الوجه المظـلم للسـوشـيـال مـيـديـا
«الأخبار» تواصـل كشف الوجه المظـلم للسـوشـيـال مـيـديـا
« جيل زد » فى فخ العنف الرقمى
الأحد، 19 يوليه 2026 - 08:06 م
يشهد المجتمع المصرى فى السنوات الأخيرة تغيرات سلوكية غير معتادة، خاصة بين الشباب والمراهقين، حيث ظهرت أنماط جديدة من السلوكيات السلبية كالتنمر والعنف والتحرش، فضلًا عن جرائم غريبة أثارت تساؤلات، حول مدى قدرة أدوات وأساليب علم النفس والاجتماع التقليدية على تفسير هذه السلوكيات وفهمها بشكل دقيق، وإمكانية تطبيق الحلول المناسبة للتعامل مع الجيل الجديد.
تناقش «الأخبار» فى هذا التحقيق مجموعة من المختصين فى علم النفس والاجتماع بهدف استيضاح ما إذا كانت الأساليب التقليدية التى يتبعونها لا تزال صالحة؟ أم أن المرحلة الحالية تتطلب تطويرًا وتحديثًا فى الآليات البحثية والتحليلية، بما يواكب سرعة التغيرات الاجتماعية ويحقق نتائج فعالة مع الشباب والمراهقين؟
الإعجاب والتنمر الإلكترونى يؤثر على الدماغ.. و«البلوك» حيلة لمواجهة الحزن الواقعى
فى البداية تؤكد د. هالة رمضان، مدير المركز القومى للبحوث الجنائية والاجتماعية، أن التعامل مع الأجيال الحالية يحتاج لاتباع أساليب تناسب عقولهم وخبراتهم المحدودة، ولكن لا يزال معظم متخصصى علم النفس والاجتماع يتفقون على أن الحلول التقليدية والتى تعتمد على التربية والأسرة هى أساس القيم والمبادئ التى يتسم بها المجتمع المصري، غير أنها فى نفس الوقت لم تعد فعالة مع الجيل الحالي، حيث أن النصائح المكررة لم تعد تحقق التأثير المرجو، وأصبحت وحدها غير كافية للتعامل مع الواقع الرقمى الجديد الذى يعيشه الشباب اليوم، والذى يبعدهم عن العالم الذى تربى فيه الأجيال السابقة.
وتشدد على أهمية معالجة الفجوة الرقمية بين الأجيال، خاصة بين الآباء والأمهات والشباب، وضرورة القضاء على الأمية الرقمية للكبار، ومواكبتهم للعالم الرقمى حتى يتمكنوا من التواصل مع الجيل الجديد على أرضية مشتركة.
وأشارت إلى أهمية وعى الشباب بالأمن الرقمي، ومعرفة كيفية التمييز بين المعلومات الصحيحة والمضللة، واستثمار التكنولوجيا لصالحهم بدلاً من إضاعة الوقت.
وتؤكد أن الأساسيات مثل التوعية الأسرية والدينية والتواصل مع أماكن العبادة تظل ضرورية، لكن حل المشكلات الحديثة يتطلب برامج وآليات جديدة، بما فى ذلك متابعة المحتوى الرقمى والدراما القصيرة التى يتابعها الشباب بشكل واسع.
كما تضيف أن الدراما الرقمية القصيرة تمثل مدخلاً قوياً للتأثير الإيجابى على الشباب، بشرط أن يتم إنتاجها بمسئولية اجتماعية، مع دعم المحتوى الذى يعزز القيم الإيجابية ومحاربة القيم الهدامة. وتضيف أن الشباب حاليًا متعطشون لمحتوى يتحدث معهم بأسلوبهم، وخير دليل على ذلك نجاح برنامج «دولة التلاوة» وتحقيقه نسب مشاهدة عالية، مما يدل على استعداد الشباب لتلقى الرسائل الإيجابية إذا تم تقديمها بالطريقة الصحيحة.
وفيما يتعلق بدور متخصصى علم النفس والاجتماع، تؤكد د. هالة أنهم بحاجة لتطوير أساليبهم، بما فى ذلك التواجد الرقمى والعمل على محاربة وصمة المرض النفسى وتشجيع الشباب على اللجوء إلى المختصين.
كما تشدد على أهمية دعم العلاج النفسى الرقمي، بحيث يتمكن الشباب من التعبير عن طاقاتهم السلبية والحصول على نصائح مهنية من مختصين، بدل الاعتماد على قنوات رقمية غير موثوقة أو الذكاء الاصطناعى غير الموجه.
وتؤكد أن المركز القومى للبحوث الجنائية والاجتماعية يعمل على رصد ودراسة الظواهر الجديدة على المجتمع المصرى سواء على أرض الواقع أو من خلال منصات التواصل الاجتماعي، بما فى ذلك متابعة محتوى الدراما الرقمية، ورصد الإيجابيات والسلبيات، بهدف فهم المشاكل المستحدثة ومعالجتها، مشددة على ضرورة التعاون بين جميع الجهات المعنية لتحقيق نتائج فعالة.
منطق الماضى!
الواقع الذى نعيشه من تغير طبيعة العلاقات والسلوكيات بين الشباب والمراهقين فى المجتمع المصري، يستدعى إعادة النظر فى طرق التعامل النفسى والاجتماعى التقليدية، بحيث تتماشى مع أسلوب حياة الجيل الحالى وطرق تواصله المختلفة. هكذا تبدأ حديثها د. عائشة حسن، المستشارة السلوكية والتربوية، وتضيف أن الجيل الجديد يتعلم مفاهيم الحب والقبول والرفض من خلال «الشات»، «الريلز»، والقصص السريعة على منصات التواصل، حيث أصبحت العلاقات أسرع، والمشاعر أحيانًا سطحية وأحيانًا مؤلمة جدًا. وتلمح إلى أن المجتمع لا يزال يتعامل مع هذه المشكلات بنفس منطق الماضي، دون مراعاة أن أدوات التواصل نفسها تغيرت، وهذا ينطبق على السلوكيات أيضًا.
وتشير إلى أن الأسلوب التقليدى لم يعد كافيًا بمفرده، ليس لأن العلم نفسه خاطئ، ولكن لأن طريقة استخدامه تحتاج إلى تحديث، وتطبيق أدوات جديدة تتماشى مع أسلوب حياة الجيل الجديد وسرعة تفاعله الرقمية؛ فالمختص النفسى والاجتماعى يحتاج إلى فهم لغة هذا الجيل، والعيش فى واقعه، والاعتراف بأن السوشيال ميديا أصبحت جزءًا من تكوينه النفسي، سواء أحببنا ذلك أم لا.
وتوضح أن تطوير الأدوات يشمل الاستماع أكثر بدل الحكم المباشر، والفهم قبل التشخيص، واستخدام أمثلة قريبة من حياتهم ومقنعة لهم بدل النظريات البعيدة عنهم. كما تؤكد أن العلاج النفسى والتفسير الاجتماعى لا يجب أن يكون معقدًا أو مخيفًا، بل حقيقيًا وملموسًا للشباب، لأن الجيل الجديد لا يرفض المساعدة، بل يرفض الأسلوب الذى يشعر أنه غير مفهوم أو غير مشارك فيه.
وتخلص د. عائشة إلى أن المشكلة ليست فى الجيل نفسه، بل فى محاولتنا أحيانًا حل مشكلات جديدة بعقلية قديمة، ومع عالم يتغير بسرعة كل يوم، من الضرورى أن تتغير أدوات الفهم والتفسير أيضًا لتواكب هذا التغيير.
إنسان العصر الرقمى
وترى د. هاجر عبد العال سيد، الاستشارى النفسى والتربوي، أن الاعتماد المتزايد على العالم الرقمى فى حياة الشباب والمراهقين، جعل التربية وعلم النفس يواجهان تحديًا جديدًا يتمثل فى معالجة سلوكيات جيل لم يعد يعيش بنفس واقع الأجيال السابقة. وتقول: إننا نعيش ما تسميه «الاغتراب التشخيصي»، إذ نحاول علاج «إنسان العصر الرقمي» باستخدام أدوات «إنسان عصر الراديو».
وتشير إلى أن الأسلوب التقليدى فى العلاج النفسى والتربوي، الذى يعتمد على دور «الحكيم» وإعطاء النصائح الجاهزة، لم يعد مناسبًا لجيل يمتلك المعلومات بضغطة زر، الجيل الجديد لا يحتاج إلى مجرد نصائح، بل إلى تفسير وفهم، حيث يسألون «لماذا» قبل «كيف» وإذا لم يتطور المختص ليفهم لغة التريند وديناميكيات السوشيال ميديا، سيفقد هذا الجيل ثقته به ويعتبره قديم الطراز.
وكما توضح؛ فإن «الدوبامين السريع» الناتج عن التفاعل الرقمى غيّر كيمياء الصبر لدى الشباب، مما يجعل الأساليب التقليدية طويلة الأمد غير فعالة. لذلك، من الضرورى تطوير آليات علاجية تفاعلية وسريعة، تفهم أن الإعجاب أو التنمر الإلكترونى يمكن أن يؤثر على الدماغ تمامًا كما يفعل الحزن الواقعي.
وتلفت د. هاجر إلى ظهور آليات دفاعية حديثة، مثل «البلوك» و«الهايد»، والتى تحل اليوم محل الانسحاب الاجتماعى التقليدي، ويجب على المختصين فهم أن هذه الأدوات الرقمية قد تكون وسيلة لحماية الصحة النفسية، خاصة أمام الآباء، وليس مجرد تصرفات يجب إعادة توجيهها بالقواعد التقليدية.
هوية «مُركبة»
وتوضح أن الهوية لم تعد كتلة واحدة كما كان يفترض فى الأساليب القديمة، فجيل اليوم يمتلك هوية مركبة: شخصية فى الواقع، وأخرى افتراضية على إنستجرام، وثالثة مجهولة على تويتر. لذلك، يحتاج المختص إلى أدوات التحليل الرقمى للشخصية لفهم تأثير الخوارزميات على وعى المراهق، ما يجعل العلاج التقليدى وحده غير كافٍ.
المرونة النفسية
وأخيرًا، ترى د. هاجر أن المرحلة الحالية تتطلب الانتقال من مجرد «العلاج» إلى بناء «المرونة النفسية»، فدورها كاستشارية لا يقتصر على حل المشكلة، بل تدريب المراهق على الصمود أمام ضغوط المقارنات والمثالية الزائفة التى يواجهها يوميًا على شاشته. ومن وجهة نظرها، ليس العلم بحاجة إلى تغيير، بل العدسات التى نرى بها هذا العلم، ويجب على المختص النفسى أن يخرج من العيادة الصامتة ليفهم ضجيج العالم الافتراضي، وإلا سيتحول علم النفس إلى «تحفة متحفية» بدلاً من أن يكون أداة إنقاذ حية.
مع التغيرات السريعة فى المجتمع وتأثير وسائل التواصل الاجتماعى والدراما الرقمية، أصبح الشباب فى حالة من الضغط الرقمى الدائم ليستطيع مواكبة كل ما هو جديد، وتشير د. ليلى عبدالوهاب، أستاذ علم الاجتماع، إلى أهمية التفرقة بين علم النفس وعلم الاجتماع فى مواجهة هذه الظواهر السلبية التى تنهم فى الأجيال الجديدة؛ فبينما يهتم علم النفس بالسلوك الفردى للشخص، يهتم علم الاجتماع بالسلوك الاجتماعى الذى يتجاوز الأفراد إلى المؤسسات والعلاقات الاجتماعية السائدة فى المجتمع.
وتوضح أن كثيرًا من السلوكيات المستهجنة التى تصدر عن شباب اليوم تعكس تراجع دور الأسرة والمدرسة فى التنشئة الاجتماعية السليمة، فالكثير من الشباب أصبحوا فريسة لمنصات التواصل الاجتماعى (السوشيال ميديا)، أو للدراما التى تكرس قيم العنف والأنانية والاستهتار بكل ما هو جاد، أو لأصدقاء السوء الذين قد يفوق تأثيرهم تأثير الأسرة وغيرها من المؤسسات المسؤولة عن التربية وضبط السلوك الاجتماعي.
ومن هذا المنطلق، ترى د. ليلى أن النصائح الفردية لا تجدى نفعًا بمفردها، بل يجب التوجه نحو التعامل مع المؤسسات، مثل الأسرة، ومؤسسات التعليم، والمؤسسات الدينية، ووسائل الإعلام، بحيث تقوم كل مؤسسة بدورها فى توجيه النشء والشباب ورفع وعيهم بالقيم والسلوكيات الإيجابية، لضمان تكوين مجتمع أكثر توازنًا واستقرارًا.
مسئولية الأسرة
وبينما تركز الدراسات الحديثة على تحليل الظواهر الرقمية، تشير أبحاث تنمية الشخصية إلى أن تعديل السلوكيات يبدأ من الأسرة، خاصة من الأم، التى تلعب دورًا رئيسيًا فى توجيه الطفل وتنمية مهاراته الشخصية اللازمة للتحكم فى سلوكياته.
تقول د. منار حسن، الاستشارى النفسى والتربوى ومدرب تنمية المهارات الشخصية للأطفال، أن الحل الفعال لتعديل السلوكيات يبدأ من الأمومة الحقيقية، وكما يجب على المختصين إعادة فهم الواقع الذى نعيشه، على الأسرة أيضا فهم ذلك ومحاولة التربية من البداية بما يتناسب مع سمات هذه الأجيال.
فلا يمكن للأم الاكتفاء بتوجيه الأوامر والنواهى بشكل متكرر دون أن ترى أثرًا عمليًا لذلك على طفلها، فالتكرار المستمر يولد شعور الأم بالإحباط والانفعال، ويدخلها فى صراع مستمر مع سلوكيات الطفل، ما يجعل تعديل السلوكيات أمرًا صعبًا.
وتؤكد د. منار على ضرورة أن تكون الأم متوازنة نفسيًا وعاطفيًا، مع صبر وطول بال، لتتمكن من تنمية المهارات الشخصية للطفل، مثل ضبط النفس واحترام الحدود، ما يساهم فى الحد من العنف والتنمر والتحرش. ولتطوير هذه المهارات، يجب تدريب الطفل على التفكير والتحليل والاستنتاج قبل التصرف، بحيث يفهم تأثير أفعاله ويتعلم تعديل سلوكه تدريجيًا.
وتشير إلى أن تدريب الطفل يحتاج إلى وقت وصبر، وأن الدعم يجب أن يأتى من الأسرة والمدرسة معًا، ضمن برنامج متكامل لتطوير مهارات الطفل، كما توضح أن دور الأب أساسى فى هذا السياق، من خلال التعاون مع الأم ومساندتها فى عملية التدريب، وعدم الضغط على الطفل بوسائل العنف أو الإهانة، ويجب أن تواكب المدرسة خطوات التدريب، بحيث يعرف المدرسون كيفية التعامل مع الطفل ضمن بيئة الصف بما يدعم تطوير سلوكه بشكل مستدام.
الكلمات الدالة
الاخبار المرتبطة
فقاعة رقمية
وَلَدِى عَليَّا «حَجَر»| «قضايا الولاية» تشعل صراع المال والسلطة العائلية أسفل مظلة الحماية
قناة السويس أسقطت مؤامرة «النفط المسروق»!
العلم يفســــر زيادة هجمات
30 يونيو تعرّى «الإرهابية».. وسنوات ما بعد الثورة تكشف أسرار قرن الأكاذيب الإخوانية
إيصالات أمانة وشيكات «على بياض» شرط التوظيف فى بعض الشركات
رئيس صوماليا لاند مُزوَر.. وزيارته لتل أبيب تطبيع مرفوض
الوساطة «المصرية - الباكستانية» أعادت صياغة مشهد الشرق الأوسط
اللواء إبراهيم عثمان:«الأوكتاجون» نقل العقيدةمن حراسة الحدود إلى إدارة الوجود








