جامع السلطان المؤيد شيخ أقيم على أنقاض سجن شمائل فى حى الجمالية
جامع السلطان المؤيد شيخ أقيم على أنقاض سجن شمائل فى حى الجمالية


جوهرة الدولة المملوكية| «المؤيد شيخ» حكاية سلطان «نذر» بناء مسجده فوق سجنه

الأخبار

الخميس، 04 يونيو 2026 - 08:35 م

شروق شكرى
 

هو واحد من أبشع سجون العصر المملوكى «خزانة شمائل» يقع بجانب باب زويلة فى شارع المعز، تاريخيًا اعتبروه «مقبرة الأحياء» من شدة العذاب الذى يراه المساجين بداخله، كان سراديب تحت الأرض، مما جعله مظلمًا تمامًا طوال النهار والليل وبسبب موقعه وتصميمه، كان يعج بالحشرات والرطوبة العالية التى تفتك بأجساد السجناء.

وسط ظلام دامس وزنزانة ضيقة تحمل بداخلها صرخات الألم والهزيمة، كان هناك داخل هذا السجن رجلُ مقيدةُ  يداه بالأغلال تضُج نفسه باليأس والرجاء، وهو ليس سجينًا عاديا بل هو سلطان مصر القادم «المؤيد أبى النصر سيف الدين شيخ» الذى سيغير ملامح هذه المنطقة للأبد.

كان الناس فى القاهرة يضربون بهذا السجن المثل فى الضيق والقسوة، يقال إن من كان يدخله «مفقود» ومن يخرج منه «مولود»، كان السجناء فيه يقيدون بسلاسل حديدية ثقيلة جدًا تمنعهم حتى من أبسط الحركات، سجن خصص للأمراء وكبار رجال الدولة الذين يغضب عليهم السلطان، وهذا ما جعل معاناة «المؤيد شيخ» فيه مضاعفة، لأنه انتقل من رغد القصور إلى جحيم «خزانة شمائل»، و«المؤيد شيخ» هو مملوك السلطان «برقوق» الذى اشتراه وأصبح من المقربين، وترقى تدريجيًا فى مناصبه حتى أعتق وترقى فى الجيش المملوكى حتى أصبح نائبا على الشام.

ودارت الأيام وزاد التوتر بين المؤيد شيخ، وبين فرج بن السلطان برقوق فى مصر، وارتفعت حدة الصراع السياسى على الحكم، ثم انتهى بعد سنوات طويلة بهزيمة المؤيد شيخ فى إحدى المعارك الحاسمة وتم القبض عليه.. وبدلاً من إعدامه قرر الناصر فرج برقوق إهانته وسجنه فى «خزانة شمائل» بقلب القاهرة.

فى ظلمات هذا السجن ولد «النذر الشهير»، بين ليلة وضحاها تجرع المؤيد شيخ مرارة الذل حيث سكن الظلام عينيه وأكلت الرطوبة عظامه، رجل لم يألف سوى هواء الصحراء المتدفق، كانت السلاسل الحديدية التى تقيد قدميه تعزف لحنًا جنائزيًا مع كل حركة بينما كانت الحشرات والبراغيث تنهش جسده فى صمت.

فى ليلة من ليالى المؤيد الحزينة وسط اليأس والرجاء، الأمل والخيبة، العذاب والظلام، نذر المؤيد نذرًا أمام الله وأقسم وهو فى قمة انكساره أنه إذا جلس على عرش السلطنة سيهدم سجن شمائل ويشيد فوق أنقاضه جامعًا يذكر فيه اسم الله ليكون النور بديلاً عن الظلام والسكينة بدلاً من العذاب.
وشاءت الأقدار أن تمنح الرجل نصيبًا آخر من الحظ، ونال المؤيد شيخ حريته، بل وثقة خصمه السلطان فرج بن برقوق فانطلق من سجن شمائل إلى قيادة الجيوش فى الشام، ومنها عاد مؤيد شيخ فارسًا وقائدًا يحمل حلم السلطنة فى قلبه ليثبت أن السجن لم يكن نهاية الرحلة بل كان مجرد استراحة محارب قبل الجلوس على العرش.

  وصل المؤيد شيخ بجيش من الشام إلى مصر ليقود حربًا ضد فرج بن برقوق، وانتهى الصراع باعتلاء المؤيد كرسى العرش، وأول ما قام بفعله هو «وفاء النذر»، وأمر بهدم سجن خزانة شمائل وبناء مسجد من أفخم مساجد العمارة الإسلامية مكانه، وهو جامع «المؤيد شيخ» جوهرة الدولة المملوكية، المسجد والمدرسة والكتاب، وتعمد المؤيد بناء مئذنة المسجد فوق برجى زويلة لتصبح علامة فارقة فى سماء القاهرة.

اليوم يقف جامع المؤيد شيخ بباب زويلة شاهدًا على أن «نذر السجين» قد تحول إلى فخر السلطان، وأن يد الفن والعمارة أقوى بكثير من ظلام السجن وظلم السجان.

 
 
 
 
 
 
 
 

الكلمات الدالة

 
 
 
 
 

مشاركة