بوريس جونسون أثناء زيارته للرئيس الأوكرانى فولوديمير زيلينسكى فى كييف
بوريس جونسون أثناء زيارته للرئيس الأوكرانى فولوديمير زيلينسكى فى كييف


بريطانيا - روسيا.. أوكرانيا كلمة السر فى العداء الأخير

محاسن الهواري

السبت، 22 نوفمبر 2025 - 10:48 م

فى السنوات الأخيرة، أصبحت بريطانيا العدو الأول فى نظر موسكو، فقد اتهمتها السلطات الروسية بالتخطيط لهجمات بطائرات مسيرة على القواعد الجوية الروسية، وتفجير خط أنابيب نورد ستريم، وتوجيه «غارات إرهابية» داخل روسيا، بل وحتى المساعدة فى الهجوم المروّع الذى نفذه تنظيم الدولة الإسلامية على حفل موسيقى فى موسكو العام الماضى.

ومؤخراً، أضيف اتهام جديد إلى القائمة، إذ زعمت السلطات الروسية أن المخابرات البريطانية حاولت، وفشلت، فى استدراج طيارين روس للانشقاق نحو الغرب.

اقرأ أيضًا | موسكو تستبعد قبول «خطة ترامب» وتؤكد أن التقدم الميداني يمنحها ورقة قوة


وقال سيرجى لافروف، وزير الخارجية الروسى، للصحفيين فى موسكو: «إن جهاز الأمن الفيدرالى كشف المؤامرة بالتفصيل»، واصفاً ما سماه مخططاً مدعوماً من بريطانيا لاستدراج طيار روسى يقود طائرة مجهزة بصاروخ «كينجال» إلى رومانيا، حيث كان من المفترض أن تقوم قوات الناتو بإسقاطها.

وأضاف لافروف: «لا أعرف كيف سيغسل البريطانيون أيديهم من هذا، رغم أن قدرتهم على لعب دور الإوزة الخارجة من تحت الدش معروفة جيداً»، مستخدماً تعبيراً مجازياً روسياً يصوّر بريطانيا كأنها تخرج دائماً نظيفة رغم أفعالها.

من جهتها، تنفى لندن أى تورط فى هذه المخططات، لكنها أصبحت الآن خصماً رئيسياً للكرملين فى الحرب الدعائية، خصوصاً مع سعى موسكو لإعادة بناء العلاقات مع إدارة الرئيس الأمريكى دونالد ترامب، لتتولى بريطانيا الدور الذى كان محجوزاً سابقاً للولايات المتحدة.

وقال القبطان جون فورمان، الملحق الدفاعى البريطانى السابق فى موسكو لصحيفة الجارديان البريطانية: «ترى روسيا نفسها نداً للولايات المتحدة، والآن، بما أنهم لا يستطيعون انتقاد ترامب مباشرة، فمن تلوم على مشاكلك، وعلى الخسائر فى أوكرانيا، وعلى المليون ضحية؟ تلوم الأقرب للأمريكيين وهم البريطانيون، فمن السهل تصويرنا كسبب لكل مشاكل روسيا».

وقالت دائرة الاستخبارات الخارجية الروسية هذا العام: «إن لندن اليوم، كما كان الحال قبيل الحربين العالميتين، تعمل كمحرّض عالمى رئيسى على الحرب»، وهو دور قامت به بريطانيا مراراً على مدى أكثر من قرنين، فى نظر موسكو.

وخلال الحرب الباردة، كانت الولايات المتحدة تُعرف فى مصطلحات جهاز الاستخبارات السوفيتى (الكى جى بى) باعتبارها «العدو الرئيسى»، فيما جاءت بريطانيا فى مرتبة ثانية. ورغم استمرار المنافسة والتجسس المتبادل بين البلدين، كان التهديد البريطانى أمراً ثانوياً مقارنة بالصراع الأساسى مع واشنطن.

لكن التنافس بين روسيا وبريطانيا له جذور أعمق، تعود إلى القرن التاسع عشر، حين تنافست الإمبراطوريتان الروسية والبريطانية على النفوذ فى آسيا الوسطى، حيث اقتربت حدودهما أحياناً إلى مسافة عشرين ميلاً فقط.

وبعد ثورة أكتوبر عام 1917، أصبحت بريطانيا مجدداً الخصم الرئيسى فى نظر البلاشفة، بينما كانت الولايات المتحدة مجرد طرف ثانوى، إذ كان جهاز الاستخبارات السوفيتى يغطى الولايات المتحدة من قسمه البريطانى «لأنها دولة أنجلو- ساكسونية، ولأنها لم تكن تزعجنا كثيراً»، وفق ضابط الاستخبارات جورج أجابيكوف الذى انشق لاحقاً.

غير أن الغزو الروسى الشامل لأوكرانيا أوصل العلاقات بين الجانبين إلى مستوى جديد من التدهور، فعلى الرغم من أن ميزانية بريطانيا وقدراتها العسكرية أصغر بكثير من الولايات المتحدة، فإن البريطانيين غالباً ما كانوا أكثر استعداداً للمجازفة وتجاوز الحدود فى دعم أوكرانيا عسكرياً وتبادل المعلومات الاستخباراتية. وقال مصدر فى الاستخبارات الأوكرانية: «لقد كان البريطانيون متقدمين بخطوة منذ الأيام الأولى».

وكان رئيس الوزراء البريطانى السابق بوريس جونسون من أوائل القادة الغربيين الذين زاروا كييف بعد الغزو، إذ وصل فى أوائل أبريل 2022 بعد عشرة أيام فقط من انسحاب القوات الروسية من مواقعها حول العاصمة، وفى المقابل، لم يزر الرئيس الأمريكى جو بايدن كييف إلا فى فبراير 2023. ورغم أن المسئولين الأمريكيين وافقوا على دعم ضخم لأوكرانيا، فإنهم كانوا أكثر حذراً خشية التصعيد، فى حين استخدم جونسون خطاباً صارماً بشأن هزيمة روسيا، وهو أمر لم يمر دون ملاحظة فى موسكو.

واستغل المسئولون الروس، بمن فيهم الرئيس فلاديمير بوتين، مراراً الادعاءات التى تقول إن جونسون أفشل اتفاق سلام محتملاً فى ربيع 2022، ووفق الرواية الروسية، كانت كييف مستعدة للقبول بشروط معينة فى وقت مبكر من الحرب، لكنها تراجعت بأوامر بريطانية، وهى رواية يرفضها الرئيس الأوكرانى فولوديمير زيلينسكى لكنها أصبحت راسخة فى الإعلام الروسى الرسمى.

وبين أفراد النخبة الحاكمة فى روسيا، عاد مصطلح «الأنجلو- ساكسون» ليُستخدم كرمز لأعمق مخاوف الكرملين تجاه الغرب، إذ يُشير إلى تحالف جيوسياسى تقوده لندن، متهم بالتخطيط لاحتواء روسيا وإذلالها وفى النهاية تفكيكها.

وقد تسرّبت هذه العداوة من القمة إلى الشارع، حيث يتنافس مروجو الدعاية على التلفزيون الروسى فى إطلاق تهديدات متزايدة، ويزعم أحد مقدمى البرامج المقرّبين من بوتين أن بريطانيا يمكن «إغراقها تحت الماء» بواسطة الطوربيد النووى الروسى الجديد.

لكن هذه الكراهية تبدو غير ملحوظة فى بريطانيا نفسها، كما قال فورمان، الملحق الدفاعى البريطانى السابق فى موسكو: «إنهم يهتمون بنا أكثر بكثير مما نهتم نحن بهم. المواطن البريطانى العادى فى الشارع ليست لديه أدنى فكرة عن وجود هذه الكراهية».

وتزيد الأمور تعقيداً، إذ غالباً ما تكون رسائل موسكو متناقضة، فهى تصور بريطانيا تارة كقوة استعمارية متداعية، وتارة أخرى كقوة ذات نفوذ مفرط فى الشئون العالمية.

فقد ذكر بحث صدر مؤخرا عن مركز الأبحاث الاستراتيجية اليوروآسيوية أنهم ينظرون فى موسكو إلى بريطانيا باعتبارها «قوة ضعيفة، دميةً فى يد الولايات المتحدة، ومجتمعاً يعانى من انحلال أخلاقى واجتماعي».

ومن ناحية أخرى، كتب مايكل كلارك، الأستاذ الزائر فى دراسات الدفاع فى كينجز كوليدج لندن، فى موقع بريتش آرمى ريفيو مؤخرا يقول: «إن القادة السوفييت فى الماضى والروس الآن يقدمون مديحاً لبريطانيا حين يصورونها على أنها وراء كل مؤامرة ضدهم، فالاستخبارات البريطانية لا تزال الشرير المفضل لدى المحللين الروس».

وليست بريطانيا وحدها فى قائمة أعداء الكرملين، فمنذ انتخاب ترامب، انضمت أوروبا بأكملها، لكن للمملكة المتحدة مكانة خاصة. ويقول دبلوماسى أوروبى رفيع طلب عدم كشف هويته للجارديان: «إنهم لا يحبون أوروبا، لكنهم حقاً يكرهون البريطانيين».

ودبلوماسياً، تبدو موسكو غير مستعدة للتواصل مع لندن، حتى عبر القنوات الخاصة، بينما أبدت تقبلاً أكبر لبرلين وباريس، وذلك بحسب ما نشرته صحيفة فايننشيال تايمز البريطانية مؤخرا.

ويشير كلارك إلى أن العداء الروسى لبريطانيا يشتد بسبب ما تعتبره موسكو هشاشة الاستراتيجية البريطانية، فالمملكة المتحدة اصطفّت مع أوروبا لكنها تقف خارجها، وعزلت نفسها عن شركائها بسبب البريكست، مما يجعل استعادة مكانتها بين القوى الأوروبية الكبرى عملية صعبة، وفى الوقت نفسه، واجهت بريطانيا صعوبة فى الحفاظ على شراكة استراتيجية متجددة مع الولايات المتحدة فى ظل إدارتَى ترامب وبايدن. ويقول كلارك: «لذلك، ومن منظور موسكو، تبدو المملكة المتحدة أكثر عزلة منذ عام 1914، ويمكن استهدافها بسهولة».

 
 
 
 
 
 
 
 

الكلمات الدالة

 
 
 
 
 

مشاركة