محميات البحر الأحمر
محميات البحر الأحمر


خطط لتعزيز السياحة البيئية وصون الموارد

محميات البحر الأحمر.. لوحات تنبض بالجمال

آخر ساعة

الجمعة، 05 يونيو 2026 - 03:09 ص

ندى‭ ‬البدوى

على امتداد الساحل الشرقى لمصر يلمعُ البحر الأحمر كلوحةٍ فيروزية آسرة، تزخر بكنوزٍ بحرية جعلته فى قلب السياحة البيئية عالميًا، وفى وقتٍ تتعرض نظمٌ مرجانية كبرى حول العالم لتدهور متسارع بفعل آثار التغير المناخي، تكتسب الشعاب المرجانية فى البحر الأحمر أهمية استثنائية كونها الأكثر قدرة على الصمود أمام ارتفاع درجات الحرارة، ما يجعله واحدا من آخر االملاذاتِ الآمنةب لهذه النظم الإيكولوجية عالميًا حسبما تُرجح دراسات علمية، الأمر الذى يعزز مكانته ليس فقط كمقصد لسياحة الغوص والأنشطة البحرية، بل كمخزون بيئى عالمى يستدعى تكثيف جهود الحماية والصون، وهو ما تعمل عليه وزارة البيئة مع عدد من الجهات ومنظمات المجتمع المدنى المعنية بحماية البيئة البحرية.

تمثل جزر البحر الأحمر ومواقع الشعاب المرجانية أحد أبرز كنوز مصر الطبيعية، إذ تنتشر عشرات الجزر قبالة الساحل فى تشكيلات بكر تحتضن نظمًا بيئية شديدة الحساسية، ما يجعلها محورًا رئيسيًا للسياحة البيئية والرحلات اليومية، ساعةً واحدة من الإبحار تستغرقها الرحلة من مراسى مدينة الغردقة حتى تصل إلى جزيرة الجفتون الواقعة شرق المدينة، ومع اقترابك يتحوّل لون المياه تدريجيًا من الأزرق العميق إلى درجات الفيروزى الشفيف، بينما تنبسط الرمال البيضاء قبالة شاطئ اأورانج باىب الذى يعد أحد أبرز المشروعات السياحية على الجزيرة وأكثرها استقبالاً للزوار من مختلف الجنسيات.

يقدم الموقع نموذجًا للسياحة البيئية المنظمة، بدءًا من طبيعة الإنشاءات الخفيفة لمناطق تقديم الأطعمة والمشروبات والبرجولات والممرات الخشبية التى تعتمد على مواد صديقة للبيئة، بألوانها المتناغمة مع البيئة المحيطة، إلى اللوحات الإرشادية التى تمد الزوار بتعليمات الحفاظ على البيئة والتوعية التى يجريها القائمون على الرحلات. حيث تتم إدارة وتشغيل هذه المشروعات وفق ضوابط بيئية صارمة تراعى السعة الاستيعابية للجزيرة، بما يحد من الضغط على الشعاب المرجانية القريبة ويحافظ على جودة المياه والحياة البحرية، كما يؤكد الدكتور أحمد غلاب مدير عام محميات البحر الأحمر.

ويوضح أن جزر البحر الأحمر البالغ عددها ٣٩ جزيرة معلنة كمحميات طبيعية تمثل االمخزون الاستراتيجى البيئى الأهمب هنا، مشددًا على أن التعامل معها لا يمكن أن يخضع لمنطق التنمية التقليدية، نظرًا لهشاشتها البيئية وقدرتها المحدودة على تحمل الضغوط البشرية. متابعًا: هذه الجزر تُدار بشكل تشاركى بين جهاتٍ عدة باعتبارها ملكية عامة للدولة، ونعمل على إدارتها وفق مبدأ االاستخدام غير الدائمب، حيث يُمنع إنشاء منشآت ثابتة ويُكتفى بخدمات خفيفة ومؤقتة للزوار تضمن الحد الأدنى من التدخل البشري. وتعد الجزر القريبة من الغردقة، مثل الجفتون ومجاويش وأبو رمادة، من أكثر المواقع تعرضًا للضغط السياحى نتيجة الرحلات اليومية، ما يستلزم إدارة دقيقة لحركة الزوار والأنشطة البحرية.

ويفند غلاب معايير إدارة الجزر ومواقع الأنشطة البحرية والتى تعتمد على تصنيف بيئى دقيق يراعى طبيعة كل موقع وقدرته الاستيعابية، التى تحدد وفق حساسية الشعاب المرجانية والتنوع البيولوجى الذى يحويه، بما يضمن عدم تجاوز قدرة النظام البيئى على التجدد، لافتًا إلى أن هناك جزرًا ذات شواطئ رملية تسمح بإقامة منشآت محدودة بينما توجد جزر أخرى يغلب عليها الطابع الصخرى أو تحيط بها شعاب مرجانية مباشرة، وهذه يتم توجيه استخدامها بشكل أساسى إلى أنشطة الغوص والسنوركلينج دون أى إنشاءات على اليابسة.

هناك خطة إدارة متكاملة لمحميات البحر الأحمر كما يوضح غلاب، وتشمل تنظيم حركة المراكب وتحديد المسارات الملاحية الآمنة، والمتابعة يومية عبر دوريات بحرية لمنع أى تجاوزات مثل الرسو العشوائى أو الصيد داخل نطاق المحميات، وذلك فى إطار تطبيق قانون المحميات رقم 102 وقانون البيئة.

ويؤكد أن البحر الأحمر يتميز بتنوع كبير فى المنتج السياحي، يبدأ من الرحلات اليومية ومشاهدة الدلافين، وصولًا إلى مواقع الغوص المتقدمة مثل جزر االأخوينب لمشاهدة القروش، واالزبرجدب لرصد السلاحف البحرية، إلى جانب مواقع مميزة مثل الروكى وإلفن ستون، ومواقع أبو دباب ومرسى مبارك وأبوتنحاس وغيرها، ما يعزز من تجربة السائح ويزيد من متوسط إنفاقه. كما يمثل الشريط الساحلى الممتد بين جبل الزيت والجونة، وما يقابله من جزر مثل الجمشة والجيسوم وجزيرة غانم، مجالًا واعدًا لتنمية السياحة البيئية حال تطوير الساحل بشكل متكامل، مع الالتزام بالضوابط البيئية كما يشير.

بينما تزيد الميزة التنافسية العالمية للبحر الأحمر بفضل المرونة الاستثنائية للشعاب المرجانية فى مواجهة آثار التغير المناخى المتفاقمة، كما يوضح، متابعًا: على الرغم من موجات الاحترار التى يشهدها العالم، لم تتجاوز معدلات الابيضاض فى البحر الأحمر نحو 10%، مع تسجيل نسب تعافٍ مرتفعة تراوحت بين 70% و85% خلال فترات قصيرة، وهى معدلات نادرة عالميًا، ويرجع ذلك إلى عوامل بيئية فريدة، أبرزها حركة التيارات البحرية والتباين الموسمى فى درجات الحرارة، التى تعزز قدرة الشعاب على التكيف.

ويوضح غلاب أن حماية الشعاب تعتمد على منظومة رصد علمى مستمرة، حيث تُنفذ برامج رصد سنوية على امتداد الساحل المصرى لمتابعة حالتها بدقة، من حيث نسب الابيضاض والتعافى والتغيرات فى الغطاء المرجاني. وقد سجلت هذه البرامج ذروة الإجهاد الحرارى خلال صيف 2024، الذى شهد أعلى درجات حرارة للمياه، مع ظهور حالات ابيضاض محدودة فى بعض المناطق، خاصة بين الغردقة وجنوب مرسى علم، إلا أن الشعاب أظهرت قدرة سريعة على التعافي، واستعادت كفاءتها البيئية خلال فترات وجيزة.

ويشير إلى أن كثافة الاستخدامات السياحية تمثل أحد أبرز التحديات التى تواجه البيئة البحرية، خاصة مع تزايد أعداد الرحلات والمراكب، حيث يزيد هذا الضغط فى ظل تشغيل نحو 3750 مركبًا سياحيًا مرخصًا، إلى جانب ما يقارب 500 رحلة يومية بين الجونة وسفاجا، وهو ما يضع النظم البيئية خصوصًا الشعاب المرجانية، أمام تحدٍ مباشر يستوجب ضبطًا صارمًا للاستخدامات.

فيما يؤكد الدكتور تامر كمال رئيس الإدارة المركزية للتنوع البيولوجى بوزارة البيئة أن الموارد الطبيعية فى السواحل المصرية تُعد من أهم الثروات البيئية عالميًا، حيث يضم البحر الأحمر أكثر من 200 نوع من الشعاب المرجانية الصلبة، إلى جانب تنوع كبير فى الكائنات البحرية المرتبطة بها، وهو ما يبرز أهمية خطوة إعلان االحيد المرجانى العظيمب كمنطقة محمية وذلك لحماية الشريط المرجانى الممتد على طول الساحل، خاصة فى المناطق التى كانت تقع خارج نطاق المحميات.

ويلفت كمال إلى أن التلوث البحري، خاصة التلوث البترولى يمثل واحدًا من أخطر التحديات التى نواجهها، إذ يبدأ غالبًا كطبقة عائمة على سطح المياه قبل أن يتشبع ويترسب على الشعاب المرجانية، ما يجعل سرعة التدخل عاملًا حاسمًا فى الحد من أضراره. 

ويضيف أن هناك منظومة متكاملة لإدارة الأزمات تعتمد على التنسيق بين جهاز شئون البيئة وهيئة البترول والقطاع الخاص، مع الإبلاغ السريع عن أى حوادث كخطوة أولى للاستجابة. حيث يتم التعامل مع التلوث وفق مستويات تبدأ بالاحتواء الفورى فى موقع الحادث، ثم السيطرة على نطاقه الخارجي، وصولًا إلى حالات الانتشار الأوسع، مع مراجعة دورية لخطط المكافحة وتحديثها، هذه المنظومة تزيد أهميتها مع وجود أنشطة بترولية قريبة من مناطق حساسة مثل محمية الجزر الشمالية، ولا يقتصر التلوث على الزيت فقط، بل يشمل المخلفات الصلبة والبلاستيكية ذات التأثير المباشر على النظم البحرية، كما تخضع أنشطة الغوص لاشتراطات بيئية محددة كما يوضح كمال، تشمل توعية السائحين بعدم لمس الشعاب أو إلقاء المخلفات وتنظيم حركة الغواصين تحت الماء لتجنب أى احتكاك مباشر بالنظام البيئي. ويلفت إلى أن مشروع االشمندوراتب الذى تنفذه جمعية هيبكا بالتعاون مع وزارة البيئة يعد من أهم مشروعات حماية البيئة البحرية، حيث وصل عدد نقاط الربط حتى الآن إلى 1400 نقطة ربط فى مواقع الغوص، وذلك لمنع رسو المراكب على الشعاب مباشرة، وهو ما ساهم فى تقليل الأضرار المادية بشكل كبير. كما تم تطوير نظام شمندورات فى مواقع السفن الغارقة باستخدام حبال ربط مبتكرة، بما يضمن توجيه النشاط السياحى بعيدًا عن المناطق الأكثر حساسية.

ويضيف أن جهود مكافحة الصيد الجائر تُعد من أولويات العمل البيئي، خاصة فى ظل انتشار بعض الممارسات غير القانونية مثل استخدام شباك النيلون وحرف الجر والشنشولا، والتى تؤثر سلبًا على المخزون السمكى والتوازن البيئي. حيث تعمل الوزارة على تطبيق قانون الصيد المستدام إلى جانب تكثيف الرقابة والتوعية، مع التأكيد على أهمية الحفاظ على الأنواع السمكية التى تلعب دورًا فى تنظيف الشعاب المرجانية ودعم توازنها الطبيعي.

اقرأ  أيضا: الكشف عن صهاريج مياه ضخمة بميناء عيذاب الأثري بحلايب 

 
 
 
 
 
 
 
 

الكلمات الدالة

 
 
 
 
 

مشاركة