه الحركى والسلوكى اليومى على عدد من الثوابت تدور فى فلكها أبرز محاور الهوية القومية ومكوناتها، أول هذه الثوابت وأقدسها بالنسبة له هى الحدود الجغرافية، فهذه مسألة لا تقبل النقاش من الأساس، فلدى العقل الجمعى المصرى صورة ذهنية أرضه، وهى لا تنفصل فى ذهنه عن حدود الغيط والبيت، وهناك ثوابت أخرى تخص القيم الأخلاقية مثل العيب والحرام الذى ربما يكون منفصلاً عن آراء الفقهاء لكنه راسخ رسوخ التاريخ وتشكل عبر آلاف السنين من علاقة الإنسان المصرى بالدين. من حب الحياة تتفرع هوية أخرى أصيلة وهى حب الفن أو علاقة الإنسان المصرى بالفنون، لأنه يقدّس الجمال ويحب الألوان ويعشق التعبير عن الذات بصور مغايرة من التلوين والنحت والرسم والموسيقى، فالإنسان المصرى أقدم البشر تعبيراً عما بداخله بالفنون.
وهكذا يمكن تتبع أنماط الهوية القومية عبر عدد من المحاور والمكونات الأساسية والبارزة، ويمكن استكشافها كما لو أننا نجرى عملية تصوير بالأشعة للقوانين التى تحكم العقل الجمعى ولنرصد ما يتغير منها وما يتعرض للعدوان.
الحقيقة أنه فى مقابل هذه الحركة الواسعة من الحفظ للهوية لدى القاعدة الشعبية العريضة فى المجتمع المصرى هناك حركات عنيفة للتجريف والكحت والتزييف والتشويه للهوية المصرية تجرى من بعد حرب أكتوبر المجيدة، وكأن ساحة الحرب أخذت مسارات أخرى من بعد الاستعمار والحروب المباشرة فتحولت الحرب نحو الهوية القومية المصرية، ولكنها بلغت ذروة عنفها وفجرها فى الوقت الراهن مع الثورة التكنولوجية وعمليات التلاعب الواسع بالسرديات والقصص والأخبار والتلاعب حتى بثوابت الهوية البصرية بداية من الصورة والمطبخ المصرى وصولاً إلى الإعلانات التجارية وألعاب الفيديو وغيرها، وللحديث بقية.
الكلمات الدالة
الاخبار المرتبطة












سوق الكتابة الرخوة!
إنجاز بيئى
الذكاء الاصطناعى .. لغة كل المهن
تعصب بغيض
رسميًا.. إسرائيل الولاية الـ٥١
ناقوس «د. أبو الغار».. التعليم الطبى فى خطر ؟
الترند بأى ثمن
محاريب علم أم قاعات عبث ؟
نقطة.. وآخر السطر