اسامه السعيد
خارج النص
إفريقيا.. أرض الفرص و«أدغال» التحديات
الثلاثاء، 12 مايو 2026 - 08:04 م
أدغال التحديات التى تواجهها القارة الإفريقية لا تبدو العاصمة الكينية «نيروبى» فى ساعات الصباح الباكر أشبه بغابة تتنفس بعد سبات طويل، يطلقون عليها هنا «المدينة الخضراء»، مساحات الخضرة والأشجار فى كل مكان، فهى مدينة تقع على خط الاستواء مما يوفر لها كميات وفيرة من الأمطار، لكن جوها يبدو أكثر اعتدالًا بسبب ارتفاعها الكبير فوق سطح البحر.
فى نيروبى يمكنك أن تلمح كثيرًا من المتناقضات، الأبراج الزجاجية الحديثة التى تجسد رموز الحداثة تطل فى بعض مناطق العاصمة على مساحات شاسعة من حشائش السافانا التى تستوطنها قطعان الأسود ووحيد القرن والزرافات والأفيال، وأحدث السيارات تتجاور فى الشارع الواحد مع عربات متهالكة يستخدمها عموم الشعب، والطراز البريطانى فى العمارة وتخطيط الشوارع يذكرك فى كل خطوة بالإرث الاستعمارى الثقيل الذى عرفته المدينة، لكنك مع كل خطوة أيضًا تقرأ أسماء لبنوك وشركات ومؤسسات عالمية معروفة، فتشعر فى لحظة واحدة بارتباك هوية تلك المدينة، ما بين التمسك بماضيها وبين الانطلاق نحو مستقبلها.
هذا الارتباك ليس سمة مقصورة فقط على العاصمة الكينية، بل قد يكون مشهدًا متكررًا فى العديد من العواصم الإفريقية التى تجد نفسها أسيرة تحديات قائمة، بعضها موروث من عصر الاستعمار وما خلفه من أزمات سياسية، وصراعات داخلية، وتراجعات اقتصادية، والبعض الآخر يبدو من تداعيات عدم القدرة على تطوير نموذج حديث للدولة الوطنية فى مرحلة ما بعد الاستقلال.
وفى كل الأحوال يمكنك بسهولة أن ترى جيلًا إفريقيًا شابًا، يملأ شوارع المدن على امتداد خريطة القارة السمراء، هذه الأجيال وُلدت ونشأت فى زمن ثورة التكنولوجيا، وبات الإنترنت بالنسبة لها حقًا كالماء والهواء، وهى تستخدم وسائط التكنولوجيا الحديثة بكثافة، وتنفتح على العالم، ولا تكن ولاء كبيرًا لخطاب عصر الاستقلال، بقدر ما تبدى انتماء لفكر وأدوات السوشيال ميديا!
هذه الازدواجية اللافتة تجعلنا أمام واقع مربك ومرتبك فى القارة السمراء، فنحن أمام قارة تملك كل أدوات الثروة، ماديًا وبشريًا، لكنها أسيرة قيود تجعلها فى ذيل ترتيب مؤشرات التقدم والنمو، وهو ما يجعل وصف القارة الإفريقية بأنها قارة الفرص إلى تضيع فى «أدغال» التحديات وصفًا واقعيًا لا مبالغة فيه.
■ ■ ■
بينما يتجه العالم بخطى متسارعة نحو العقد الرابع من القرن الحادى والعشرين، تقف القارة الإفريقية على أعتاب تحول جذرى.. إنها القارة التى تُوصف بالتناقض الصارخ: «أرض الفرص الواعدة» التى تكتنز أثمن الموارد، و»غابة التحديات المعقدة» التى تعرقل انطلاقها.
المشهد الإفريقى الراهن يتسم بسيولة عالية، حيث يمتزج فيه بزوغ فجر النهضة التنموية بظلال الانكسارات الأمنية والجيوسياسية، وتفرض التحديات الإقليمية والدولية مزيدًا من الضغوط والأعباء على كاهل القارة المثقلة أصلًا بأعباء الماضى والمتطلعة دائمًا لمستقبل أفضل تملك قدرات تؤهلها للوصول إليه، لكن تواجه فى الوقت ذاته تحديات تحول دون تحققه.
قمة «إفريقيا إلى الأمام» التى استضافتها على مدى اليومين الماضيين العاصمة الكينية، وتشاركت نيروبى وباريس رئاستها، وبحضور طيف واسع من قادة القارة السمراء كان على رأسهم الرئيس عبدالفتاح السيسى، إضافة إلى كبار مسئولى المؤسسات الدولية، كانت فرصة لمزيد من المناقشات المتعمقة حول واقع ومستقبل القارة، وانعكاسات تزايد التحديات المحيطة بالعالم فى اللحظة الراهنة على مستقبل التنمية الإفريقية، خاصة فى ظل استمرار حالة «اللايقين» التى تهيمن على العالم الذى يبدو وكأنه يقف على أطراف أصابعه يترقب مصيرًا ضبابيًا فى ظل حروب وتوترات تتصاعد وتيرتها، وأزمات اقتصادية تتفاقم ضغوطها، وصراعات مستعرة لا تهدأ جذوتها.
■ ■ ■
تمتلك إفريقيا ثروة ديموغرافية شابة، إذ يبلغ متوسط عمر السكان فى القارة حوالى 19 عامًا، مما يجعلها القارة الأكثر شبابًا فى العالم. هذا «الرصيد الديموغرافى» يمثل قوة عاملة هائلة وسوقًا استهلاكيًا متناميًا، لكنه فى الوقت ذاته يمثل عنصر ضغط إذا لم تفلح السياسات الاقتصادية فى توفير فرص عمل كافية لتلك الأيدى الشابة، فضلًا عن انتشار جماعات التطرف والعنف السياسى فى أرجاء القارة، التى تنظر لهؤلاء الشباب باعتبارهم مخزونًا متوافرًا للتجنيد ونشر الأفكار المتطرفة.
كما تمثل إفريقيا أيضًا مستودع العالم للموارد الحيوية، حيث تحتوى على ٦٥ فى المائة من الخامات اللازمة للصناعات التكنولوجية والطاقة النظيفة (الكوبالت، الليثيوم، النحاس)، لكن تلك الثروات من المعادن النادرة يسيل لها لعاب اللاهثين لاقتناص الثروات والقوى الدولية المتصارعة على الهيمنة على صناعات المستقبل وموارد بناء أدوات الصناعات الذكية، فتتحول تلك الثروات فى زمن الاستقطاب الراهن من نعمة فى يد الأفارقة ووسيلة لبناء مستقبلهم، إلى نقمة على شعوب القارة، تعيدهم إلى زمن الاستعمار، ولكن بأدوات القرن الحادى والعشرين.
■ ■ ■
أدغال التحديات التى تواجهها القارة الإفريقية لا تخلو من أزمات أخطر من مجرد انتشار الإرهاب، أو الهشاشة السياسية والأمنية، فربما تكون تلك الأزمات «عرض لمرض»، وهذا المرض هو عدم قدرة الكثير من دول القارة على الانتقال من عقلية القبيلة، إلى فكر الدولة الوطنية، فلا تزال كثير من دول القارة غارقة فى صراعات داخلية عنيفة تلتهم الثروة، وتنهش معها كل فرص الحلم بمستقبل آمن ومستدام.
العديد من أقاليم القارة لا يزال يعانى حالة عميقة من عدم الاستقرار السياسى والتحولات غير الديمقراطية فى أنظمة الحكم، لا سيما فى غرب إفريقيا ومنطقة الساحل، فضلًا عن انتشار النزاعات والحروب الأهلية، فلا تزال بؤر الصراع فى السودان، شرق الكونغو الديمقراطية، ومنطقة الساحل (مالى وبوركينا فاسو والنيجر).
وتشهد القارة الإفريقية حاليًا حوالى ٤٠ فى المائة من حروب العالم، مع أكثر من 50 نزاعًا مسلحًا نشطًا، وقد تزايدت هذه النزاعات بنسبة ملحوظة منذ عام 2020، مما أدى إلى واحدة من أكبر أزمات النزوح فى العالم، حيث أجُبر أكثر من 35 إلى 45 مليون شخص على النزوح بعيدًا عن ديارهم، فضلًا عن تدمير البنية التحتية، مما يجعل الاستقرار حلمًا بعيد المنال.
وحتى الدول التى هدأت فيها وتيرة الصراعات الساخنة ليست بمنأى عن حصار الأزمات، فدولة مثل إثيوبيا لا تزال تشهد توترات مستمرة وتجددًا للنزاعات فى مناطق مختلفة رغم اتفاقيات السلام السابقة التى أنهت حرب الحكومة الفيدرالية فى أديس أبابا ضد قومية «تيجراى»، فلا تزال جذوة التوتر مشتعلة تحت رماد الهدوء الظاهرى، مهددة بانفجار الموقف فى أية لحظة.
ولا يبدو خطر التوتر فى دولة مثل إثيوبيا مقتصرًا على واقعها الداخلى، بل يؤدى إلى تهديد المحيط الإقليمى، فأديس أبابا ومنذ عقود تتبع نموذج «تصدير الأزمات» أى افتعال أزمات خارجية، وإشعال ذرائع للتوتر مع دول الجوار للتغطية على أزماتها الداخلية وإيجاد وسيلة لتبرير إجراءات قاسية فى الداخل لا يمكن تمريرها إلا بدعاوى الأزمات الخارجية.
وما قضية السد الإثيوبى ومحاولات الإضرار العمدى بمصالح مصر المائية، والتورط فى مساندة ميليشيا «الدعم السريع» فى السودان، وافتعال الأزمات فى منطقة القرن الإفريقى وتشجيع النزعات الانفصالية فى الصومال إلا بعض تجليات ذلك النموذج الإثيوبى فى زعزعة استقرار المنطقة للتغطية على الأزمات الداخلية، وهو ما يزيد من تعقيد تداعيات الصراعات الداخلية فى إفريقيا، فسرعان ما تتحول تلك الصراعات إلى أزمات إقليمية، بل وتفتح الطريق بالتبعية لانخراط قوى دولية ترى فى تلك الصراعات تربة خصبة لممارسة لعبة «الكراسى الموسيقية» للجلوس على مقاعد النفوذ والهيمنة فى المناطق الرخوة أمنيًا وسياسيًا.
■ ■ ■
وإذا كانت قمة «إفريقيا إلى الأمام» تركز فى المقام الأول على فرص الشراكة الاقتصادية وتحديات التنمية فى القارة المُثقلة بالأعباء، فإنه من المستحيل فى «الأدغال» الإفريقية التفرقة بين ما هو اقتصادى، وبين ما هو سياسى، فالواقع الإفريقى أشبه بكرة شوك متداخلة، كلما تصورت أنك استطعت حل تشابكها دخلت فى تعقيد أصعب يدمى يديك.
وهنا لا بد من التوقف أمام كلمة الرئيس عبدالفتاح السيسى فى جلسة العمل المخصصة لمناقشة إصلاح الهيكل المالى الدولى وتعزيز وصول الدول الإفريقية إلى التمويل المستدام، ضمن فعاليات قمة «إفريقيا إلى الأمام» والتى أكد الرئيس السيسى خلالها على أنه «لا تنمية بدون سلام.. ولا سلام بدون تنمية» وأن التوترات الجيوسياسية المتنامية، بما فيها فى الشرق الأوسط، يترتب عليها آثار تقوّض استقرار سلاسل الإمداد الدولية، وتؤثر سلبًا على أمن الطاقة والغذاء وبشكل أشد وطأة، على دولنا الإفريقية، التى تبذل مساعى مضنية، فى سبيل تحقيق أهداف التنمية لشعوبها فى الوقت الذى تسعى فيه أيضًا، إلى الحفاظ على انضباطها المالى، وكبح جماح مستويات الدين بها.
الصراعات والحروب الأهلية تعتبر من أهم معوقات التنمية فى إفريقيا، حيث تؤدى إلى تدمير البنية التحتية (المدارس، المستشفيات، والطرق.. إلى آخره). مما يعطل الخدمات الأساسية، إضافة إلى تهديد الأمن الغذائى، حيث تؤدى الحروب إلى عرقلة الزراعة وتفاقم انعدام الأمن الغذائى.
كما تقلل النزاعات النمو الاقتصادى السنوى فى إفريقيا بنسبة لا تقل عن ٢٫٥ فى المائة، وفق التقارير الرسمية التى تبدو متحفظة فى معظم الأحيان، وتؤدى أزمات اللجوء والنزوح المتكررة فى السنوات الأخيرة إلى انتشار الفقر والمجاعة، وتزايد أعداد النازحين واللاجئين، مما يضغط على موارد الدول المستضيفة.
ويقود عدم الاستقرار إلى هروب رءوس الأموال وهجرة العقول، لتتصدر القارة الإفريقية قائمة الدول التى تصدر عقولها إلى دول الشمال الغنية، التى لا تتحدث كثيرًا عما تستقطبه من الكوادر الإفريقية المؤهلة، لكن يتعالى صراخها من موجات الهجرة غير المشروعة التى تتصدر أيضًا إفريقيا قائمة المصدرين لها.
■ ■ ■
هذا الواقع الداخلى الصعب فى الكثير من دول القارة لا يبدو منفصلًا أيضًا عن التأثيرات الخارجية، وهذه واحدة من السمات التى تتسم بها الأزمات الإفريقية، فكل مشكلة داخلية لا بد أن تجد لها امتدادًا خارجيًا.
وفى المرحلة الراهنة من حالة السيولة والتحول التى يشهدها النظام الدولى لم تعد إفريقيا بمنأى عن الصراعات الدولية، بل أصبحت مسرحًا للتنافس بين القوى الكبرى، فالصين وروسيا والولايات المتحدة والاتحاد الأوروبى، جميعهم يتنافسون على ثروات القارة، فبينما تركز الصين على البنية التحتية، تسعى روسيا للحضور العسكرى، وتواجه فرنسا تراجعًا فى نفوذها التقليدى، تحاول تعويضه عبر الدور الثقافى والقوة الناعمة وفتح آفاق جديدة لدبلوماسيتها بعيدًا عن الدوائر التقليدية لتحركها فى الغرب الإفريقى.
وتأتى قمة «إفريقيا إلى الأمام» لتمثل واحدة من تلك الخطوات الفرنسية للانفتاح على شرقى القارة، والاقتراب من ميدان البحر الأحمر والخليج العربى الذى يبدو فى الآونة الأخيرة مسرح عمليات نشطًا، وتبدو الأمور فيه مرشحة للتصعيد.
هذا التنافس الدولى يمكن أن يكون فرصة للقارة للحصول على العديد من مكاسب الدعم والمساندة التعليمية والتكنولوجية وتوفير الخبرات التى تعين الكثير من دول القارة على تطوير قدراتها الذاتية للنهوض وتجاوز عثراتها، لكن ذلك لا يتحقق إلا بوجود رؤية تفاوضية إفريقية جماعية، وهذا ما سعت إليه مصر مرارًا وتكرارًا عبر دبلوماسيتها النشطة فى القارة، وباستثمار مختلف أطر الحوار سواء على المستوى الثنائى أو الجماعى، فضلًا عن انفتاح مُقدر على مختلف القوى الدولية الراغبة فى التعاون مع دول القارة الإفريقية، لذلك يندر أن تجد دولة مثل مصر تمتلك علاقات استراتيجية متوازنة مع مختلف القوى المتنافسة سالفة الذكر.
والأهم أن مصر لا توظف تلك العلاقات لمصلحة شعبها فقط، وهذا أمر مشروع وبديهى بطبيعة الحال، لكن القاهرة تسعى دائمًا إلى توسيع نطاق الشراكة، لمزيد من تحقيق المصالح المُتبادلة بين مختلف الشركاء، فيكون التعاون ثلاثيًا فى كثير من الأحيان، مصريًا وإفريقيًا بالشراكة مع الطرف الراغب فى التعاون، وهو نموذج بالغ الأهمية ويعكس نضجًا للاستراتيجية المصرية فى التعامل مع مصالحها وإدراكها لمصالح مختلف الأطراف.
ما تقوم به مصر هو المثال المُبتغى والنموذج الأمثل الذى ينبغى تعميمه، لكن للأسف فى بعض الأحيان يتحول التنافس الدولى إلى حالة من الاستقطاب، ومحاولة بناء محاور متصارعة، وهذا الأمر يؤدى إلى إهدار المكتسبات، وإضاعة الفرص السانحة للتعاون والشراكة البناءة، ويتحول الأمر من وسيلة لبناء الفرص، إلى أداة لإضاعة تلك الفرص!!
■ ■ ■
قمة «إفريقيا إلى الأمام» ركزت بشكل لافت على ما تعانيه القارة الإفريقية من أوجه ظلم وتمييز هيكلية ومُمنهجة فى تعاملها مع مؤسسات التمويل الدولية (مثل صندوق النقد الدولى والبنك الدولى)، مما يفاقم أزمات الديون ويعيق التنمية المستدامة.
وهنا أعود لأتوقف مجددًا أمام حديث الرئيس عبدالفتاح السيسى الواضح والقوى أمام القمة، ودعوته إلى «ضرورة كسر الحلقة المفرغة لمعضلة الديون السيادية، خاصة فى الدول الإفريقية التى بات يُنفق عدد كبير منها على خدمة الدين، أكثر مما يُنفق على الصحة والتعليم معًا».
فالقارة الإفريقية ورغم أنها الأكثر احتياجًا لتمويل التنمية لتعويض عقود طويلة من النهب الاستعمارى لثرواتها، وبناء فرص واعدة للمستقبل تتجاوز العديد من التجارب الفاشلة والإخفاقات المتكررة فى توفير موارد مستدامة لتمويل مشروعات البنية التحتية وبناء قواعد زراعية وصناعية حديثة، إلا أن القارة الإفريقية تبدو الأكثر معاناة فى تعاملها مع مؤسسات التمويل الدولية، إذ تضطر الدول الإفريقية لدفع أسعار فائدة أعلى بكثير مقارنة بالدول المتقدمة أو حتى النامية فى مناطق أخرى، كما تحصل الدول الإفريقية على تصنيفات ائتمانية منخفضة، مما يرفع تكلفة التأمين على المخاطر، ويجعل الاقتراض عبئًا ماليًا ضخمًا.
علاوة على ذلك، تفرض مؤسسات التمويل شروطًا صارمة (مثل برامج التكيف الهيكلى) الأمر الذى يتطلب خفض الإنفاق العام، مما يؤدى إلى تقليص الميزانيات المخصصة للصحة والتعليم والبنية التحتية، وقد أدى هذا إلى «حلقة مفرغة من الفقر»، حيث تذهب حصيلة كبيرة من الإيرادات الوطنية لسداد فوائد الديون بدلًا من الاستثمار فى التنمية.
وتساهم السياسات التمويلية فى إبقاء الدول الإفريقية كمصدر للمواد الخام، مما يمنع التحول الهيكلى نحو التصنيع، ويجعل الاقتصادات هشة أمام الصدمات الخارجية، إضافة إلى أن مؤسسات التمويل الدولية تستثمر مبالغ كبيرة ولكنها غالبًا ما تركز على قطاعات محددة لا ترتبط بالضرورة بأجندات التنمية الوطنية للدول الإفريقية، وتعتبر تلك المؤسسات القارة «موقعًا عالى المخاطر» متجاهلة الظروف التى تخلقها أحيانًا القوى العالمية الكبرى لتكريس حالة الخطر على أرض القارة.
الأصعب أن الدول الإفريقية تفتقر إلى صوت قوى فى هيكلة وصنع سياسات هذه المؤسسات، حيث تسيطر الدول الغربية على قرارات صندوق النقد والبنك الدوليين، وهذا الخلل يجعل البرامج التمويلية غالبًا لا تتناسب مع الاحتياجات الحقيقية والسياق الاجتماعى والاقتصادى للقارة.
وللأسف تتحول كثير من برامج التمويل سواء على المستوى الثنائى أو الجماعى المُقدمة من بعض الدول المتقدمة أو المؤسسات الدولية إلى ما يشبه «المن والإحسان» على الدول الإفريقية، بينما ما تحتاجه تلك الدول هو نظام تمويل أكثر عدالة ومراعاة للاحتياجات التنموية للدول الإفريقية، والأهم أكثر إدراكًا لواقع الكثير من الدول الإفريقية التى تعانى تحديات جمة للوفاء بالحد الأدنى من الحياة اللائقة لشعوبها.
وهنا لا يستقيم القياس ولا تستوى المقارنة بين دول إفريقية واجهت حروبًا أهلية أو صراعات داخلية، أو نُهبت ثرواتها لعقود طويلة، وبين دول غربية نهبت تلك الثروات وبنت من خلالها قاعدة اقتصادية وصناعية صلبة ومستقرة منذ عقود طويلة، واليوم تضع تلك الدول المتقدمة شروطًا ومقاييس موحدة يستفيد منها الأقوياء ويعانى من وطأتها الراغبون فى بناء مستقبل أفضل لشعوبهم.
■ ■ ■
الصوة - رغم صعوبتها - لا تبدو قاتمة، فهناك تجارب إفريقية استطاعت أن تواجه التحديات بشجاعة، وأن تتحلى بمرونة فى مواجهة الأزمات التى فرضتها التطورات فى إقليمها والعالم، وفى مقدمة تلك الدول بكل تأكيد واعتزاز كانت التجربة المصرية، التى تطرق إليها الرئيس السيسى فى كلمته أمام القمة أمس بتأكيده على أنه «برغم تعاقب الأزمات الإقليمية والدولية، استطاعت مصر أن تواصل برنامجها الطموح للإصلاح الاقتصادى، من خلال حزمة متكاملة من الإجراءات، لضبط السياسات المالية والنقدية، وتطوير البيئة التشريعية، وتقديم حوافز جاذبة للاستثمار بالتوازى مع تطوير بنيتها التحتية، فى مجالات الطرق والاتصالات والنقل واللوجستيات بما يجعل مصر بوابة للقارة الإفريقية، بكل ما تمتلكه هذه القارة الشابة، من فرص وإمكانيات واعدة للمستقبل».
وهناك كذلك تجارب إفريقية واعدة مثل رواندا التى تصنفها كثير من التقارير كنموذج للتحول نحو الاستقرار والتنمية بعد حروب عرقية قاسية، وهناك أيضًا محاولات جادة فى دول مثل كينيا وتنزانيا، إضافة إلى التجارب الإفريقية التى قطعت شوطًا مهمًا فى تعزيز قدراتها الاقتصادية مثل جنوب إفريقيا.
كل هذه التجارب ترشدنا إلى حقيقة مفادها أن نجاة إفريقيا لا تعتمد على المساعدات الخارجية رغم أهميتها، بل على قرارات استراتيجية شجاعة تتضمن تعزيز إرادة النهوض الداخلى، وإقامة صناعات قادرة على خلق فرص عمل للشباب، وتعزيز الاستثمار فى الإنسان من خلال التعليم والتدريب المهنى باعتبار ذلك هو المفتاح الحقيقى نحو بناء «إنسان إفريقى» مُؤهل تقنيًا ومعرفيًا هو الذى سيقود الثورة الصناعية والزراعية.
■ ■ ■
ختامًا.. إن إفريقيا فى هذا المنعطف التاريخى الذى تعيشه ليست مجرد ضحية لظروفها، بل هى قارة تقاتل من أجل مستقبلها.. الفرص هائلة، ولكن «أدغال» التحديات تتطلب حكمة وشجاعة فى المواجهة.
إذا نجحت القارة فى تحويل مواردها إلى تصنيع، وشبابها إلى طاقة إنتاجية، وفرضت استقرارها السياسى، فإن القرن الحادى والعشرين سيكون بحق «قرنًا إفريقيًا» بامتياز.
تخلو من أزمات أخطر من مجرد انتشار الإرهاب، فربما تكون تلك الأزمات «عرض لمرض»، وهذا المرض هو عدم قدرة الكثير من دول القارة على الانتقال من عقلية القبيلة، إلى فكر الدولة الوطنية
الكلمات الدالة
الاخبار المرتبطة











روح يونيو وذكريات التحدى!
التصعيد خطير.. والاتفاق قريب!!
العملات المحلية وتخفيف الضغط على الدولار
هل يحتاج الدين لنجاح ورسوب ؟!
مصير الحرب والسلام فى الشرق الأوسط
أبو البنات
٣٠ يونيو.. وإعلام الإخوان
وضوح الرؤية
الدواء سُم قاتل «3»