خفاش - ارشيفية
باتمان في مختبرات سنغافورة.. حكاية "خفاش" يتحدى الأمراض والشيخوخة
الأحد، 26 يوليه 2026 - 04:36 م
في أحد المختبرات الهادئة بسنغافورة، لا تبدأ الحكاية بضجيج الأجهزة أو أنابيب الاختبار، بل بعبارة دافئة يهمس بها الباحث راندي فو وهو يفتح كفّه بحذر: "مرحباً يا فتاة"، وكانت المخاطبة موجّهة إلى خفاش صغير، بعينين واسعتين وجسد لا يتجاوز حجم راحة اليد، لكنه يحمل في داخله أسراراً قد تغيّر مستقبل الطب البشري.
رفع الباحث الخفاش برفق من جرابه، ووضعه تحت ضوء أبيض ساطع، ثم بدأ يفحص جناحيه وفروه وبطنه بعناية شديدة، بحثاً عن أي علامة إصابة أو مرض قد يهدد بقية المستعمرة.

- علاج أمراض مزمنة وإبطاء الشيخوخة
وبعد دقائق من الفحص، ابتسم قائلاً: "إنها بصحة ممتازة"، فلم يكن هذا مجرد فحص روتيني، بل خطوة جديدة في رحلة علمية طويلة يسعى خلالها الباحثون لفهم أحد أكثر الكائنات غموضاً على وجه الأرض.
ودائمًا يرتبط الخفافيش في المخيلة الغربية بالظلام والرعب والأمراض، بينما تنظر إليها ثقافات آسيوية كثيرة باعتبارها رمزاً للحظ والرخاء وطول العمر، ولكن في المقابل، اختار علماء سنغافورة أن ينظروا إلى الخفاش من زاوية مختلفة تماماً؛ ليس باعتباره ناقلاً للأوبئة، وإنما مفتاحاً قد يفتح الباب أمام علاج أمراض مزمنة وإبطاء الشيخوخة.

- مقاومة فيروسات قاتلة
داخل مستعمرة بحثية مغلقة، تعد من بين القلائل في العالم، يعيش نحو مائتي خفاش من خفافيش الرحيق في بيئة تحاكي الطبيعة، وعلى مدار ما يقرب من عشر سنوات، يراقب العلماء حياتها وسلوكها ووظائفها الحيوية، محاولين الإجابة عن سؤال حير الباحثين طويلاً: كيف يستطيع هذا الحيوان الصغير مقاومة فيروسات قاتلة مثل الإيبولا وداء الكلب وفيروس "سارس-كوف-2".
اقرأ ايضا| الخفافيش في اليوم العالمي لتقديرها.. حقائق مذهلة عن أكثر الكائنات الليلية فائدة للبيئة
بينما ينجح في الوقت نفسه في تجنب أمراض ترتبط عادة بالتقدم في العمر، مثل السرطان والسكري؟ كانت المفاجأة أن الخفافيش لا تتمتع فقط بجهاز مناعي فريد، بل تمتلك أيضاً قدرة استثنائية على التحكم في الالتهابات داخل الجسم، والالتهاب المزمن منخفض الدرجة يُعد اليوم أحد أهم العوامل المرتبطة بالشيخوخة والإصابة بالعديد من الأمراض المزمنة لدى الإنسان.

- أول تجربة سريرية
أما الخفاش، فيبدو وكأنه وجد معادلة طبيعية تمنع هذه الالتهابات من الخروج عن السيطرة، وما زاد دهشة العلماء أن بعض أنواع الخفافيش تعيش أكثر من أربعين عاماً، رغم صغر حجمها الشديد، وهو عمر يُعد استثنائياً إذا ما قورن بالحيوانات الصغيرة الأخرى، التي غالباً لا تعيش سوى سنوات معدودة.
ويرى بعض الباحثين أن هذا العمر الطويل يعادل إذا تم مقارنته بالإنسان، حياة قد تمتد إلى أكثر من قرنين، فلم تعد هذه النتائج تبق حبيسة المختبرات، بل بدأت تتحول إلى تطبيقات عملية، حيث أعلن الباحثون أن أول تجربة سريرية لعقار مضاد للالتهابات مستوحى من آليات عمل جهاز المناعة لدى الخفافيش من المقرر أن تبدأ قريباً، في خطوة قد تمثل بداية جيل جديد من العلاجات التي تستلهم حلولها من الطبيعة.

ويقف خلف جانب كبير من هذه الأبحاث عالم الأحياء الشهير لينفا وانغ، الذي لم يكن يتوقع يوماً أن يصبح أحد أبرز المتخصصين في دراسة الخفافيش، حيث بدأ حياته الجامعية راغباً في دراسة الهندسة الكهربائية، قبل أن توجهه الجامعة إلى علم الأحياء، وهو القرار الذي غيّر مسار حياته بالكامل، حتى أصبح يُلقب اليوم بين زملائه بـ"باتمان"، نظراً لعلاقته الوثيقة بهذا الكائن الغامض.
- قصة أمل علمي جديد
ويؤكد الباحثون أن الهدف لا يتمثل في نقل خصائص الخفافيش إلى الإنسان بشكل مباشر، وإنما في فهم الآليات البيولوجية التي طورتها عبر ملايين السنين، ثم محاكاتها لتطوير أدوية أكثر فاعلية وأقل آثاراً جانبية.
وهكذا تتحول حكاية مخلوق ارتبط بالخوف والأساطير إلى قصة أمل علمي جديد، فربما يكون ذلك الخفاش الصغير، الذي حمله الباحث بين يديه، مفتاحاً لفهم أسرار مقاومة الأمراض وإبطاء الشيخوخة، وربما يحمل بين جناحيه الإجابة عن أحد أكبر الأسئلة التي شغلت الإنسان عبر التاريخ: كيف يمكن أن نعيش حياة أطول وأكثر صحة؟
الكلمات الدالة
الاخبار المرتبطة
«ماما في الفريزر».. حكاية مُخيفة داخل «عقار سيدي جابر»
موكب البخور والطرابيش.. حكاية "مطيّبي الجنازات" في شوارع القاهرة القديمة
حيّر العالم.. «قرص سابو» يكشف أسرار التكنولوجيا في مصر القديمة
عمره 240 مليون عام.. حكاية «الماستودونصور» أضخم مفترس في التاريخ
حكايات من كيمت | ودائع الأساس.. الرسائل التي أخفاها الملوك تحت المعابد
زهور على قدم التابوت.. أسرار أكبر عملية إنقاذ للمومياوات في التاريخ القديم
الوجه المظلم للألعاب الإلكترونية.. أسرار شبكة "764" لتدمير المراهقين
معجزة العمارة الإسلامية.. حكاية قبة السلطان الأشرف "قايتباي"
"لعبة القدر".. لغز رقم 19 في رحلة لامين يامال "الاستثنائية"









