عمرو خسر علاقاته العائلية بسبب المنصات
عمرو خسر علاقاته العائلية بسبب المنصات


«الأخبار» تواصـل كشف الوجه المظـلم للسـوشـيـال مـيـديـا

فقاعة رقمية

محمد قنديل

الأحد، 19 يوليه 2026 - 08:19 م

العزلة التقنية تهدد الروابط الاجتماعية والتواصل المباشر يتراجع إلى 12%

عمرو خسر علاقاته العائلية بسبب المنصات.. وعبد الله خضع للعلاج من الاكتئاب

خبراء: تصنع جيلًا أحادى التفكير.. والتماسك الأسرى أولى الضحايا

فى عصر تُقاس فيه الشعبية بعدد المتابعين، وتُختزل العلاقات فى قائمة أصدقاء لا تنتهى، تتسلل الوحدة بهدوء إلى حياة كثيرين، دون أن يلحظها أحد، فخلف الشاشات المضيئة تختبئ غرف صامتة، وخلف الابتسامات التى تملأ الصور يقف أشخاص يفتقدون حديثًا صادقًا أو لقاءً عابرًا أو كتفًا يستندون إليه وقت الانكسار، فالوحدة الآن لا تعنى أن تكون وحيدًا، بل أن تشعر بذلك رغم أنك محاط بآلاف الوجوه الافتراضية.
«الأخبار» تفتح ملف العزلة الاجتماعية الناتجة عن زيادة التواصل الرقمى حتى أصبح كل فرد كأنه يعيش داخل «فقاعة رقمية»، وترصد كيف غيّرت التكنولوجيا شكل العلاقات الإنسانية، ولماذا يجد بعض الأشخاص أنفسهم محاطين بآلاف المتابعين، لكنهم يفتقدون صديقًا واحدًا يمكن الاعتماد عليه عندما تنطفئ الشاشات، فيما يعرف بالوحدة الرقمية.

فى كل مرة يفتح فيها عبد الله أحمد، بثًا مباشرًا على «تيك توك»، تنهال عليه التعليقات والإعجابات، ويستقبله آلاف المتابعين بابتسامات افتراضية وكلمات إعجاب لا تنتهى.. أمام الكاميرا يبدو واثقًا، خفيف الظل، حاضرًا دائمًا، وكأنه يعيش حياة مثالية لا ينقصها شىء، لكن ما إن يغلق هاتفه حتى يعود إلى عالم مختلف تمامًا، غرفة هادئة، وصمت طويل، ووحدة يحاول إخفاءها عن الجميع.
يقول عبد الله البالغ من العمر 30 عامًا، إن صناعة المحتوى سرقت منه حياته الشخصية، فكل لحظة أصبحت مشروعًا لمنشور جديد، وكل موقف يفكر فيه أولًا: «هل يصلح للتصوير؟»، ومع مرور الوقت ابتعد عن أصدقائه الحقيقيين، وأصبح تواصله معهم يقتصر على الرسائل السريعة.
ويحكى أن اللحظة التى أدرك فيها حجم أزمته كانت فى إحدى الليالى بعد انتهاء بث مباشر شاهده الآلاف، أغلق الهاتف، وشعر بضيق شديد ورغبة فى البكاء، لكنه اكتشف أنه لا يعرف من يمكنه الاتصال به ليقول له ببساطة: «أنا مش بخير».
عندها لجأ إلى طبيب نفسى، الذى شخص حالته باكتئاب مرتبط بضغوط العمل والعزلة الاجتماعية، وخضع لجلسات علاج نفسى استمرت عدة أشهر، إلى جانب تنظيم ساعات استخدامه للهاتف.. واليوم، يحرص عبد الله على استعادة علاقاته القديمة وابتعد بالتدريج عن السوشيال ميديا، مؤمنًا بأن آلاف المتابعين لا يعوضون صديقًا واحدًا يعرف حقيقتك خارج إطار الكاميرا.
تطبيقات التواصل الاجتماعى
أما عمرو محمد فلم يكن صانع محتوى ولا يبحث عن الشهرة، لكنه كان يقضى ساعات يوميًا بعد تخرجه فى كلية الآداب، يتنقل بين «فيسبوك» و»إنستجرام» و»تيك توك»، يتابع حياة المؤثرين ورحلاتهم وسياراتهم وإنجازاتهم، حتى أصبحت المقارنة جزءًا من يومه.
فى البداية ظن أن الأمر مجرد ترفيه، لكنه اكتشف لاحقًا أنه فقد معظم وقته، وبدأ يعتذر عن عدم لقاءات الأصدقاء والعائلة بحجة الانشغال، بينما يقضى الساعات ممسكًا بهاتفه، حتى عندما يجلس وسط أسرته، كان حاضرًا بجسده فقط، أما انتباهه فكان مع الشاشة.
ويحكى أن الموقف الذى غيّر حياته حدث فى عيد ميلاد والدته، كانت الأسرة مجتمعة للاحتفال، لكنه ظل يتصفح هاتفه معظم الوقت، منشغلًا بمتابعة منشورات الآخرين والرد على الرسائل، وفى نهاية اليوم، سألته والدته بهدوء: «هو إحنا بقينا أقل أهمية من الناس اللى فى الموبايل؟»، لم يستطع الرد، وشعر للمرة الأولى بأنه خسر لحظات حقيقية لن تعود.
بعدها قرر حذف تطبيقات التواصل الاجتماعى لمدة شهر كامل، بناءً على نصيحة من شقيقه، كانت الأيام الأولى صعبة، إذ كان يشعر برغبة مستمرة فى الإمساك بالهاتف، لكنه بدأ تدريجيًا يستعيد عاداته القديمة، عاد للجلوس مع أسرته، والالتقاء بأصدقائه، وممارسة الرياضة والقراءة، وأصبح أكثر راحة فى التعامل المباشر مع الناس، بعدما أدرك أن الحياة فى المنصات ليست الصورة الكاملة للواقع.
العلاقات الإنسانية
الشعور بالوحدة أصبح يتسلل إلى حياة ملايين الأشخاص رغم أنهم يقضون ساعات يوميًا بين الرسائل والإشعارات ومنصات التواصل الاجتماعى، هذه المفارقة رصدها تقرير حديث صادر عن منظمة التعاون الاقتصادى والتنمية (OECD)، الذى خلص إلى أن التطور الرقمى غيّر شكل العلاقات الإنسانية، لكنه لم ينجح فى تعويض دفء التواصل المباشر.
ويشير التقرير إلى أن نسبة الأشخاص الذين يلتقون أصدقاءهم يوميًا وجهًا لوجه تراجعت من 21% عام 2006 إلى 12% فقط فى 2022، بينما ارتفعت فى المقابل معدلات التواصل اليومى مع الأصدقاء عبر الهاتف والمنصات الرقمية من 24% إلى 28% خلال الفترة نفسها، كما انخفضت اللقاءات اليومية مع أفراد العائلة من 17% إلى 11%، فى مقابل زيادة التواصل عن بُعد من 23% إلى 29%.
ووفقًا للتقرير، فإن واحدًا من كل عشرة أشخاص يشعر بأنه لا يملك شخصًا يمكنه اللجوء إليه عند الحاجة، بينما يؤكد نحو 8 % أنهم لا يمتلكون صديقًا مقربًا، ويعترف 6% بأنهم يشعرون بالوحدة معظم الوقت، وترتفع هذه المعدلات بصورة أكبر بين الشباب، الذين يعدون الفئة الأكثر استخدامًا لوسائل التواصل الاجتماعى، والأكثر تعرضًا فى الوقت نفسه لمشاعر العزلة.
ويرى التقرير أن المشكلة لا تكمن فى التكنولوجيا ذاتها، وإنما فى تحولها لدى كثيرين إلى بديل عن العلاقات الواقعية، إذ حلت الرسائل السريعة والإعجابات محل الجلسات العائلية والزيارات واللقاءات المباشرة، مؤكدًا أن التواصل الرقمى يظل أداة للتقارب إذا دعم العلاقات الواقعية، لكنه قد يتحول إلى سبب فى تعميق الشعور بالوحدة عندما يصبح بديلًا عنها.
آفة العصر
فى هذا الصدد، أكد د. وليد رشاد، أستاذ علم الاجتماع الرقمى بالمركز القومى للبحوث الاجتماعية والجنائية، أن العزلة الاجتماعية الناتجة عن الرقمنة أصبحت «آفة العصر»، موضحًا أن الاعتماد المتزايد على العلاقات الرقمية بات يؤثر بصورة مباشرة فى العلاقات الواقعية، حتى داخل الدائرة الأسرية.
وأضاف أن تقارير عالمية تشير إلى أن من أكبر التحديات التى تواجه الأسرة حاليًا فكرة العزلة داخل المنزل، وتراجع الحوار الأسرى، وهو ما تعد العزلة الرقمية أحد أبرز أسبابه، إذ خلقت نوعًا آخر من التواصل هو «الحوار الرقمى» على حساب الحوار المباشر بين أفراد الأسرة.
وأوضح رشاد أن الأطفال والشباب هم الأكثر عرضة لمخاطر العزلة الرقمية، باعتبارهم الأكثر تعاملًا مع المجتمع الرقمى، لافتًا إلى أن الطفل الذى ينشأ معتمدًا على العلاقات الافتراضية يصبح من الصعب دمجه فى المجتمع الواقعى مرة أخرى، وهو ما يؤدى إلى نشأة مبكرة على العزلة الاجتماعية، وأضاف أن ترك الأطفال للموبايلات ووسائل التواصل الاجتماعى دون توجيه يخلق حالة يسميها علم الاجتماع بـ»الاغتراب»، أى انفصال الفرد عن الواقع المحيط به، حيث يعيش داخل ما يُعرف بـ»الفقاعة الرقمية».
وأشار إلى أن الفقاعة الرقمية تجعل الفرد محاطًا فقط بالأفكار والآراء المؤيدة لقناعاته، دون التعرض لوجهات النظر المختلفة، ما يرسخ حالة من أحادية التفكير، ويقلل من تفاعله مع الآخرين، ليس فقط فى الواقع، وإنما حتى داخل العالم الرقمى نفسه.
ولفت إلى أن العزلة الرقمية لم تعد مرتبطة بالأطفال أو المراهقين فقط، وإنما تجاوزت جميع المراحل العمرية، لتصل إلى فئة متوسطى العمر وكبار السن، موضحًا أن هذا الأمر يمكن ملاحظته فى الأماكن العامة، حيث يقضى كثير من كبار السن وقتهم فى الألعاب الإلكترونية أو المحادثات عبر وسائل التواصل الاجتماعى، مؤكدًا أن أخطر ما فى الظاهرة أنها «عبرت الأجيال»، فلم تعد مقصورة على فئة عمرية بعينها.
الحدود الجغرافية
وأضاف أستاذ علم الاجتماع أن تداعيات العزلة الرقمية تختلف من مرحلة عمرية إلى أخرى، فهى بالنسبة للأطفال ترسخ الاعتياد على العزلة منذ الصغر وتصل إلى التوحد، وبالنسبة للمراهقين والشباب تبعدهم عن السياق الاجتماعى والمشاركة الواقعية فى المجتمع، بينما تمنح كبار السن شعورًا مؤقتًا بالمؤانسة الاجتماعية، إلا أن الإفراط فيها قد يؤدى إلى مزيد من العزلة، حتى داخل التجمعات العائلية، حيث ينشغل الجميع بهواتفهم المحمولة ويتراجع الحوار بينهم، وتسهم أيضًا بظهور حالات من «الطلاق العاطفى» فى الأسرة.
وأكد أن هذه الظاهرة ليست مرتبطة بالمجتمعات الحضرية فقط، وإنما أصبحت موجودة أيضًا فى الريف، مشيرًا إلى أن العزلة الرقمية تخطت حدود الأجيال كما تخطت الحدود الجغرافية، وأصبحت ظاهرة عامة لا تقتصر على مكان أو فئة بعينها.
وشدد على أن مواجهة هذه الظاهرة تتطلب استراتيجيات تختلف باختلاف المرحلة العمرية، موضحًا أن حماية الأطفال مسئولية الكبار فى المقام الأول، من خلال خلق مساحة للحوار معهم وعدم تركهم وحدهم مع الأجهزة الذكية.
وقال إن التعامل مع أول جهاز يحصل عليه الطفل يجب أن يكون باعتباره «مهارة» مثل تعلم السباحة أو ركوب الدراجة، تحتاج إلى تدريب ومتابعة وإشراف، مستندًا فى ذلك إلى نتائج دراسات بحثية، مؤكدًا أن ترك الطفل يخوض العالم الرقمى بمفرده عبر التجربة والخطأ يمثل خطورة كبيرة.
وفيما يتعلق بالشباب، أكد رشاد أن التوعية هى الوسيلة الأهم، موضحًا أن دور الأسرة يتراجع نسبيًا فى هذه المرحلة، ما يستدعى مشاركة وسائل الإعلام، وحملات التوعية، وحتى منصات التواصل الاجتماعى نفسها، فى نشر ثقافة الاستخدام الرشيد للعالم الرقمى وهو نفس الأمر بالنسبة لكبار السن، مؤكدًا أن التكنولوجيا تحمل فرصًا كبيرة للتعلم والعمل والتواصل، لكن المطلوب هو ترشيد استخدامها وليس رفضها، حتى لا ينطبق القول بأن وسائل التواصل الاجتماعى «قرّبت البعيد وأبعدت القريب».
القرب الإنسانى
وفى السياق ذاته، قال د. أحمد هارون، استشارى الصحة النفسية، إن الفارق الحقيقى بين التواصل الرقمى والعلاقات الإنسانية المباشرة يكمن فى الأثر النفسى الذى يتركه كل منهما داخل الإنسان، موضحًا أن التواصل المباشر لا يقتصر على تبادل الكلمات، بل يشمل قراءة تعبيرات الوجه ونبرة الصوت ولغة الجسد ودرجة الاهتمام وحتى لحظات الصمت، وهى تفاصيل تمنح الدماغ رسالة بالأمان والانتماء، مفادها: «أنت لست وحدك، وهناك من يشعر بك».
وأضاف أن التواصل الرقمى يختصر العلاقة فى كلمات وصور ورموز تعبيرية، لذلك يستطيع نقل المعلومة، لكنه لا ينجح دائمًا فى نقل الإحساس، مشيرًا إلى أن الشخص قد يتواصل مع عشرات الأشخاص عبر مواقع التواصل الاجتماعى، لكنه لا يعرف إلى من يلجأ إذا تعرض لأزمة نفسية، أو من سيفتقده إذا اختفى أيامًا، مؤكدًا أن كثرة الأصدقاء والتفاعل لا تعنى بالضرورة وجود شبكة دعم نفسى حقيقية أو علاقة يشعر فيها الإنسان بأنه مفهوم ومقبول كما هو.
وأوضح أن العيادات النفسية تشهد تزايدًا فى حالات ما وصفه بـ»الوحدة وسط الزحام الرقمي»، حيث يعيش كثيرون حالة اتصال دائم بالآخرين، لكنهم يفتقدون الشعور الحقيقى بالقرب الإنساني، لافتًا إلى أن الوحدة فى العصر الحالى لم تعد تعنى قلة الناس، وإنما قلة العلاقات التى تمنح الإنسان الطمأنينة والأمان.
وأشار إلى أن الإفراط فى استخدام وسائل التواصل الاجتماعى لا يغير فقط طريقة التواصل، بل يغير أيضًا نظرة الإنسان إلى نفسه وإلى الآخرين، إذ يبدأ فى استبدال العلاقات العميقة بعلاقات سريعة، فيكتفى بالإعجاب بدلًا من الحوار، وبالرسائل بدلًا من الزيارات، وبمشاركة المنشورات بدلًا من مشاركة المشاعر، ومع مرور الوقت تقل قدرته على بناء العلاقات الحقيقية التى تحتاج إلى الصبر والتفاهم وتقبل الاختلاف.
دائرة القرب النفسى
وأوضح هارون أن أخطر مؤشر على تحول مواقع التواصل من وسيلة للتواصل إلى سبب للعزلة ليس عدد ساعات الاستخدام، وإنما ما يفقده الإنسان مقابل هذه الساعات، مثل تأجيل زيارة المقربين والاكتفاء بالرسائل، أو تفضيل الحديث عبر الشاشة رغم إمكانية اللقاء، أو الشعور بالقلق عند الابتعاد عن الهاتف أكثر من القلق عند الابتعاد عن الناس.
وأضاف أن من العلامات كذلك أن ينشغل الشخص بهاتفه أثناء جلوسه مع أسرته، أو أن يصبح أول ما يفعله عند حدوث أى موقف هو تصويره ونشره قبل أن يعيشه، إلى جانب تراجع عدد الأشخاص الذين يستطيع التحدث معهم بصدق عن مشاعره، رغم اتساع دائرة معارفه عبر الإنترنت، مؤكدًا أن العلاقات الرقمية قد توسع دائرة المعرفة، لكنها قد تضيق دائرة القرب النفسى.
وشدد على أن استعادة التوازن بين الحياة الرقمية والعلاقات الواقعية تبدأ بإدراك أن التكنولوجيا وسيلة لدعم العلاقات وليست بديلًا عنها، داعيًا كل شخص إلى أن يسأل نفسه: «كم شخصًا أتحدث معه يوميًا؟ وكم شخصًا أشعر معه بالأمان؟»، مؤكدًا أن الإجابة عن هذا السؤال تكشف طبيعة العلاقات الحقيقية فى حياة الإنسان.
وأوضح أن تحقيق هذا التوازن لا يحتاج إلى قرارات كبيرة، وإنما إلى عادات بسيطة ومستمرة، مثل تخصيص وقت يومى بعيدًا عن الهاتف، والحرص على لقاء المقربين وجهًا لوجه، وإجراء مكالمات هاتفية بدلًا من الاكتفاء بالرسائل، إلى جانب بناء حياة واقعية ثرية من خلال الهوايات والرياضة والتعلم والعمل والمشاركة المجتمعية، لأن الإنسان كلما وجد مصادر حقيقية للرضا فى الواقع، قل احتياجه إلى البحث عن الإشباع النفسى داخل العالم الافتراضى.

 
 
 
 
 
 
 

الكلمات الدالة

 
 
 
 
 

مشاركة