محمود بسيونى
محمود بسيونى


محمود بسيونى يكتب: خطوة.. لا تحتمل التأجيل

محمود بسيوني

الجمعة، 17 يوليه 2026 - 09:31 م

هل تتذكر آخر مرة جلست فيها مع عائلتك، أو أطفالك، أو أصدقائك، دون هواتف؟ ودون سوشيال ميديا؟

تاريخ بعيد.. أليس كذلك؟

لدىَّ إحساس قوى منذ فترة أننا نعيش فجوة زمنية استسلمنا فيها طواعية لمنتجات السوشيال ميديا المختلفة. وهى، بلا شك، تمتلك جوانب إيجابية كثيرة، وكانت نافذة أطلقت مواهب وإبداعاتٍ لم تكن تجد طريقها إلى الجمهور من قبل، لكن الوجه الآخر أصبح بالغ الخطورة، بعدما بدأت تتمدد من خلالها ظواهر وسلوكيات وقيم تتنافى مع ثوابت المجتمع المصرى وأخلاقياته.

أخطر ما تسببت فيه السوشيال ميديا فى تقديرى هو تحويل الإدمان الرقمى إلى ظاهرة مجتمعية واسعة، فلم يعد الاستخدام المُفرط لمنصات التواصل مجرد سلوك شخصى، بل أصبح نمط حياة يستهلك الوقت، ويؤثر فى الصحة النفسية، ويضعف التركيز والإنتاجية، ويعيد تشكيل العلاقات الأسرية، واستبدل الآباء والأمهات والأبناء الحوار الأسرى بجروبات « الواتس «، فأصبح أفراد الأسرة يجتمعون فى مكان واحد بينما يعيش كل منهم فى عالم افتراضى مختلف، بما يهدد واحدة من أهم ركائز استقرار المجتمع، وهى الأسرة المصرية.

وتتضاعف الخطورة مع وجود تنظيمات متطرفة وشبكاتٍ منظمة تستغل الفضاء الرقمى لتمرير الأكاذيب، وصناعة الشائعات، وبث المعلومات المضللة، مستفيدة من سرعة الانتشار وصعوبة المحاسبة. ويقفز إلى الذهن سؤال مشروع: لماذا تتحرك بعض المنصات بسرعة مذهلة عندما يتعلق الأمر بمصالح دول بعينها، مثل إسرائيل والولايات المتحدة بينما تتعامل بقدر كبير من البطء أو الصمت مع حملات التشويه والتحريض التى تستهدف مجتمعاتٍ أخرى؟
هذه الأسئلة لم تعد ترفًا فكريًا، بل أصبحت ضرورة للحفاظ على المجتمع المصرى وقيمه، لأن السوشيال ميديا لم تعد مجرد وسيلة للتواصل، وإنما تحولت إلى لاعب رئيسى فى تشكيل الوعى العام، وصناعة الرأى العام، والتأثير فى السياسة والاقتصاد والثقافة والأمن القومى.

لقد تغير ترتيب مصادر التأثير داخل المجتمع. كانت الأسرة هى المدرسة الأولى، ثم المدرسة، ثم المسجد والكنيسة، ثم وسائل الإعلام التقليدية، أما اليوم فقد أصبحت شاشة الهاتف المحمول هى المعلم الأول لكثير من الأطفال والشباب، من «جيل زد»  وتتحكم فى وعيهم خوارزميات لا تعرف هوية المجتمع ولا ثقافته ولا مصالحه.

الأزمة أن هذه الخوارزميات لا تكافئ الحقيقة، وإنما تكافئ التفاعل، فكلما كان المحتوى أكثر إثارة أو صدمة أو انفعالًا، ازدادت فرص انتشاره، بغض النظر عن كونه صحيحًا أو كاذبًا، نافعًا أو ضارًا، وهكذا أصبح المحتوى الهابط أكثر رواجًا من المحتوى المفيد، وأصبحت الشائعة أسرع من الحقيقة.

وفى مصر، تخطت هذه القضية مجال الجدل والنقاش، وأصبحت قضية أمن مجتمعى، فالشائعات التى تنتشر فى دقائق قد تربك الأسواق، وتثير المخاوف، وتستهدف مؤسسات الدولة بشكل ثابت، وتشوه سمعة أشخاص دون دليل، ومع التطور الهائل فى تقنيات الذكاء الاصطناعى، أصبح إنتاج صور وفيديوهات مزيفة بتقنية «التزييف العميق» أمرًا بالغ السهولة، بما يفتح الباب أمام جرائم جديدة لم تكن موجودة قبل سنواتٍ قليلة.

لا شك أن فوضى السوشيال ميديا جزء من حروب الجيل الرابع وتُستخدم لإنهاك المجتمع، وإضعاف الثقة فى مؤسساته، وإثارة الانقسام بين مكوناته، وتوظيف الفضاء الرقمى باعتباره ساحة العمليات الرئيسية، وفى هذا النمط من الحروب، تتحول منصات التواصل الاجتماعى إلى أخطر أدوات التأثير، لأنها قادرة على الوصول إلى ملايين المواطنين فى ثوانٍ، وتشوه صورة المجتمعات وتصنع رأى عام مضلل، وتضخم الحوادث الفردية حتى تبدو وكأنها أزمة وطنية.

«أخبار اليوم « قررت اقتحام الملف الشائك ومطالبة المشرعين فى مجلس النواب بتشريع يحمى المجتمع من تغول السوشيال ميديا والدعوة للاستفادة من التجارب التشريعية الدولية من أجل حماية المصريين من ذلك الخطر المستشرى.  

ولعل التجربة الأوروبية تقدم نموذجًا مهمًا فى هذا المجال. فقد اتجه الاتحاد الأوروبى إلى فرض التزامات صارمة على المنصات الرقمية فيما يتعلق بإزالة المحتوى غير القانونى، وزيادة الشفافية بشأن الخوارزميات، وحماية الأطفال، ومكافحة المعلومات المضللة، ولم يعتبر أحد أن هذه التشريعات تمثل اعتداءً على حرية التعبير، بل اعتُبرت حماية للمجتمع من فوضى الفضاء الرقمى.

أما فى مصر، فإن القضية ترتبط أيضًا بخصوصية مجتمع له قيمه وتقاليده وثوابته، فلا يمكن القبول بأن تتحول المنصات إلى ساحات مفتوحة للإساءة، أو نشر المحتوى المنحرف، أو التحريض على الكراهية، أو تدمير السمعة، أو ممارسة الابتزاز، أو التلاعب بعقول الشباب، بينما تقف الدولة والمجتمع مكتوفى الأيدى بدعوى حماية الحرية.

لسنا ضد السوشيال ميديا، ولا ندعو إلى الحجب أو المنع أو مصادرة الرأى، فهذه المنصات أصبحت جزءًا من الاقتصاد والتعليم والإعلام والحياة اليومية، لكننا مع حرية مسئولة، تحترم القانون، وتحفظ حقوق الآخرين، وتصون المجتمع من الاستخدام الإجرامى للتكنولوجيا.

قطعًا التشريع وحده لا يكفى والأمر يتطلب أيضًا بيئة إعلامية محترفة قادرة على إنتاج محتوى مفيد وجذاب ودعم الإعلام المهنى القادر على المنافسة فى البيئة الرقمية، باعتباره خط الدفاع الأول عن الوعى العام منظومة تحافظ على حرية الرأى والتعبير وفى نفس الوقت لديها القدرة على محاصرة ظواهر اجتماعية مرفوضة مثل: الجريمة الإلكترونية، وخطاب الكراهية، والتطرف.

والأهم أن تستعيد الأسرة عافيتها وحوارها الإنسانى الطبيعى، أن يتحدث الأب والأم مع أولادهم دون وسيط إلكترونى، أن يعود غرس القيم والأخلاقيات من خلال حكايات ونصائح الأب والأم أو الجد والجدة 

أدرك بالتأكيد صعوبة ذلك.. لكنها ممكنة بالمحاولة والإلحاح.

وذلك بالتوازى مع دور المؤسسات الدينية بصياغة خطاب توعوى يرتكز على القيم الأخلاقية والمسؤولية المجتمعية وبجانب هذا الدور الروحى يأتى دور  وزارة التربية والتعليم داخل المدارس لترجمة هذه التوعية إلى سلوكيات يومية عبر المناهج.

إن مقاومة ومحاصرة الآثار الخطيرة للسوشيال ميديا باتت فى تقديرى ضرورة لاستقرار الحياة الأسرية المصرية وضمان مستقبلها.. وخطوة لا تحتمل التأجيل.
 

 
 
 
 
 
 
 

الكلمات الدالة

 
 
 
 
 

مشاركة