د. رمزى عبد العزيز  خلال حواره مع «الأخبار»
د. رمزى عبد العزيز خلال حواره مع «الأخبار»


«الاخبار» تحاور جنود القوى الناعمة «6»

الدكتور رمزي عبدالعزيز: جائحة كليات القمة ضربت مجتمعنا.. ومجموع الثانوية حوّل بيتنا لـ«مأتم»

حازم بدر

الإثنين، 19 ديسمبر 2022 - 10:03 م

المُعافِر د. رمزى عبد العزيز «عامل المصنع» الذى صار باحثا فى تكنولوجيا النانو بفنلندا:

تفوقى لم يمنحنى وظيفة بمصنع .. وكان الرد: «العامل لا يصبح كيميائيا»

صدفة أيقظت حلم البحث العلمى وحولتنى من مندوب دعاية طبية إلى أكاديمى

لم أكن سعيدا بصعوبات البدايات ولكن كنت مُعافِرا وإيجابيا

فى زيارته الأخيرة إلى القاهرة، اشتاق رمزى عبد العزيز، الباحث فى علوم وتكنولوجيا النانو بجامعة «آلتو» الفنلندية، وعضو هيئة التدريس بمركز التصوير النانومترى بالجامعة، إلى وجبة كشرى مصرية، فدخل إلى أحد المطاعم، وقبل أن يضع أول ملعقة فى فمه، اقترب منه أحد العمال قائلا: «حضرتك د.رمزى»؟.

وضع د. رمزى الملعقة فى طبقه، ونظر له بكل اهتمام، سائلا إياه إن كانت هناك سابق معرفة، فكانت المفاجأة أن هذا العامل تخرج بتفوق فى إحدى كليات القمة بمجال الهندسة، ويعرف د. رمزى من خلال مقالاته واسهاماته المجتمعية الواسعة، وأهمها منصة «العيادة التعليمية» على موقع «فيسبوك» ، وهى مبادرة أسسها بالتعاون مع آخرين، لنقل خبرات وتجارب الباحثين المصريين بالخارج إلى الشباب المصري، قبل أن تتحسر على حال هذا الشاب الذى أجبرته ندرة الفرص على العمل فى مطعم كشري، فإن د. رمزى نفسه كان صاحب قصة شبيهة، حيث عمل تاجر شنطة متجولا، وبائعا للقماش بعض الوقت، وعاملا بسيطا باليومية، وكانت كل هذه الأعمال محطات فى رحلة الصعود، التى ذكر تفاصيلها فى كتابه «عَافِر».

والجميل أنه لمس فى هذا الشاب رغبة فى تكرار قصة نجاحه، حتى أنه قال له بنظرة شغوفة يعرف د. رمزى معناها جيدا: « إن شاء الله التقيك مجددا فى جامعات أوروبا».

هذه الحالة التى أبدى د.رمزى إعجابه بها على صفحته بموقع «فيس بوك»، تثير الكثير والكثير من التساؤلات، حول كيفية نقل عدوى الشغف والالهام لشبابنا رغم ظروف الحياة الصعبة، وكيف يمكن للنظام التعليمى ان يكون داعما لهذا الشغف، وكيف يمكن لمبادرات مثل «العيادة التعليمية» المساهمة فى صناعة هذا الشغف.. وإلى نص الحوار.

دعنا ننطلق فى البداية من لقطة الشباب التى أوردتها على صفحتك بالفيس بوك، وأحدثت جدلا كبيرا.. هل كان هذا الشاب ضحية نظام تعليمى لا يزال يقدس ما يسمى بـ كليات القمة؟
 بنبرة صوت متحمسة يقول: يا ليت كل شبابنا مثل هذا الشاب، الذى فضل أن يعمل عملا مفيدا، كمرحلة انتقالية، فى طريق طويل ينتوى ان يقطعه للوصول إلى هدفه، لذلك انا لست قلقا عليه أو غيره ممن لديهم نفس العقلية، ولكن ما يحزنني، هو شاب وجد نفسه فى احدى كليات القمة، وتخرج فيها دون ان يكون لديه شغف حقيقى بالتخصص، وهؤلاء هم ضحايا ما يمكن تسميته بـ «وهم كليات القمة».

فيروس كليات القمة

لماذا أسميته بـ «الوهم»، رغم أنك ذكرت فى إحدى الفيديوهات، أن أسرتك كانت تنتظر منك اللحاق بكلية الطب؟

يضحك قبل يقول: سأزيدك من الشعر بيتا، لقد تحول بيتنا يوم ظهور نتيجة الثانوية العام إلى مأتم، فبعد أن شيعنا حلم دخول كلية الطب مع ظهور النتيجة، توافد المعزون على المنزل لتقديم واجب العزاء لى ولوالدي.

ويصمت لوهلة، قبل ان يقول بنبرة حزينة: تخيل حجم الضغط النفسى الذى نضعه على أبنائنا، دون أن ندري، مع أن الابن يمكن أن يبنى قصة نجاح فى مجال آخر غير الطب، وقد تكون قدراته غير متوافقة مع هذه الكلية، وأتحدى أن تسأل طالبا سيلتحق بالكلية عن أسباب التحاقه بها، وتحصل على إجابة مقنعة، فهو دخل الكلية، لأن مجتمعنا يعانى من جائحة قديمة ومستمرة معنا اسمها «فيروس كليات القمة»، وهو فيروس لا يوجد إلا فى المجتمع العربي، وبشكل أكبر وأشد ضراوة فى مصر.

أخشى أن يفهم من حديثك، وكأننا ننتقد هذه الكليات

يشير بسبابته قائلا بلهجة حاسمة: ليس هذا المقصود، فأنا أريد أن أقول لمن لم يلتحق بهذه الكليات، إن هذه ليست نهاية العالم، وتستطيع أن تصنع قصة نجاحك فى كلية أخرى، وأتمنى من ناحية أخرى أن يتغير النظام التعليمى بطريقة تساعد الطالب على دراسة ما يحب، وليس دراسة ما يفرضه عليه مكتب التنسيق.

لقب «دكتور»

أتصور أن ما أسميته بـ«فيروس كليات القمة»، يعيش إلى الآن فى مجتمعنا، لأننا نعطى مزيدا من التقدير لمن يحمل لقب (دكتور) أو ( مهندس) ؟

يضحك مجددا قبل أن يقول: هذا الفيروس للأسف كان متمكنا من بيتنا، فوالدى كان يحلو له ان ينادينى منذ الصغر بـ «دكتور رمزي»، وكنت أشعر بألم نفسى أنى خيبت أمله، والمفارقة أن شقيقتى وشقيقى أيضا، خيبا أمله، لكن حصلنا جميعا على لقب «دكتور» ولكن من تخصصات أخرى، فشقيقتى استاذة للكيمياء بجامعة الأزهر، وشقيقى حصل على الدكتوراة فى الهندسة من فنلندا، ويجرى حاليا أبحاث ما بعد الدكتواة فى ألمانيا، وأنا حصلت على الدكتوراة فى علوم وتكنولوجيا النانو من كلية الهندسة بجامعة كيل بألمانيا عام 2015، قبل الانتقال للعمل فى جامعة «ألتو» الفنلندية.

 إذن أنت وأخوتك التحقتم بالكليات التى أهلكم لها المجموع، بصرف النظر عن الاهتمام، فما الذى تريد من الشباب أن يفعلوه الآن؟

 يرفع ثلاثة من أصابعه قبل أن يقول بنبرة متحمسة: أريد منهم أولا أن يحددوا مصدر قوتهم، يقيموا أنفسهم بشكل صحيح (يعنى باختصار هو شاطر فى إيه، بيستمتع بدراسة إيه؟)، وثانيا: يرصد التخصصات التى يحتاجها العالم حاليا مثل البرمجيات وانترنت الأشياء وخلافه، وثالثا: ما هى الرسالة التى يريد ان يؤديها فى المجتمع، ومن خلال التفكير فى هذه الأشياء الثلاثة يستطيع أن يحدد مساره المهنى مستقبلا.

هل فكرت فى هذه الأشياء وأنت تلتحق بكلية العلوم؟

بدون تردد يقول: بالقطع لا، ولذلك أنا أسعى من خلال مبادرة «العيادة التعليمية» توجيه الطلاب كى تكون مسيرتهم أسهل وأيسر.

أحب أن أتعرف على تفاصيل هذه المسيرة؟

يأخذ رشفة من زجاجة مياه كان يحملها فى يده، استعدادا لإجابة طويلة، استهلها بقوله: مشكلتنا عندما نتخرج فى الثانوية العامة، أننا ننظر تحت أقدامنا، ولا يوجد أفق واسع لدينا يتيح لنا النظر فيما سيحدث خلال العشرين سنة القادمة، ربما أكون محظوظا بعض الشيء، أن شقيقتى الكبرى سبقتنى إلى كلية العلوم، وأصبحت معيدة، فكانت نصيحتها لى هى التركيز فى الدراسة ، حتى أتمكن من التعيين معيد فى الكلية، ورغم حصولى على تقدير كبير، لم أتمكن من التعيين فى وظيفة معيد.

ولأننا كما قلت لك ننظر تحت أقدامنا، أسودت الدنيا فى نظرى قليلا بعد فقدان هذا الهدف، فلم يكن لدى خطط بديلة، وبعد فترة بدأت انتفض، وأبحث عن تلك الخطط ، وكانت فرصة الحصول على وظيفة كيميائى بإحدى الشركات دربا من المستحيل، فاضطررت للعمل مندوبا للدعاية الطبية فى شركات الأدوية، وفى تلك المرحلة من حياتى تزوجت وأنجبت اثنين من أبنائي، ولكنى كنت أتردد على «كشك جرائد» لقراءة الصحف، وفى إحدى المرات، وقعت عينى على إعلان بإحدى الصحف لمنح الماجستير ممولة من أكاديمية البحث العلمي، فأيقظ هذا الإعلان حلم البحث العلمى من جديد الذى قتله عدم التعيين معيدا فى الكلية، وتقدمت لهذه المنحة، واخترت إجراء أبحاث الماجستير فى المركز القومى للبحوث.

ويصمت لوهلة يلتقط خلالها الأنفاس قبل أن يواصل الحديث قائلا: كانت هذه المنحة تشترط التفرغ، كما تنص على أن الأكاديمية غير ملزمة بإلحاقك بأى جهة بعد الحصول على الماجستير، لكنى لم أكن أملك رفاهية التفرغ، فكنت أعمل كمندوب بدوام كامل، فى نفس الوقت أجرى أبحاث الماجستير، وكانت فترة مرهقة جدا فى حياتى تكللت بالحصول على الماجستير، ثم يشاء القدر أن يعلن المركز القومى للبحوث عن وظائف، وأتقدم لاحداها، وأحصل على وظيفة مساعد باحث.
من «شنبارة».

إلى فنلندا

كيف جاءت النقلة من المركز القومى للبحوث إلى الخارج؟

يشير بيده طالبا الانتظار، قبل أن يقول: كنت سأستطرد باقى محطات الرحلة، والتى لعبت فيها زوجتى دورا مهما، وهى بالمناسبة كانت تعمل بالمركز القومى للبحوث، قبل التحاقى به، حيث إنها كانت شغوفة بالعمل فى الخارج، وقدمت على منح لدراسة الدكتوراة بالخارج، ووفقت فى الحصول على منحة بجامعة كيل فى ألمانيا، وكان ذلك حافزا لى على محاولة الحصول على منحة أيضا، ووفقت فى الحصول على منحة بنفس الجامعة، ومن هنا بدأنا رحلة مستمرة فى الخارج منذ 14 عاما، انتقلنا خلالها من ألمانيا إلى فنلندا مؤخرا.

هذه الرحلة ما بين مصر والخارج من المؤكد أنها كانت مليئة بالصعوبات

ترتسم على وجهه مشاعر التحدي، وهو يستعيد تفاصيل رحلته، قائلا: رزقنى الله بأب وأم لا يقرأون ولا يكتبون، وكنا خمسة من الأبناء، وكانت وظيفة الأب فى الخدمات المعاونة بالشباب والرياضة، ولم يكن دخله كافيا للإنفاق على تعليمنا، وهذا جعلنى اتحمل المسئولية منذ الصغر، فعملت فى كل الأعمال، من الفلاحة إلى جمع الثمار إلى تاجر شنطة وبائع متجول بالقماش، وكانت الوظيفة الأصعب، هى عامل فى مصنع «كربونات الكالسيوم» فى العاشر من رمضان، وكانت وظيفة مرهقة بدنيا وعصبيا وصحيا، وكان مشرف العمال ، لا يحبنى لمجرد أنى «متعلم»، وكان يكلفنى بأعمال مرهقة تفوق أقراني، وفى حوار محبط من حواراته الدائمة معي، قلت له بتحد: «سيأتى يوم وتمر على قريتى ( شنبارة الميمونة) بالزقازيق، وتسأل عن منزل الدكتور رمزى عبد العزيز، وقد تحقق ما قلته له والحمد لله».

كانت أحد أحلامى أن أعمل فى هذا المصنع «كيميائيا» بعد التخرج فى قسم الكيمياء، وأخذت ورقى بعد التخرج وشهادتى التى كانت تشير إلى حصولى على تقدير إمتياز، وكنت آمل أن يمنحنى سابق خبرتى فى العمل بالمصنع، فضلا عن شهادتى وحصولى على تقدير مرتفع، أفضلية للعمل، ولكن مدير المصنع رفض بشدة، وقال: « العامل لا يصبح كيميائيا ولو كان الأول على دفعته»، وأذكر أن شخصا كان فى مكتب مدير المصنع يتابع هذا الحوار، قال لى دون أن يعرفني: « مكانك ليس هنا يا دكتور»، وكأنه كان يتنبأ لى بأنى سأسير فى طريق البحث العلمي.

الطاقة الإيجابية

حالة الفخر والسعادة التى ترتسم على وجهك الآن وانت تتحدث عن صعوبات البدايات، سببها معروف، وهو أنك استطعت تحقيق انجاز ما، ولكن هل كنت تشعر بالسعادة وأنت تواجه تلك الصعوبات؟

يصمت لوهلة قبل أن يقول بنبرة متحمسة: لم أكن سعيدا، ولا مستمتعا بطبيعة الحال، فقد كنت أعمل فى أعمال بدنية شاقة لا تناسب عمري، ولكن كنت رغم ذلك مُعافِرا وراضيا ولدى طاقة إيجابية، وكنت دائما ما أقول لنفسى إن هذا الوضع لن يستمر، ولكن لكى أغيره ليس لدى بديل سوى العمل، والحمد لله كانت لدينا طاقة أمل ونور تفجرت فى المنزل مع تفوق شقيقتى الكبرى وتعيينها معيدة فى كلية العلوم، فقد كان ذلك رسالة بأن الصعوبات لن تدوم.

تخيل أنك لم تمر بتلك الظروف التى تحكيها الآن بكل فخر، هل كان شيء سيختلف فى مسيرتك المهنية؟

يغمض عينيه للحظات، قبل أن يقول بنبرة صوت هادئة: بالقطع لا أعلم.. ولكن ما أعرفه هو أنى كنت أسعى لتحويل المعاناة إلى أمل، والمحنة إلى منحة، وأنصح دائما الشباب بألا يستسلموا للمشاكل، ويترجموا الصعوبات لمزيد من العمل، بدلا من ترجمتها إلى بغض وشكاية وتباكي.
 أتشوق الآن لمعرفة كيف تنقل هذه الخبرات الحياتية لأبنائك.

يرسم هذا السؤال ابتسامة هادئة إلى وجهه قبل أن يقول: أحاول أن أنقل لهم خبراتى الحياتية، فالعمل منذ الصغر أكسبنى مهارات اجتماعية ومهارات فى التواصل، ساعدتنى كثيرا، وأحب أن يكتسب أبنائى هذه المهارات، بالرغم من أنهم لا يعيشون نفس ظروفي، لذلك عودتهم على العمل منذ الصغر، فابنتى الكبرى «16 سنة» تقوم باعطاء دروس فى اللغة الإنجليزية وتشترى وتبيع بعض السلع عبر الانترنت، وكذلك ابنتى الثانية «13 سنة» تقوم بنفس النشاط التجاري، أما طفلى أحمد ومعتصم، فيتاجران فى ألعابهما القديمة فى سوق السلع المستعملة فى فنلندا، ومن حين لآخر يفاجئانى بمشروعات أخرى، وأنا أشجعهما على ذلك، للاندماج مع المجتمع الذى يعيشان فيه وإجادة لغته واكتساب مهارات التواصل والإقناع والشعور بقيمة العمل وجنى بعض المال.

النعيم الأكاديمي

ننتقل إلى قضايا البحث العلمي، واسمح لى أن تكون البداية بتعليق غاضب لأحد الباحثين المصريين كتبه على صفحته بالفيس بوك، موجها حديثه لك ولغيرك من الباحثين العاملين بالخارج، قال فيه «اتركونا وشأننا، ووفروا نصائحكم لأنفسكم، أو عودوا لتعيشوا التجربة معنا».. هل نصائحكم لا تتعامل مع الواقع الذى يعيشه الباحثون؟
تظهر علامات الدهشة على وجهه قائلا بنبرة متعجبة: أنا نصائحى منفصلة عن الواقع!!.. لقد عايشت الواقع الصعب والمعامل غير المجهزة، والأجهزة التى يحرم على الباحث لمسها، وهذه المعاناة البحثية، كانت سببا فى شعورى بلذة «النعيم الأكاديمي» فى الغرب، حيث الأجهزة التى تبلغ قيمتها ملايين الدولارات متوفرة، ولا توجد قيود فى استخدامها.

بالإضافة إلى أنى عايشت الصعوبات بنفسي، فأنا أعايشها حتى وأنا بالخارج، من خلال مبادرة «العيادة التعليمية» التى شاركت فى تأسيسها، ومن خلالها نستمع لمشاكل الطلاب والباحثين، ونقوم بتشخيصها واقتراح العلاج لها، وقد أصبح لدينا الآن أكثر من 130 ألف مشترك فى صفحة العيادة بمنصة «فيسبوك»، ويتولى تشخيص المشاكل واقتراح العلاج قائمة من الباحثين المصريين والعلماء المنتشرين والمنتسبين لأفضل مؤسسات وجامعات العالم.

قد تكون الظروف أوصلتك لما أسميته بـ «النعيم الأكاديمي»، ولكن أحد كبار الباحثين قال لى فى حوار سابق أنك يمكنك أن تبدع رغم المشاكل، إذا كان لديك شغف.. هل تتفق معه؟
 يومئ بالموافقة قبل أن يقول: الشغف يمكن أن يساعدك على الاستمرار، لأنه سيدفعك لبذل طاقة أكبر للقيام بعمل تحبه، وهذه الطاقة ستعينك على التغلب على المشاكل والصعوبات، وطرق أكثر من باب حتى تصل لهدفك.

ولكن ألا يمكن للصعوبات المادية أن تطفئ جذوة هذا الشغف؟
تخرج الكلمات من فمه سريعة وهو يقول: يمكن طبعا، ولذلك أنقل دائما تجربتى لشباب الباحثين، وعنوانها «لا تضع البيض فى سلة واحدة»، فقد وضعت قدمى فى عمل يؤمن لى دخلا ماديا، ووضعت القدم الأخرى فى العمل البحثي، لأنه كما قلت قد لا يكفى الشغف لمواجهة متطلبات الحياة المادية، وعندها يمكن أن يفقد الباحث شغفه.

المرونة البحثية

 يمكن ألا تكون تجربتك صالحة للتكرار فى كل الحالات

يهز رأسه بالموافقة، وهو يقول: بالطبع، فلو أن باحثا من أسرة ميسورة الحال ماديا، فليس مضطرا لذلك، ولكن إذا أردنا أن نخرج من هذا الإطار المادى إلى إطار آخر، فالفكرة الأخرى التى أريد توصيلها من تجربتي، هى أن الباحث لا يبنى مسارا واحدا أحاديا يتعين عليه السير فيه، لكن لابد أن تكون هناك مرونة وخطط بديلة، ولا يوجد ما يمنع أن يغير من اهتماماته البحثية تماشيا مع الاتجاه السائد، حتى لا يلقى مصير تليفون شركة نوكيا، الذى تجاوزه الزمن، لأنه لم يتغير ويتماشى مع الاتجاهات المعاصرة والمستقبلية.. وفى المجال البحثى تتغير وتتبدل الاهتمامات البحثية من حين لآخر، فالوضع بعد جائحة كورونا مختلف تماما عن الوضع قبلها، وأصبح أغلب التمويل للبحث العلمي، يذهب للأبحاث الصحية وأبحاث التغيرات المناخية، ولابد للباحث أن يكون لديه من المرونة، بحيث تخدم أبحاثه هذه الاتجاهات كلما أمكن ذلك.. وأنصح صغار الباحثين دوما، بأن يكون لهم موجه يرشدهم، ويتشارك معهم خبراته، ويمكن أن يعودوا له باستمرار لسؤاله والاستفادة من تجاربه ونصائحه.

جميل ان تسعى دوما لنقل خبرتك للآخرين، ولكن هل يمكن ان تتخلى عن ما أسميته بـ «النعيم الأكاديمي» فى الغرب، وتعود للعمل مجددا فى مصر؟

يبتسم ابتسامة خجولة، قبل أن يقول: فكرت فى ذلك عام 2018، وعدت بالفعل واستلمت عملى فى المركز القومى للبحوث، ولكن لم استمر طويلا، فقد كان راتبى لا يكاد يكفى نفقات الطعام والشراب، حيث كنت أتقاضى 5700 جنيه، فكيف سأستطيع بهذا المبلغ ان أوفر مصاريف المدارس ونفقات الطعام والشراب، فضلا عن أن لدى طفلا يعانى من مشكلة فرط حركة، ويحصل على علاج تكلفته عالية، لذلك عندما حصلت على فرصة فى جامعة «آلتو» الفنلندية عدت مجددا إلى الخارج.

هل الفارق فى الراتب كبير؟

 طبعا الفارق كبير، لكنه لا يمنحك الفرصة لأن تدخر منه وخصوصا مع وجود أطفال، فقط هو يعينك على أن تعيش حياة كريمة أنت وأبناؤك، فى ظل أن الحكومة متكفلة بخدمتى الصحة والتعليم.

 إذن أنت فى إجازة الآن من المركز القومى للبحوث؟

 يرد بحماس قائلا: تركته بالطبع وبإرادتي.. ومن الجيد أنك طرحت هذا السؤال، لأنه فرصة لأقول لزملائى الباحثين فى الخارج، انه ليس من العدل أن تحتفظ بوظيفتك فى مصر، بينما تعمل فى الخارج فى وظيفة دائمة، والأفضل أن تترك تلك الوظيفة ليستفيد بها شاب فى بدايات عمله البحثى ويحتاج لمثل هذه الوظيفة بشدة.

مستقبل تكنولوجيا النانو

 بما أنك متخصص فى النانو تكنولوجي، يهمنى معرفة رؤيتك لمستقبل هذه التكنولوجيا فى العالم بشكل عام وعالمنا العربى بشكل خاص؟

يخرج هاتفه المحمول من جيبه، وهو يقول: أفضل رد على سؤالك، هو أن ندخل على موقع «احصائيات النانو»، لنرى الوضع عالميا، فبينما نتحدث الآن، يوجد 110 آلاف منتج فى السوق معتمد على تكنولوجيا النانو، وهذه المنتجات تنتجها 3126 شركة، موزعة على 64 دولة، وهذه المنتجات فى مجالات الالكترونيات والملابس والسيارات والبيئة والطاقة والزراعة والطباعة وغيرها.

ووفق ترتيب الدول، فإن أمريكا تأتى فى المرتبة الأولى، تليها الصين، ثم ألمانيا، وتليها بريطانيا وايران وسويسرا وكوريا واليابان

ألا توجد دولة عربية فى القائمة؟

 بنبرة حزينة يقول: للأسف لا.

لماذا؟

لأننا لا زلنا نعانى من «الأمية النانوية».

كيف نمحو هذه الأمية؟

نمحوها بأن يكون لدينا برامج لتعليم النانو تبدأ من التعليم قبل الجامعي، وفى مرحلة التعليم الجامعى يكون هناك برنامج للنانو فى الكليات المختلفة، بحيث يدرس الطالب تخصصه الأساسي، بالإضافة لبرنامج فى النانو بهذا التخصص، فتكون هناك مثلا برامج فى كليات الهندسة والصيدلة والعلوم والزراعة.

هناك برنامج للنانو فى مدينة زويل، يقوده د.إبراهيم الشربيني، وقد كتبت كثيرا عن أبحاث خرجت عن هذا البرنامج؟

طبعا برنامج النانو فى مدينة زويل معروف جيدا، ولكن لم يتم تحويل أى بحث من مخرجاته إلى منتج صناعي، لأن مجال النانو ليس له أى انتشار فى المنطقة العربية، لذلك فإن أغلب خريجى هذا البرنامج، إن لم يكن كلهم، يسافر إلى الخارج بعد التخرج.

 البعض يرى أن تطبيقات النانو هى الأنسب للدول الفقيرة، لاسيما فى مجال الأدوية، لأنها تعظم من فائدة بعض الأدوية الموجودة فى السوق، دون الحاجة إلى انتاج دواء جديد، وهى عملية مكلفة وتحتاج لوقت طويل.. هل تتفق مع هذا الرأي؟

يومئ بالموافقة قبل أن يقول: دعنى أولا أقرب فكرة النانو تكنولوجى للناس، عن طريق مثال بسيط وهو دخان السجائر، فهذا الدخان هو المادة فى أحجام نانومترية، وعندما تصنع المادة فى هذا الحجم الفائق الصغر، تتغير خصائصها، فتصبح أكثر صلابة، عندما تستخدمها فى تطبيقات مثل البناء.. فالأسمنت مثلا فى حجم النانو، والذى يطلق عليه «غبار الأسمنت» يعطى صلابة أكبر، وفى تطبيقات الأدوية عندما تصبح المادة فى حجم النانو توفر فى تكاليف الانتاج، وتستطيع توجيهها بشكل محدد إلى العضو المصاب، لذلك فأنا أتفق بالفعل مع هذه الرؤية التى تقول إن تلك التكنولوجيا أنسب للدول الفقيرة، وهذا محفز للعمل على محو الأمية النانوية. وبكل تأكيد يحتاج أن يدرس العالم أيضا الآثار السلبية المترتبة من استخدام تلك التكنولوجيا.

أخيرا: ماذا عن أحدث انجازاتك البحثية فى هذا المجال؟

يخرج هاتفه المحمول مرة أخرى، و يقول وهو يشير إلى بحثه المنشور فى دورية «نيتشر كومينيكيشنز»: كان هذا هو آخر أبحاثي، المتعلقة باستخدام مواد نانومترية فى قتل الخلايا السرطانية، حيث قمت بإعداد «بيروكسيد الزنك» بأحجام نانوية مختلفة، وتوصلنا مع الفريق البحثي، برئاسة البروفيسور مادى البحري، أن هناك حجما محددا لمادة بيروكسيد الزنك هو الأكثر فاعلية فى قتل الخلايا السرطانية ويعتبر الأكثر أمانا على خلايا الجسم الطبيعية.

الكلمات الدالة

 
 
 
 
 
 
 
 
 

مشاركة